مناهج الشرف3 – شرف الإنسان

بواسطة | محمد الخضر حسين
اطبع الموضوع
الاثنين 10 ربيع الأول 1426
من ضرب بنظره في سيرة رجم ممن شهدت لهم العقول الراجحة ، ورفعتهم في رتب السيادة إلى السنام ، وأخذ يتبصر في الأحوال التي امتاز بها سائر الحيوان ، فأول ما يطالعه في صحيفة آثاره عمل منتظم وسير لا عوج فيه ، يتحرك فتتناثر الصالحات من خلال حركاته ، ويسكن فتبتهج العيون بسكينته ، وليست هذه الشؤون الظاهرة مما يعرض لأعضائه بغتة ، مثل ما يعرض الاختلاج للعين والارتعاش لليد ، بل هي ناشئة عن قلب حاضر ، ومنسوجة بإرادة ثابتة . ونفقه أن هذه الإرادة لا تخطر على قلبه ، كما يريد ليقبض على ذبالة السراج فيمد يده إلأ]ها ، وإنما هي أثر علمخ يتقدمها ، وشعور بما يترتب على صنع كذا أو الإمساك عنه من جلب محمدة أو التخلص من معتبة . ولا يستقل العلم وحده بإنشاء هذه الإرادة على وجه منسجم ، فإنك ترى المسلم يعترف بفريضة الزكاة ، ويشعر بما يترتب على منعها من العقوبة في الدار الآخرة ، ثم يمسك عن إعطائها مطاوعة لطبيعة الشح بمكتسب المال ، أو حرصاً على إتلافه في تحصيل لذة عاجلة . فيؤخذ لصدور الإرادات الحسنة على منهج لا ينخرم ، شرط تنقيح النفس من الطبائع السيئة ، وترشيحها بالآداب الراقية .
ثم إن العلوم صور ترتسم فس النفس بواسطة قوة نسميها بالقل ، وقد يتفق لبعض من تخلصت له مزية العقل والعلم والأدب وحسن الإرادة ، أن لا يصدر عنه من العلمل الصالح ما يصدر عن ذلك الرجل الذي ضربناه مثلا ً. وهذا يستلفتنا لنعرف وصف آخر له مدخل في إبراز المساعي الحميدة إلى طرف الوجود ، وهو الاستطاعة .
فتحرر بهذا الاستقراء أن مدار كمال الانسان على عقل وعلم وأدب وإرادة واستطاعة وعمل .