حوار مع الشيخ محمد المهدي حول زيدية اليمن

بواسطة | أنور قاسم الخضري
اطبع الموضوع
الاثنين 13 جمادى الأولى 1428
أجرى الحوار : أنور قاسم الخضري**
أثارت صحف الأحزاب المحسوبة على المذهب الزيدي حملة شعواء على الصحابة الكرام، مثيرة كثيرا من المسائل غير ذات الصلة بالمذهب الزيدي فكرا ومذهبا وتاريخا، محاولة الظهور بمظهر الآسف على آل البيت والمتمسح بأعتابهم..! مخفية حقيقة التغلغل الإثنى عشري (الرافضي) الذي كشفته أحداث صعدة الأخيرة (العام الماضي). وهي محاولة كما يبدو لإشغال الأمة عن قضاياها المصيرية في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين المحتلة أو المهددة.. باتجاه ماض مزيف في كثير من ملامحه! في حين سلمت هجمة العدوان الصهيو -صليبي من هجمات هذه الصحف، الصحف التي أبدت شجاعة في ظل العدوان الأنجلوأمريكي على الأمة من أي وقت مضى!
وفي هذه الأثناء، وإبعادا لأي التباس وإغلاقا لملف الشيعة على صفحات "الرشد"، ما لم تستدعي الضرورة إلى ذلك، كان منا أن حرصنا على إجراء هذا الحوار مع الشيخ الداعية محمد المهدي، والذي عرف عنه الإنصاف والحكمة والمجادلة بالحسنى، حيث تولى خلال الفترة الماضية -مشكورا مأجورا- كشف الحقائق والرد على التلبيسات بنفس علمي وحوار موضوعي لم يستطع مخالفوه أن يجاروه فيهما!
وهذا الحوار جاء شاملا ومطولا، وقد كان من الشيخ مشكورا إجابة الدعوة وبذل الوسع، فزودنا بالكثير من الفوائد والآراء وأشبع الأسئلة ردا، حتى وقفنا أمام خيارين: تلخيص الردود، أو حذف بعض الإسئلة! فوقع الاختيار على الرأي الأول.. لأهمية ما أجاب به الشيخ واتساقه مع نسق الأسئلة.. ونعتذر بالغ الاعتذار للشيخ عن ذلك! وسوف نورد الحوار على حلقات لأهميته.. وبالله التوفيق!
المحور الأول: الزيدية الوافدة:
{mosimage}: أين ومتى نشأ المذهب الزيدي؟ وكيف وصل إلى اليمن؟ ومتى حقق انتشاره في اليمن؟
المهدي: جز الله خيراً الأخوة في إدارة صحيفة "الرشد" وعلى رأسهم الأستاذ/ أنور الخضري رئيس التحرير على حرصهم على طرق هذه المواضيع التي تعالج بعض الأوضاع في بلاد الإيمان والحكمة..
المذهب الزيدي نسبة إلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين؛ قتل رحمه الله تعالى بعد أن خرج على هشام بن عبد الملك الأموي عام 122 هـ، وهو من مواليد عام80 وقيل 76 للهجرة، ونسب المذهب إليه فيقال "زيدية".
وأما دخوله إلى اليمن فكان في آخر القرن الثالث الهجري؛ والمعروف أن الإمام الهادي خرج إلى اليمن مرتين خرج المرة الأولى ثم رجع إلى الرس، ثم عاد مرة ثانية وتوفي في صعدة عام 298هـ. وكان من المؤسسين أيضاً للمذهب القاسم بن إبراهيم (ولد 169هـ وتوفي 246هـ)، وهو جد الإمام يحي بن الحسين الهادي فهو يحي بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم؛ وعلى هذا يقال الهادوية نسبة إلى الهادي يحي بن الحسين.
فبداية الدخول بالنسبة للمذهب الزيدي لليمن كان في آخر القرن الثالث الهجري, ثم مرت فترات بعد ذلك والمذهب فيها بين مد وجزر، لأن المذهب كان مرتبطاً بالحكم فكانت الأقيال والقبائل والعشائر اليمنية إذا دخلت تحت طاعة الإمام دخلت أيضاً في المذهب، وإذا خرجت عن الطاعة خرجت عن المذهب.. وذلك قبل رسوخه. وقد طور المذهب نوعاً ما جعفر بن عبد السلام الأنبائي (ت 554هـ) الذي ذهب وأتى بكتب المعتزلة من العراق.
وكان المذهب ينكمش حتى يكون في صعدة وضواحيها، وتارة يخرج إلى مناطق أخرى، وأحياناً كان يصل إلى أطراف اليمن في حال تقوى حكم الأئمة الزيدية. وقد ضعف في وقت الحكم الصليحي والرسولي، وتقوى بعد قيام الدولة القاسمية التي حكمت اليمن الطبيعي كما يقال، وحينئذٍ انتشر المذهب إلى الحد الفاصل بين اليمن الأعلى واليمن الأسفل، أي إلى نقيل صيد (سمارة)، ووصل إلى دمت وإلى السدة ناهيك عن بلاد يريم وجل محافظة ذمار وغيرها.
{mosimage}: التحم المذهب الزيدي في بلادنا بالقبيلة، بحيث أصبحت بعض القبائل زيدية فكراً ونسباً، على خلاف المذاهب السنية التي وصلت إلى اليمن؛ لماذا؟
المهدي: المذهب الزيدي انتشر في مناطق واسعة من اليمن، منها مناطق صعدة.. فهي على المذهب الزيدي بكاملها، ومنها محافظة صنعاء باستثناء ريمة، وإن كانت تعتبر أيضاً من المحافظات الزيدية, وهكذا محافظة عمران، وأكثر مناطق حجة، وأجزاء من محافظة المحويت، ومحافظة ذمار إذا استثنينا الوصابين، وعتمة.. باستثناء مخلاف سماه الذي يعتبر قضاته وعلماؤه محسوبون على المذهب الزيدي، وأيضاً يعتبر قضاء رداع زيدياً، ومحافظة الجوف كذلك! فهذه المناطق زيدية، والمذهب الزيدي هو ما توارثه أبناء هذه المناطق عن آبائهم وأجدادهم، وما سمعوه من قضاتهم وعلمائهم.
وهذا أيضاً يقال في مذهب الشافعية، فمحافظة تعز وإب والحديدة وغيرها من المناطق شافعية!
وما أظن أن هناك شيئاً يختلف من الناحية القبلية إذا جئت إلى هؤلاء وقلت لهم: قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يردوا قول الله وقول رسوله عليه الصلاة والسلام. هذا عند الزيدية والشافعية والمالكية والحنابلة والأحناف؛ فالأمر لا يشكل خطراً إلا إذا رُّد الحق تعصباً للمذهب. ولقد جلست في حاشد وخمر فما وجدت إلا القبول للحق أينما كان، وجلست في خولان فما كنا نجد إلا القبول والترحاب!
والخلاصة أنه لا ضرر من التحاق هذه القبائل بأي مذهب إسلامي طالما كان بعيداً عن العقائد المنحرفة والأفكار المسببة للفتن.
{mosimage}: هناك من يرى أن المذهب الزيدي كرس الطبقية في المجتمع اليمني: هذا سيد وهذا قبيلي وهذا ….؛ هل هذا صحيح فعلاً ؟
المهدي: أنا وإن لم أكن زيدياً، ولو جاز التصنيف باعتبار المخاليف والمناطق اليمنية، لكنت شافعياً، ولكني لا أحب أن أتعصب لأي مذهب.. أحب جميع المذاهب والمسلمين باختلاف مذاهبهم؛ وأرفض أن يرد الدليل من أجل مذهب أو أي شيخ.
وهذا الطرح فيه مبالغة ضد الزيدية، فالمذهب الزيدي كما نعرف عنه من خلال نظرتنا إلى تراث الإمام زيد، وما تركه الإمام الهادي رحمه الله في كتاب الأحكام، وما نقل عنهما وهما إماما المذهب من فتاوى ذكرها علماء الزيدية, لم يكونوا مؤيدين لهذه الانقسامات..
صحيح أن الأمر وصل في آخره إلى اختيارات وضعت لبعض علماء الزيدية المتأخرين كما يقول العلامة المقبلي في "العلم الشامخ" بأن هذه الفكرة جاءت متأخرة -يعني منع زواج الشريفات من القبائل. فقد قال: إن هذه المسألة فيما أظن في زمن الإمام أحمد بن سليمان وأيام المنصور بالله واستحكمت قوتها في وقت صلاح بن علي ووقع بسببها ما وقع، وأما الهادي وغيره فقد نقلوا عنهم فيها نقيض ذلك -أي مسألة تحريم زواج السيدة الشريفة من غير السادة. وقد قال الصنعاني: وليس مذهباً للإمام الهادي رضي الله عنه بل زوج بناته من الطبريين، وإنما نشأ هذا القول من بعد أيام الإمام أحمد بن سليمان، فقالوا: شرائفهم بلسان الحال تحرم على أشرافهم من الفاطميين إلا من مثلهم. فهل هذا مذهب الإمام زيد حتى يحسب هذا عليه؟ الجواب لا.
على كل حال مسألة الكفاءة وجدت في الفقه الإسلامي في المذاهب الأخرى؛ فهناك من يشترط الكفاءة في النسب، وقد ورد هذا حتى عند المتأخرين من السادة من غير الزيدية؛ فإذا كان هذا ليس مذهباً لزيد والهادي فلا يعاب على المذهب وإنما يعاب على من فرضه من الزيدية أو السنية ولا يعمم الحكم.
بل إن بعض العلويين من آل باعلوي في حضرموت اشترط هذا.. وهم شوافع! ودارت معركة طويلة عريضة.. حوت مؤلفات ورسائل فيما بينهم! وقد استعرضها السيد رشيد رضا في المنار، واطلعت على بعضها، وذكرها البكري في تاريخ حضرموت السياسي، وخلاصتها أن هناك من يرى من العلويين تحريم زواج العلويات من غير العلويين، فعلى هذا وجد الصراع الطبقي، هذا نفسه في حضرموت بين السادة الشافعية وغيرهم. ولو ذهبت إلى أرض الله الواسعة لوجدت هذا في أكثر من بلد عند بعض الهاشميين للأسف، لكن أن يكون هذا مقصوراً على المذهب الزيدي فليس بصحيح.
كثير من الآراء الباطلة وقعت في المذاهب الأخرى، بل لقد بلغ الأمر عند بعض الغلاة من الأحناف -كما نقل- أنه حرم أن يتزوج شافعي بحنفية لكنه أجاز زاوج الحنفي بشافعية، تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب والعياذ بالله! فهذا هو الحاصل.. يوجد تعصب هنا وهناك؛ لكن أن يقال إن المذهب الزيدي رسخ هذا في المجتمع فهذا أمر فيه نظر!
{mosimage}: تتسم طبيعة أتباع المذهب الزيدي بالحدة والعنف والبعد عن الحوار هل هذه صفة للمذهب أم للمجتمع القبلي الذي استضاف المذهب أم للاثنين معاً؟
المهدي: حتى هذه النقطة لا أستطيع أن أسلم بها، لأن العنف والشدة أمران نسبيان يختلفان باختلاف الأشخاص والبلدان، ولا يستطيع أحد أن يقول أنه لو ذهب للمناطق الزيدية وحاور زيدياً أن الحوار يتسم بالعنف.. هذا ليس صحيحاً! أنا أستطيع من خلال حواري مع بعض الأخوة في الصحف المحسوبة على الزيدية أن أوافق على أن هناك عنفاً وقسوة في الحوار من خلال كتابات بعض المجهولين؛ ولا أشك أنهم مكلفون من إدارة الصحف نفسها، التي تدير مثل هذه الحوارات، فهناك من يأتي ليشتم ويجرح، ولكني مقتنع أن صاحب هذه النزعة وهذه الأخلاق الرديئة رافضي ولا أظن أن هذه أخلاق أئمة الزيدية وعلماء الزيدية وموجهو المذهب الزيدي!
في الواقع الزيدية كغيرهم يعيشون مع الناس ويأخذون ويعطون وليست صفة القسوة لازمة لهم، إلا ما ذكرت من بعض الكتاب وبعض الصحف، مما زادني قناعة يوماً بعد يوم بأن أصحابها مدافعون عن الرفض؛ ويوشك أن يكونوا روافض صريحين في المستقبل إذا استمروا على هذا الوضع! أما القول بأن العنف هو خلق المذهب الزيدي ففيه نظر، وأرى أن العنف أسلوب الرافضة لا المذهب الزيدي، فالسب واللعن والشتم كما نسمع ونشاهد من القنوات الشيعية، وكما نقرأ في كتبهم، وإذا كانوا قد شتموا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه وكفروهم! فما بالك بغيرهم!
أما القبلية في اليمن فلو هدفت وهذبت قليلاً فهي شرف وعز ومجد لليمنين، لأن فيها الكثير من الأصالة والشهامة والكرم، ولذلك يراد تذويب القبلية بوسائل شتى!
المحور الثاني: السنة والزيدية:
{mosimage}: أين تصنفون المذهب الزيدي، هل هو سني أم شيعي؟
المهدي: لا يستطيع أحد أن يصنف المذهب الزيدي مذهباً سنياً، فهو مذهب شيعي ابتداءً ونشأة، حتى قبل أن تتضح المعالم بين الفرق والجماعات الشيعية. ومعلوم أن فرق الشيعة كثيرة بين الغالي البعيد جداً عن الجادة وبين الذي هو أقرب إلى الاعتدال، وهذه الفرق في واقعها صارت بعد ذلك ثلات فرق، منها:
ـ الفرق الباطنية: التي أخرجها علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم من الإسلام.
ـ الإثنا عشرية أو الإمامية الجعفرية: وهي تعتبر فرقة غالية إلا أنها ليست في درجة أولئك الباطنية.
ـ وفرقة الزيدية: وهي الأقرب نسباً إلى أهل السنة.
ثم صارت كل فرقة فرقاً مختلفة!
{mosimage}: تسنن عدد من علماء الزيدية بينما لم يتزيّد أحد من علماء السنة؛ هل يعود هذا لانفتاح المذهب الزيدي أم لضيقه ووجود الأخطاء فيه؟
المهدي: المذهب الزيدي فتح باب الاجتهاد من الناحية التأصيلية، وأما من الناحية الواقعية فإن علماء الزيدية يرفضون ظهور المجتهدين في أوساطهم شأن المتعصبين من أصحاب المذاهب الأربعة! ولكن مما يشكر للزيدية أنهم أصلوا هذه المسألة وهي أن التقليد لا يصح من المجتهد، فكان هذا بدون شك مدخلاً لمن يريد أن يصل إلى درجة الاجتهاد، وإلا من الناحية الواقعية ضيِّق على محمد بن إبراهيم الوزير وعلى العلامة المقبلي والسيد الأمير وضيق على الشوكاني وغيرهم ممن كان في عصورهم ودهورهم, فكان ثمة تناقض بين التأصيل والتطبيق!
وعلى أية حال هناك عوامل كثيرة أدت إلى تسنن بعض العلماء الزيدية، منها: سعة ما عند المذاهب الأخرى من علوم وتفريعات, ومنها حرية الاجتهاد عند الزيدية تأصيلاً، وهو في هذا أحسن حالاً من المذاهب الأخرى التي أغلقت باب الاجتهاد وأعلنت الحرب على مدعيه. ومنها أن الفطر السليمة تشهد لأهل السنة في اعتدالهم في حق الصحابة رضي الله عنهم وفي حق آل البيت، ومنها أن الداخلين في السنة من علماء الزيدية لم يتعصبوا لأحد من المذاهب الأربعة بل كانوا مجتهدين يأخذون مباشرة اجتهاداً لا تقليداً، فخرجوا عن ربقة التقليد للمذهب الهادوي, لكن لم يعودوا أحنافاً ولا حنابلة أو شافعية أو مالكية، بل تحرروا من التعصب المذهبي عموماً!
أما التنقل مع العصبية من مذهب إلى آخر فليس محموداً ولكن المحمود أن يدور المسلم مع الدليل حيث دار.. وهذه هي السنة.
{mosimage}: دخلت الدعوة السنية إلى عدد من المناطق والقبائل المحسوبة على المذهب الزيدي، بينما لا تزال تتراجع الزيدية فيها فضلاً عن أن تتقدم، ما تحليلكم لهذه الظاهرة؟
المهدي: استقر المذهب في أواخر عهد الإمامة على عدد من المحافظات والمناطق التي أشرنا إليها. وبطبيعة الحال فإن الناس في هذه المناطق مسلمون، محبون لله ولرسوله، فهم يرحبون بكل من يذكرهم بالكتاب والسنة، خاصة أن الدعاة من أهل السنة لا يدعونهم إلى ترك مذهبهم والدخول في مذهب آخر من المذاهب المعروفة، وإنما يذكرونهم بالإسلام.. وهم أهل قلوب رقيقة يحبون الرجوع إلى الله تعالى؛ ومخالفات العامة هي في بعض الفروع!
وقد كان لعلماء الزيدية الذين لم يشحنوا العامة بالأحقاد على السنة دور في ذلك. فلم يكن هناك تعبئة خاطئة في الزيدية لقلة النزعة الجارودية والرافضية في أواخر عهد الأئمة، فالإمام يحي والإمام أحمد -رحمهما الله- لم يكونا رافضيين أو جاروديين، كان عندهما تشيع معتدل على منهج الزيدية، لذلك لم يفرضا المذهب فرضاً! أما اليوم وبعد أن زرعت بذرة الرفض في بعض مناطق الزيدية تولد الصراع! فالرافضة أساس المشاكل في اليمن لا الزيدية!
كما أنه من المعلوم أن الثورة لم تفرض على الناس اتباع مذهب معين، مما ترك للناس حرية الاختيار، فكان الذين أحبوا أن يتمسكوا بالمذهب الزيدي أحراراً والذين بقوا على شافعيتهم كذلك.
إضافة إلى ما سبق، منهج التعليم، فعند قيام الثورة اتخذت الحكومة منهجاً بعيداً عن الصراعات المذهبية ليدرس في المدارس. وكان موفقاً لأنه كان مستقاً من الكتاب والسنة، ومستفاداً من كتب شيخ الإسلام محمد بن على الشوكاني. فكان ظاهرة سليمة لتوحيد القلوب والأفكار ودخول السنن إلى المناطق التي يوجد فيها الزيدية والشافعية. وأخص بالذكر منهج المعاهد العلمية التي كانت مع الأخوان، كان لها دور طيب في وصول السنة إلى الجبال والسهول.
أضف إلى ذلك الذين هاجروا إلى أرض الله للعمل أو الدراسة أو التجارة عادوا من هجرتهم وقد استفادوا من العلوم الشرعية.. التي أبعدت عنهم صفة التعصب الأعمى.
وأخيرا فإن ظهور الدعاة الذين يعلمون الناس توحيد الله وعبادته وشرائعه وأخلاق الدين، وانتشار العلم والعلماء، ونشر الفتاوى والكتيبات والأشرطة، كل ذلك جعل السنة تنتشر في أرجاء اليمن كلها.
فهذه الأسباب وغيرها أوصلت السنة إلى كل مكان. مع العلم أن السنة ولله الحمد عبر الدهور ومنذ بزوغ فجر الإسلام إلى اليوم موجودة في اليمن وإن ضعفت أحياناً..
{mosimage}: أتباع المذهب الزيدي يلقون باللائمة على السعودية في مساندة المذهب السني أو الوهابي كما يسمونه في اليمن، هل هي تهمة أم حقيقة يفسرها الاتفاق المذهبي ولا غبار عليها؟ وهل يفسر هذا القول الاتصال مع إيران من قبل الزيدية لتقوية مواردهم بعد سقوط الإمامة؟!
المهدي: محاولة إلصاق تهمة الوهابية بكل سني سلفي من قول الرافضة والصوفية. ووهابي كلمة لا أساس لها! فإذا كان السلفيون يرفضون أن ينسبوا إلى المذهب الشافعي أو الحنبلي أو غيرهما، فمن باب أولى أن يكونوا منسوبين إلى محمد بن عبد الوهاب، مع أن الإمام محمد بن عبد الوهاب عالم سني وداع إلى الله تبارك وتعالى! وهذا على كل حال لا يؤثر، وكلمة "وهابي" تعتبر من التنابز بالألقاب، أما سني أو سلفي، فأمر مرغوب.
أما هل السعودية مسؤولة في انتشار المذهب السني في اليمن -أو في العالم- الجواب بصراحة: لا، السعودية لا تهتم بنشر المذهب السني، فهي لم تصرح بذلك! ولها سياستها، وهي توازن بين مصالحها.. أما أنه خرج من السعودية دعاة يمنيون وغير يمنيين وانتشرت كتب وأشرطة من السعودية فهذا ليس قصداً من الحكومة نفسها! بل اجتهاد أهل الخير!
وبالمقابل، حول اتصال الزيدية بالحكومة الإيرانية، أقول -من باب الإنصاف- إن الثورة الإيرانية مهتمة بنشر التشيع في العالم كله، وهذا جزء من فكرها السياسي في تصدير الثورة، ويعرف الكثير كيف دخل التشيع مؤخراً بلادا إسلامية لم يكن للشيعة فيها أي وجود يذكر!
فأفريقيا مثلاً لم يكن فيها شيعة، الآن صار لهم أقليات موجودة، وكذلك في أمريكا وأوروبا بين الأقليات المسلمة، وتوسعوا في لبنان والعراق وغيرهما في البلاد العربية! وهنا في اليمن غير خاف على أحد أن بعض الناس تحولوا إلى إثنى عشرية وهم زيدية من آل العماد والأكوع ومن أسر أخرى!
ويبقى السؤال هل شاركت الدولة الإيرانية في دعم الحوثي؟ هذا الأمر له الأجهزة الأمنية، التي لها معرفة فيما دار وما يدور, ولكن من حيث الجملة قيادة الشيعة لا تتكتم عن عطفها على الشيعة أينما كانوا وحرصها على نشر مذهبها في كل منطقة في العالم هذا لا يستطيع أن ينكره أحد!
{mosimage}: يدعي الزيدية أنهم أقصوا من السلطة في ظل الجمهورية؛ فهل سيكون المذهب الزيدي مهدداً في ضل حكم سني، كما كان المذهب السني في زمن الإمامة؟ هل تنقلب المعادلة؟
المهدي: هذا غير صحيح! فإن أردت بالسلطة الإمامة فنعم.. هذا صحيح، لكن لا يقال أُقصي الزيدية. الزيدية كما ذكرنا محافظات كاملة ومترامية الأطراف وتعدادهم بالملايين، كيف يقال أنهم أقصوا؟! بل الدولة لم تقم على الأساس المذهبي حتى يقال إنها تحولت من زيدية إلى شافعية، هذا لم يحصل أصلاً، فالثورة عندما قامت.. قامت ضد الإمامة، ولكنها لم تتبن المذهب الشافعي أو السني مثلاً، بل الثورة التي قامت في 1948م وقتل فيها الإمام يحيى -رحمه الله- ترجع أصولها إلى المذهب الزيدي الذي يرى الخروج على الظلمة! وكان معظم من شارك فيها من الزيدية سواء كان من المشايخ أو العلماء أو السادة من آل الوزير وغيرهم! فلا يقال إنها ثورة سنية ضد المذهب الزيدي!
ثم من الناحية الواقعية منذ قيام الجمهورية إلى اليوم لو نظرنا نظرة جغرافية لوجدنا الرؤساء كلهم من مناطق الزيدية فالسلال زيدي والإرياني زيدي والحمدي والغشمي كذلك والرئيس على عبد الله صالح من سنحان وهي من المناطق الزيدية، ولكن ليس من هؤلاء من هو داع للمذهب ومتعصب له!
إذن فمن الناحية الجغرافية الرؤساء كلهم من المناطق الزيدية؛ فكيف يقال أقصي الزيدية من الحكم؟! بل الذي أقصي هم الأئمة وبيت حميد الدين؛ أما الزيدية والشافعية فالجميع مشتركون في الحكم .
{mosimage}: بعد انضمام المحافظات الجنوبية إلى المحافظات الشمالية في 22 مايو 1999م أصبحت أغلبية الشعب اليمني سنية المذهب، وإذا كانت الديمقراطية تعني حكم الأكثرية.. فهل تتوقع أن تشهد اليمن مستقبلاً مطالبة بتخصيص مقاعد مذهبية، في ظل تهييج بعض الأطراف حول تهميشهم؟
المهدي: الحمد لله، دعاة العصبية المذهبية أصحاب نعرات مرفوضة في المجتمع، مرفوضة من قبل القاعدة الشعبية والقيادة السياسية، لذلك هذه مجموعات غير مؤثرة وغير مرغوب فيها، و العجيب أن مجموعات العصبية المذهبية تتهم صحف الحكومة وصحف المؤتمر والإصلاح والسلفيين بأنهم ذوو نعرات ودعاة مذهبية يعني (رمتني بدائها وانسلت)، وعلى كل ٍ هؤلاء ليس لهم أثر قوي, وأقول إن الأغلبية كما ذكرت سنية لا تفكر إلا في خير البلد ولا ترى الخروج على الحاكم المسلم طالما وأن الحكم وفق الشريعة الإسلامية، ولا يضر أن يكون الرئيس من هنا أو من هناك، لكن تبقى النعرات التي يدندن بها بعض الإمامية الغلاة ممجوجة!
ولا أستبعد أن يطالب التوجه الرافضي بحقهم ولو كانوا أقلية ضئيلة، وأقرب مثال عندي أذكره أيام الجهاد الأفغاني مع الشيوعية، فقد كان هؤلاء قطاع الطرق ضد المجاهدين، وكانت المؤن لا تمر من دارهم إلى مناطق أخرى إلا برشوة، ولما وصل المجاهدون إلى سدة الحكم أقبلت الشيعة مع الدول التي تناصرهم لإسقاطهم، وتكالب على حركة طالبان التي أقامت الحكم الإسلامي العالم من أطرافه، وكان ممن تكالب عليها دولة الشيعة والأقلية الشيعية هناك! ولما دخلت الجيوش الأمريكية دخلت معها فصارت لهم نسبة من الوزارات والمقاعد وهم أقلية!
وهؤلاء أينما كانوا في العالم يطالبون بنصيبهم! وهذا الذي يخشى في اليمن وما كيدهم في العراق عنا ببعيد!!
{mosimage}: هل يوجد تخوف -في رأيك- من إثارة الفتنة المذهبية بدعم خارجي لزعزعة أمن واستقرار اليمن سياسياً واجتماعياً؟!
المهدي: لا يؤمن ذلك، هذا وارد! فالمرجعية الشيعية في العراق أيام حكم صدام كانوا يرسلون الإرساليات من الأموال الكثيرة والدعاة إلى أرجاء الأرض لأجل التشيع، فلا يشترط أن يكون الدعم من دولة معينة شيعية! والآن عندما حصل في العراق ما حصل ووصل هؤلاء إلى سدة الحكم عن طريق الجيوش الأمريكية سيحاولون أن يفعلوا في الدنيا شيئاً وخاصة أن نظرة الغرب إلى الإثنى عشرية نظرة تعاطف ونظرتهم إلى أهل السنة نظرة حذر وخوف وحقد!
المحور الثالث: التبعيد والتقريب:
{mosimage}: يصنف علماء السنة الزيدية ضمن فرق البدع هل يعني هذا تكفيرهم؟! وإذا كانت الإجابة بلا فماذا يعني ذلك؟ وماذا يترتب عليه؟
المهدي: أصحاب الملل والنحل من أصحاب السنة والجماعة عندما يذكرون الفرق كابن حزم والشهرستاني وعبد القادر البغدادي وابن كثير -وغيرهم- يذكرون الزيدية كما أشرت ضمن الفرق الشيعية، ولكنها أقرب إلى أهل السنة والجماعة.. الذين هم أرحم هذه الأمة بالأمة، بل هم أرحم الفرق بالفرق من بعضها ببعض! أما أهل السنة والجماعة فلا يكفرون فرقة أو شخصاً إلا بعد توفر الأسباب وانتفاء جميع الموانع من جهل, وإكراه, ونسيان, وذهول، وخطأ، وتأويل أو أي شبهة.
وعلى هذا لا أعرف من يكفر الزيدية، بل إلى الآن لم يكفروا الرافضة تكفيراً مطلقاً! وهي التي جمعت صنوف البدع! لكن قد يكفرون من اعتقد بتحريف القرآن أو اعتقد أن الأئمة يعلمون الغيب، أو أنهم يضرون وينفعون، أو يعلمون متى يموتون، كما نقل عن بعضهم!
والزيدية ينتقدون من ناحية الأصول التي أخذوها عن المعتزلة، ولوجود سب في أوساطهم لبعض الصحابة، ولغيرها من المسائل! وهو انتقاد لا يصل حد التكفير، بل الذين يكفرون الزيدية هم الرافضة نصاً! أما أهل السنة وإن خطؤوهم أو بدعوهم فلا يعني ذلك تكفيرهم، فقد تبدع شخصاً بمسألة معينة أو مسائل وأنت تعتقد أنه مسلم! بل من المعلوم عند أهل الحديث أن صنوفا من أهل البدع قُبلت رواياتهم!
وقد أشار العلامة المقبلي إلى هذا في "العلم الشامخ" وهو يخاطب بعض الزيدية، فيقول: إنكم تهشون وتبشون إذا جاءكم رافضي -وهم يكفرونكم- بينما نراكم لا تفعلون ذلك مع أهل السنة! قالوا: لأن هؤلاء تركوا لنا حالنا، وأما أهل السنة فهم ينتقدوننا فقال لهم: هل أحب أليكم أن ينتقدكم أهل السنة مع اعتقادهم إسلامكم، بينما يسكت عنكم الرافضة وهم يعتقدون أنكم كفار؟ فأي الأمرين أهون!
والحاصل أن أهل السنة لا يستحلون دماء الزيدية ولا يعتقدون كفرهم ولا يغلقون باب الحوار معهم! وأرى -رغم وجود الخلاف- ترك الصراع والتنابز بالألقاب واللجوء إلى أحد أمرين: إما الحوار المؤدب للوصول إلى الصواب والحق، أو السكوت حفاظاً على أخوة الإسلام! أما التبديع والتضليل دون تقارب فليس حلا، ويبقى حق الرد المؤدب مشروعاً لمن أراد.
{mosimage}: هناك محاولة لإحياء عقائد بالية وخلافات تاريخية انقرضت وغابت عن الذاكرة كالغدير ومعاوية وقتل الحسين.. الخ القائمة، هل هناك بعث جديد للمعركة لإشعال فتيل الفرقة؟ وأين دور العلماء في معالجة هذه الانحرافات التي بدأت تظهر في اليمن؟!
المهدي: نعم، هذا حاصل كما ذكرت، إثارة هذه القضايا والقيام بهذه الأفعال كان نادرا في اليمن، وفي بعض المناطق في حالات نادرة جدا! وبعد قيام الثورة انتهت تماماً! لكن بعد اتحاد شطري اليمن سنحت فرصة الانفتاح، وسمح لقيام الأحزاب والصحف والمجلات، ومن ضمنها إحياء هذه البدع!
وهناك سعي لإحياء هذه البدع، بعد قيام ثورة الخميني في إيران، وقد أصاب اليمن ما أصاب غيرها من تصدير المذهب الإمامي الإثنى عشري الجعفري. وقد تبنت الدولة منع مثل هذه العقائد والعادات البدعية في الفترة الأخيرة! لكن ينبغي أن يكون هذا توجها علميا، لأن بعض الشيعة لا يزالون يبثون في الناس هذه المسائل، ويحرضونهم على أن المنع مخالف للكتاب والسنة.
أما العلماء فلا يوجد لهم دور، لأنهم أقسام.. فالإخوة العلماء في الإصلاح لم نسمع منهم كلاماً في هذه الأمور في صحفهم، ولعل وقوفهم بجوار أصحاب المعارضة جعلهم يتحرجون من طرح هذه القضايا! وما كان ينبغي لهم أن يسكتوا، لأن هذا جزء من الدين، وكان عليهم أن يشاركوا بأسلوب وبحكمة! وأما الذين في المؤتمر تكلموا في صحفهم كالميثاق.. أحياناً، و هناك كتابات في صحف الثورة و26 سبتمبر!
وأما الزيدية فساكتون دون إنكار، ولم يبق إلا العلماء السلفيون الذين ينبهون من مثل هذه العقائد ويبينون الحق فيها -رغم بلبلة الصحف الرافضية في اليمن!
لكن ينبغي الإشارة إلى أن إنكار مثل هذه العقائد والعادات المخالفة لا ينبغي أن يكون في ظل المكايدات السياسية، أو أن تفهم في هذا الإطار، وإنما المسألة علمية يتم التحاور حولها بعيداً عن سوء الأخلاق والمكايدات الحزبية والسياسية.
{mosimage}: لماذا شدتكم على الرافضة؟ والملاينة مع الصوفية والزيدية؟
المهدي: لا أعتقد أن هناك شدة على الرافضة! إنما هو إيضاح لأقوالهم وما يُنقل من كتبهم أنفسهم.. مثل الحكم على الصحابة بالكفر إلا النفر اليسير, والطعن في أمهات المؤمنين, والقول بتحريف القرآن, ومبالغتهم في الأئمة، إلى حد يجاوز مقام الأنبياء! ووقوفهم مع النصارى ضد المسلمين.. في أفغانستان والعراق وغيرهما!
فبيان هذه المسائل ليست شدة، وليس هناك تشهي في الكلام عليهم! وعندما ننقل كلامهم في أهل السنة أو الزيدية وحكمهم عليهم بالنجاسة والكفر، ليس في ذلك أكثر من الحوار والتنبيه لهم على الغلو الذي عاشوه ويعيشونه مع الأمة، أو بيان الخيانات التاريخية, وفضح التقية التي يؤمنون بها حرصاً على التهام الناس واستدراجهم إلى مذهبهم! على حساب السنة أو الزيدية!
وهل رأيت من خرج عليهم شاهراً سيفه!! كل ما في الأمر كتابة مقالات وإلقاء دروس، وهم قد كتبوا المجلدات في الدعوة إلى ما هم عليه من الانحرافات ويبثون عقائدهم عبر القنوات الفضائية المتعددة اليوم!
إن لهم جهوداً في نشر ما يعتقدونه أكثر منا بآلاف المرات! أما نحن فنحاورهم علمياً..
أما بالنسبة للزيدية.. فأنا لا أنكر أن بيننا وبينهم خلافاً لكن دفاعي عنهم أحيانا لأبين للعالم الإسلامي -الذي أخذ نظرة مشوهة عن الزيدية بمجرد تصنيفهم على أنهم شيعة، فيظن أن التشيع كله يلزم منه الطعن في الصحابة, والقرآن..الخ!
فالملاينة للزيدية معناه أنه لا ضرورة للقسوة ولا مصلحة من الجفوة.. لكن الحوار الهادئ.. والمحبة في الله والتواصل معهم!
أما الرافضة.. فأفكارهم الطامة هي التي تدعوا لعدم السكوت عنهم وخاصة أنهم دعاة إلى أساطيرهم وخرافاتهم!
والصوفية، كلمة أصبحت تطلق اليوم على أصحاب وحدة الوجود وأنواع من الباطنية وممن يتمسكون ببعض البدع والخرافات، كما أنها تطلق على العبادة والزهد والانقطاع عن الدنيا، فهي كلمة فضفاضة! وفيها تفصيل! فهل يراد أن نحاربها جملة وتفصيلا!! أنا أنكر ما خالف الشرع.. وأدعوهم للحوار إن وجدت قنوات للحوار.. فإن حصل فهو خير. وإلا فيكفي أن يكون هناك تناصح وهدوء حتى تجتمع الكلمة.. بإذن الله تعالى.
{mosimage}: لماذا لا يقوم حوار فكري ومناظرات علمية بعيداً عن الاستقواء بالسلطة أو بالقبيلة أو بكثرة الأتباع، للخروج بمبادئ يتم الاتفاق عليها.. تكون منطلقاً للالتقاء والتعاون وردم هوة الخلاف؟
المهدي: هذا مطلوب، وكم تمنيت أن يحصل هذا بين الزيدية وبين أهل السنة! مع أن الإخوة في الإصلاح يعتبرون أنه ليس عندهم وقت لهذه المسائل! أما نحن فمستعدون ولكن بشرط أن يكون حواراً علمياً هادئاً بعيداً عن الجرح والثلب، مع بحث علمي ونقل الكلام من مصادره الموثوقة والتدليل عليه بالبراهين الصحيحة, وبهذا سنصل إلى حلول لمعالجة هذه القضايا! لأن تحميل هذه القضايا الزيدية مشكلة.. لأن الزيدية لم يتبنوها في تاريخهم! لكن سكوت علماء الزيدية واشتغال الصحف المحسوبة عليهم بالدفاع عن هذه البدع ومهاجمة من يناقش الرافضة والباطنية بشراسة وقسوة حسب على الزيدية!
فهذا لو تم سيكون خطوة طيبة، ونتمنى أن تكون، وما ذلك على الله بعزيز.
{mosimage}: التقريب بين السنة والشيعة شعار مطروح لكنه لم يثمر، فهل يمكن أن يطرح شعار التقريب بين السنة والزيدية في اليمن؟! ولا أعني بالتقريب التخلي عن الثوابت وإنما البحث عنها والاتفاق عليها؟
المهدي: بالنسبة للزيدية، تذكر مصادرهم أهل السنة ومذهبهم عند الاستدلال، فقد كانوا قريبين من أهل السنة كثيراً، فهم لا معصوم عندهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو الحال عند أهل السنة؛ وليس لديهم إثنى عشر إماماً معصوماً كما تقول الرافضة؛ إلا أن علماء الزيدية منطوون على أنفسهم، بعيدون عن الحوار! وما أحوج الفريقين إلى الحوار مع التقارب الذي يتسم به الفريقان، وأرى لو فتح الباب أصحاب الفضيلة الشيخ العمراني والمنصور والمؤيد والجرافي وغيرهم.. لكانت البداية موفقة!
أما البارزون في السياسية فهم مستميتون في الدفاع عن الرافضة والباطنية في صحفهم ومحافلهم الظاهرة والمضمرة! حتى أكدوا الصورة المشوهة عن الزيدية عند المسلمين خارج البلد! وكان عليهم الاعتدال والإنصاف!
لقد كان علماء الزيدية وما زالوا إلى الآن مفخرة لليمن، فتصوروا أن كتبهم كـ"فتح القدير" و"سبل السلام" و"الدراري المضيئة" وغيرها.. تدرس في الجامعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية, وفي مساجد السنة في العالم! لكن بعض المتشيعين في اليمن الآن يسلخونهم سلخاً!
وهذه الصحف التي تروج للشيعة الرافضة لا تريد أن تظهر الزيدية بمظهر الاعتدال لتزيل الصورة المشوهة عند من لا يعرف مصادرهم! بل أعطت صورة سيئة عن الزيدية، وجعلت كثيراً من المسلمين في العالم من عامة ومسئولين ينفرون منهم.. تأكيداً لصور مشوهة سابقة!
والخلاصة أن الحوار مطلوب هنا، وأن الزيدية هم أقرب من يكونون بديلاً عن الإمامية في الحوار، وعلى علمائهم وأحزابهم وسياسييهم أن يتعاونوا مع المسلمين السنة على ذلك، وأقل ما يطلب منهم تر ك الرافضة يدافعون عن أنفسهم، وترك الهجوم على غيرهم من المسلمين بتهمة التشدد والوهابية والإرهابية والتكفيرية.. وكلها أباطيل تروجها أمريكا وحلفائها.
{mosimage}: هناك نقاط التقاء اجتماعية متنامية بين الزيدية والسنة في اليمن، وهي العلاقات الأسرية والمصاهرة. هل تجاوز المجتمع الحواجز المذهبية؟ أم أنها استجابة لظروف التعايش القائمة بين المذهبين في الواقع الملموس كجيران وأصدقاء ومعارف؟
المهدي: أنا من منطقة الشعر أجاور مناطق فيها زيود وشوافع، كالسدة والنادرة، ولا أعرف فرقاً بينهم إلا ما كان من تشدد لبعض الشيعة عندما رأى انتشار السنة! إلا أن الناس بفطرهم السليمة يرحبون بأهل السنة رغم بعض التصرفات!
فهذا التزاوج والترابط الاجتماعي موجود.. ولم يعد التعصب مقبولاً، لكن نخشى أن يحيي الإمامية تلك النعرات الجاهلية! فلا يوجد شقاق إلا بالمناطق التي غزاها الروافض ببعض المحاضرات والكتب والأشرطة والمساندات المادية والمعنوية.. لكن المجتمع بعامته وقادته.. الجميع متوجهون لإزالة التعصب المذهبي وترك الناس يعملون بما وصلهم من الكتاب والسنة.
الزيدية والتوجه السياسي:
{mosimage}: اتصل المذهب الزيدي بمسألة الإمامة، بحيث أصبح أكثر المذاهب سعياً وراء السلطة، ما هو منطلق الفكر الزيدي في هذه المسألة؟
المهدي: الفرق واضح بين الزيدية والإمامية في مسألة الإمامة، فالإمامية لا يرون الخروج بعد إمامهم الثاني عشر المزعوم الذي غاب الغيبة الكبرى عام 329هـ، أما الإمام زيد –والزيدية من بعده- فينطلقون من أن الأحق بالإمامة هو من خر ج شاهراً سيفه, مطالبا بها؛ فهم يقولون لابد من الخروج على الظلم والظلمة, وشروط الإمامة التي عندهم هي أربعة عشر شرطاً ومنها: كون الإمام عادلاً شجاعاً علوياً من البطنين.. الخ.
وينطلق الزيدية من خلال الأصول الخمسة، ومنها الخروج على الظلمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة العدل، ومن خلال شروطهم!
فهم يرون أنهم يحكمون الناس بشرع الله، وهذا منطلقهم.. طبقوه دهراً فأصابوا وأخطؤوا، والله يغفر لنا ولهم ولجميع المسلمين..
{mosimage}: كيف تفسرون قبول "الزيدية" بالمشاركة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة مع مخالفتها لمذهبهم السياسي في المسألة؟!
المهدي: ليس هناك تمثيل للزيدية بهذا المفهوم، فهم موجودون في السلطة بل مفاصلها بأيديهم! لكن لعلك تقصد الإخوة في حزب الحق الذين يتكلمون باسم الزيدية.. فهؤلاء قد دخلوا في العملية السياسية لكن تمثيلهم في مجلس النواب كان ضعيفا، أو لم يحصلوا على شيء أصلا! وبعض الأعضاء الذين فازوا الآن نزلوا باسم المؤتمر!
وللزيدية عموما أحزاب: حزب الحق، وحزب اتحاد القوى الشعبية، وما كان يسمى بحركة التوحيد التي أسسها إبراهيم بن محمد الوزير مع أولاده، لكن هذه الحركات ليس لها قاعدة شعبية قوية في الساحة، وأوسعها حزب الحق الذي فيه أشهر العلماء، وبينهم تصدع له أسبابه المعروفة.. ويوجد فيهم من له ميل إلى الإثنى عشرية، وهو ما نجم عنه خروج الحوثي وأصحابه "الشباب المؤمن" من الحزب!
وهذه القناعات لا تمثل في الحقيقة المذهب الزيدي، لكنهم ينطلقون من منطلق (الميسور لا يسقط بالمعسور)!
وهم لا يلامون على المشاركة بهذا القدر، لكن الشيء الذي يحز في النفس في حق هؤلاء هو أنهم دائماً مع الحزب المعارض لإخوانهم من أهل السنة والمعارض للدولة، فقد تحالفوا مع الحزب الاشتراكي مع أن أصول مذهبهم تقتضي عدم ذلك!!
{mosimage}: ما سر التحالف بين الأحزاب الزيدية والحزب الاشتراكي؟!
المهدي: لو نظرنا في أصول الزيدية الخمسة التي أخذوها عن المعتزلة نتعجب كيف يستسيغون اللقاء مع الاشتراكيين مع أنهم بطبيعة الحال بتمسكهم بالدين والتزامهم لم يكونوا أحسن من أهل السنة. وإذا كان الخلاف بين الزيدية وأهل السنة حول الأحقية بالإمامة فإنهم لم يختلفوا في صحة الخلافة للخلفاء الثلاثة ولا في صحة الخلافة للإمام علي -رضي الله عنهم أجمعين. وأيضاً هم متفقون في قواعد الإسلام والإيمان باستثناء مسألة القدر والأسماء والصفات.. والتمسك بالدين بين الفريقين الحمد لله موجود.
ويمكن أن أعلل ذلك بأنه من باب (إن المصائب يجمعن المصابينا)، فمصيبة الحزب الاشتراكي في سقوطه من الحكم, تماثل مصيبة الزيدية في فقد الإمامة! كذلك فإن الغلو الذي انتشر في أوساط الزيدية الآن, أو التأثر ببعض آراء الرافضة، جعلهم يتحالفون مع غيرهم في مواجهة المخالفين لهم.. رغم أن المذهب الزيدي في عقيدته وسلوكه وتصوراته ونظرته إلى الكون و الحياة.. لا يتفق مع الحزب الاشتراكي العلماني!
فأعتقد أن المسألة لا تعدو أن تكون ظروفا مؤقتة، يوشك أن يتمزق هذا الحلف وينفرط عقده! ولو حكم حزب الحق فسيحكم وفق مذهبه ولن يحكم بالاشتراكية, وهذا ما لن يقره الاشتراكيون في حينه! وسينتهي هذا التحالف بانتهاء أسبابه!
{mosimage}: هل هناك أطماع إيرانية تدفع قوى الثورة الشيعية لكسب "الزيدية" وتحويلهم إلى المذهب الإثنى عشري؟
المهدي: حقيقة لو مشى الإثنا عشرية على أصول مذهبهم فليس عندهم ثورات أصلاً.. حتى يخرج المعصوم!
والمدهش أن ثمة تصادماً بين المذهبين في مسألة الإمامة إلى حد تكفير الرافضة للزيدية ووصفهم بأنهم شر من النواصب؛ وإلى حد سخرية الزيدية من الجعفرية خلال ألف ومائة عام بأنهم ماتوا عن نصرة الإسلام وقعدوا عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. منتظرين خروج المعدوم في السرداب، ولم يزل الصراع بينهما عبر التاريخ إلى قيام ثورة الخميني.
والذي أراه أن هذا التمدد الإثنى عشري في اليمن إنما هو على حساب سكوت الزيدية! فليزيدوا أو ينقصوا فذلك شأنهم! أما تأثير الإمامية في اليمن في أوساط السنة فمحدود لوجود الوقاية العلمية.
الرشد: هل تعتقدون أن فتنة (حسين بدرالدين الحوثي) الأخيرة لفتت أنظار المسئولين وصناع القرار إلى خطورة المد الرافضي الإثنى عشري على تحويل المذهب الزيدي إلى حركة ثورية مجدداً؟
المهدي: هذا الذي يظهر، من خلال ما آلت إليه الأمور مع الحوثي ومن معه، بعد التعاطف الذي كان يبديه بعض المسئولين معه!
واضح أن هناك إدراكاً, وإن كان هذا الإدراك فيه توسع إلى حد التضييق على المراكز الشرعية بحجة أنها تدرس التطرف, وما زال الحديث جارياً حول المناهج، كل هذا بسبب ما حصل في صعدة.. والمصيبة -كما يقال- تعم! فقد أصاب الضرر من رضي ومن لم يرض!

**رئيس تحرير صحيفة (الرشد): صنعاء -اليمن

{moscomment}