جهود آل البيت –رضي الله عنهم- في الدعوة إلى الله

بواسطة | حسن الحسيني
اطبع الموضوع
الأحد 01 ربيع الثاني 1426
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، اللهم لك الحمد. لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر سبيلك.
في الجنة رحمتك، وفي النار غضبك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، لا إله إلا أنت.
اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
إخواني في الله، أي أمة كنا قبل الإسلام؟ وأي جيل كنا قبل الإيمان؟ وأي كيان نحن بغير القرآن؟ كنا قبل لا إله إلا الله أمة وثنية، أمة لا تعرف الله، أمة تسجد للحجر، وتقدس الشجر، أمة تغدر، أمة يقتل بعضها بعضا، أمة عاقة، أمة لا تعرف من المبادئ شيئاً.
فلما أراد الله أن يرفع رأسها، وأن يعلي مجدها، وأن يخلد ذكرها؛ أرسل إليها رسول الهدى محمداً -صلى الله عليه وسلم- "محمد رسول الله ( الفتح 29)
إن البـرية يـوم مبعث أحمـد نظر الإلـه لها فبدل حالهـا
بل كرم الإنسان حين اختار من خـير البرية نجمها وهلالهـا
لبس المـرقع وهـو قـائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
اللهم صلي على نبيك محمد –صلى الله عليه وآله وسلم- الذي هديت به الإنسانية، وأنرت به أفكار البشرية، وزلزلت به كيان الوثنية.
اللهم صل وسلم على صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والصراط الممدود.
أتى -صلى الله عليه وسلم- فصعد على جبل الصفا، ونادى العشائر والبطون ثم قال لهم: "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا". [1] فقامت دعوته على هذه الكلمة، كما كانت دعوة الأنبياء من قبله، "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" [النحل:36].
جاء بها محمد –صلى الله عليه وآله وسلم- فأعلنها صريحة؛ أنه لا إله إلا الله، فاستجاب له من أراد الله رفع درجته، وصم عنها من أراد الله عذابه في الدنيا والآخرة.
استجاب له أصحابه الأبرار، وفي مقدمتهم آل بيته الأطهار.
وبعد انتقال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- على الرفيق الأعلى، ورث أتباعه تلك الدعوة، فتابعوا المسيرة، وواصلوا الدعوة، وكانوا متبعين، ولم يكونوا مبتدعين. وكان لآل البيت -رضوان الله عليهم- مناهجهم الفريدة، وأساليبهم المتميزة في الدعوة إلى الله، "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً" [الأحزاب: 33].
ولعل من الأسباب التي حملتني على الحديث عن هذا الموضوع:
- كون منهج آل البيت -القائم على التمسك بالسنن، والاجتهاد في العبادة، والتقلل من الدنيا- هو الاتجاه السليم والمشروع.
ومعلوم أن "صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلح به أولها". [الإمام مالك -رحمه الله-].
ولا ننسى مكانة آل بيت النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- عند المسلمين كافة، فهم يحبونهم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية نبيهم محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي".[2] وقد اتفق المسلمون على حب آل البيت؛ لإيمانهم وتقواهم، ولقربهم من النبي –صلى الله عليه وآله وسلم-، ويرون أن شرف النسب تابع لشرف الإيمان، ومن جمع الله له بينهما فقد جمع له بين الحسنيين.
أحب الرسـول وآل الرسول محبة مستمسك بالهدى
لهم في فؤادي هوىً من هوى أبيهم أليسوا بني أحمدا!
وأرجـو بحبي لهـم زلفـة إلى الله عند النشور غدا
ولاسيما من تبـاهت بهم ذرا المجد والفضل لن يجحدا
عليٌ وفـاطم والحسنـان ومن مثلهم في الورى سؤددا
هم القوم مثل نجوم الدجى لمن تـاه في مهمهات الردى
برئت إلى الله من كل من أسـاء لهم فافترى واعتدى
أساء الغلاة وضل الجفـاة فكل عن الحـق قـد أبعدا
أصول الدعوة عند آل البيت:
قبل الحديث عن جهود آل البيت في الدعوة إلى الله، كان لزاماً علينا أن نعرف ما هي الأصول التي انطلقت منها تلك الدعوة المباركة:
1) التمسك بالكتاب والسنة النبوية:
عن أبي عبد الله [جعفر بن محمد "الصادق"] –رضي الله عنه- قال: "من خالف كتاب الله وسنة محمد –صلى الله عليه وآله وسلم- فقد كفر" "الكافي- الجزء الأول، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب). فآل البيت وأتباعهم سلكوا المنهج العلمي في ضوء الكتاب والسنة، وابتعدوا عن الجمود والتعصب المذهبي الذي أبعد الناس عن صفاء الدين الإسلامي.
وقد روي عن أئمة أهل البيت أنهم قالوا: "إذا جاءكم منا حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاطرحوه، أو ردوه علينا" (تهذيب الأحكام ج(7)، باب من أحل الله نكاحه من النساء).
وعن أبي عبد الله –رضي الله عنه- قال: "كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف" (الكافي- ج(1)، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب).
2) العلم والبصيرة:
العلم أساس الدعوة ومادتها، ولا يمكن أبداً الدعوة أن تقوم على الوجه المرضي عند الله إلا إذا كانت مبنية على العلم، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- قال: "أيها الناس، اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال" (الكافي- ج(1)، باب فرض العلم).
ولذلك نجد أن أئمة آل البيت توجهوا إلى طلب العلم وتعليمه.
أذكر بعضاً منهم: الإمام محمد الباقر الذي قال عنه الذهبي: "شهر بالباقر من بقر العلم: أي شقه، فعرف أصله وخفيه، ولقد كان إماماً مجتهداً، تالياً لكتاب الله، كبير الشأن، لا نحابيه ولا نحيف عليه، نحبه في الله لما تجمع فيه من صفات الكمال" انتهى كلامه، وقال ابن كثير: "أحد أعلام هذه الأمة علماً وعملاً وسيادة وشرفاً".
ومنهم: الإمام جعفر الصادق، قال عنه الذهبي: "الإمام الصادق، شيخ بني هاشم، أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي النبوي، المدني، أحد الأعلام" وقال أبو حاتم الرازي: "لا يسئل عن مثله".
ومنهم الإمام موسى الكاظم، قال عنه ابن تيمية: "مشهور بالعبادة والنسك" وقال أبو حاتم الرازي: "ثقة صدوق، إمام من أئمة المسلمين".
3) العمل بمقتضى العلم:
ليس العلم بكثرة التعلم، إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله أن يهديه، فإذا أردت العلم، فاطلب أولاً: في نفسك حقيقة العبودية، واعلم أن العمل هو ثمرة العلم، وعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر. لذلك شدد الله في الآخرة عقوبة العالم الذي لا يعمل بعلمه، قال الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- "يلقى العالم في النار، فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى" "منية المريد"[3]
4) الصبر والاحتساب:
"ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" [الأنعام:34].
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- قال: "الصبر في الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور" (الكافي- جـ2، باب الصبر).
5) التخلق بالأخلاق الفاضلة:
عن النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (مستدرك الوسائل- جـ11، بإب استحباب التخلق بمكارم الأخلاق).[4] فعلى الداعية أن يتمسك بحسن الخلق، بحيث يظهر عليه أثر العلم، في معتقده، وفي عبادته، وفي هيئته، وفي جميع مسلكه، حتى يمثل دور الداعية إلى الله عز وجل، وتكون دعوته مقبولة عند الناس.
فعن أبي عبد الله، جعفر بن محمد –رضي الله عنه- قال: "إنا لنحب من شيعتنا: من كان عاقلاً فهما، فقيهاً حليماً، مدارياً صبوراً، صدوقاً وفيا" ثم قال: "إن الله -تبارك وتعالى- خص الأنبياء بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه، فليحمد الله على ذلك، ومن لم يكن فيه، فليتضرع إلى الله، وليسأله إياها" (المصدر السابق).
6) تصفية الدين مما علق به من الشرك والبدع والأفكار الدخيلة:
عن رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (مستدرك الوسائل- جـ12، باب: وجوب إظهار العلم عند البدع).[5]
وعندما جاء رجل إلى أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- سأله عن السنة والبدعة، أجاب: السنة ما سن رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم-، والبدعة ما أحدث من بعده" (معاني الأخبار).
فهذا هو التعليم المبارك الذي سار عليه آل البيت في مدرستهم المباركة، وكانوا يعلمونه أتباعهم وأحبابهم؛ ليكونوا جميعاً على نهج خير الخلق جميعاً، محمد –صلى الله عليه وآله وسلم-.
جهود آل البيت في الدفاع عن رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم-:
نحن الآن في مكة المكرمة.
الزمان: قبل الهجرة النبوية. المكان: الحرم المكي الشريف. وهناك النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- قائم يصلي عند الكعبة، وأبو جهل وأصحاب اللهو جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان –أي يأتي بأحشاء الإبل- فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، وأكثرهم خبثاً، وهو عقبة بن أبي معيط، فجاء به، فنظر حتى سجد النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- ووضعه على ظهره بين كتفيه، فجعلوا يضحكون حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، ورسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- ساجد لا يرفع رأسه" حينها أقبلت جارية صغيرة تسعى، فطرحت عن ظهر النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك الأذى، وأقبلت على المشركين صارخة في وجوههم، تسبهم وتشتمهم، فلم يردوا عليها شيئاً" أتدرون من هذه؟! إنها فاطمة الزهراء.
هي زوج من؟! هي أم من؟! هي بنت من؟! هي سيدة نساء العالمين.
أما زوجها فعلي بن أبي طالب، وأما أبناؤها فالحسن والحسين "سيدا شباب أهل الجنة" وأما أبوها فمحمد –صلى الله عليه وآله وسلم-.
فلما قضى النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- صلاته، رفع رأسه ثم قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش. فلما سمعوا صوته، ذهب عنهم ذلك الضحك وخافوا دعوته، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى: اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، قال ابن مسعود: فو الذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عدَّ رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر".[6] فيا له من موقف! ويا له من إقدام! سلم ذلك اللسان الذي دافع عن رسول الله، شل ذلك اللسان الذي طعن في آل بيت رسول الله.
ولو كن النساء كمن ذكرن لفضلت النساء على الرجال
* بعد هجرة الصحابة –رضي الله عنهم- إلى المدينة، أقام رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- في مكة ينتظر إذن الله بالهجرة، فأتاه جبريل –عليه السلام- وأمره ألا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه، فدعا رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- وخلفه بمكة؛ لقضاء الديون؛ ورد الودائع التي كانت عنده، وأمره أن ينام على فراشة، وقد أحاط المشركون بالدار، فلبس ثوب النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- ثم نام مكانه، وأخذ المشركون يرمون عليا بالحجارة كما كان يُرْمَى نبي الله، وهو يتضور ويتألم، قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه، فلما رأى المشركون عليا –رضي الله عنه- رد الله مكرهم، وأمر النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- علياً أن يلحقه بالمدينة، فخرج علي –رضي الله عنه- في طلبه، يمشي الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة. فأقبل الصحابة –رضوان الله عليهم- على رسول الله يخبرونه بقدوم علي –رضي الله عنه- فبرقت أسارير وجهه، ذلك الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وقال: ادعوا لي عليا، قال الصحابة: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي. فأتاه النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- فلما رآه اعتنقه وبكى، بكى رحمة لما رأى بقدميه من الورم، وكانتا تتقطران دماً. خرست الألسنة، نطقت الدمع.
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
فتفل النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- في يديه، ومسح بهما رجليه، ودعا له بالعافية؛ فلم يشتكي بعد يومئذ حتى استشهد -رضي الله عنه-.
- ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن دور الإمام علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- كان من أخطر أدوار الهجرة، فكان أول فدائي في الإسلام، ومن ثم فلا بد أن يكون هذا الفدائي من طراز فريد، وهو يعلم أن السيوف المسلولة تنتظره في الصباح، وسيظل المسلمون إلى يوم الدين عندما يذكرون حادثة الهجرة يذكرون هذا الفداء، وتلك البطولة التي فاقت كل بطولة.
جاد بحياته لماذا؟! لتنتشر دعوة النبي محمد –صلى الله عليه وآله وسلم- وليتألق الإسلام في آفاق الدنيا.
دعوة آل البيت إلى تقرير التوحيد:
خلق الله العالم من الإنس والجن لعبادته، وأوجبها عليهم.
وهذه الغاية بينها الله –سبحانه- في كتابه حيث قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [الذاريات:56] وأرسل الله رسله، وأنزل عليهم كتبه، ليرشدوا العباد إلى توحيده –تبارك وتعالى- "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" [النحل:36].
فكل الرسل بدأوا دعوتهم بتوحيد الله –تبارك وتعالى-، ابتداء من نوح –عليه السلام- وانتهاء بمحمد –صلى الله عليه وآله وسلم-.
وعلى هذا سار أئمة آل البيت –رضوان الله عليهم-، معظمين لله –تبارك وتعالى- حق تعظيمه.
فكان النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- يربي أصحابه في كل مكان، وفي كل وقت على التوحيد، ويجعل محبة الله –تبارك وتعالى-، والخوف منه في قلوبهم. "هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" [الجمعة:2].
* وقفة:
إن إيمان المسلم بوحدانية الله –عز وجل- واعتقاده بأنه لا خالق، ولا رازق، ولا مالك، ولا متصرف، في خلقه وملكه إلا الله، لا شريك له، ولا ند له، هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، "قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون" [يونس: 31].
لكن يؤسفنا كثيراً، يؤسفنا حقاً أن نرى في عصرنا الحاضر من الناس من يخالف تلك الفطرة، معتقداً بأن للأولياء والصالحين حق التصرف والتدبير في خلق الله وملكه، وخاصة آل البيت –رضوان الله عليهم- سالكين مخرجاً لهذا المعتقد: على أن هذه الأعمال كلها بإذن الله –تعالى-.
وهذا والله أمر عجيب؛ لأنه مناف لتوحيد الله –عز وجل- في ربوبيته، "يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون" [فاطر: 3]، وقال تعالى: "أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون" [النمل:62].
وقد ذكر الكشي في "رجاله": بأن أقواماً من الناس يحدثون الناس بأحاديث منكرة، ومكذوبة على جعفر بن محمد –رضي الله عنه-، وعلى آله الطاهرين –رضي الله عنهم-، يستأكلون بها الناس، ويأخذون منهم الدراهم، ويزعمون بأن علياً –رضي الله عنه- في السحاب، يطير مع الريح، وأنه كان يتلكم بعد الموت، وأنه كان يتحرك على المغتسل، وأن إله السماء وإله الأرض الإمام، فجعلوا لله شريكاً جهلاً وضلالاً" ثم قال: "والله ما قال جعفر شيئاً من هذا قط، وكان جعفر أتقى لله، وأورع من ذلك، فسمع الناس ذلك فضعفوه، ولو رأيت جعفر لعلمت أنه واحد من الناس".
* وقفة:
"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" [الإسراء:56]، فمن عبد الله وحده، أنجاه وأدخله جنته؛ تكريماً له لما فعل، ومن عبد غير الله، أو جعل له نداً، أو مساوياً له؛ عاقبه الله بنار جهنم خالداً فيها.
"وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" [المائدة:72].
اعلم –رحمك الله- أن العبادة لها أنواع كثيرة، يجب صرفها جميعها لله وحده، لا شريك له، ومنها: الدعاء بأنواعه: من استغاثة واستعانة واستعاذة، والذبح والنذر، والطواف، والصلاة والزكاة والصيام، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فقد أشرك بالله -عز وجل-.
فإن رمت النجاة غداً وترجو نعيماً لا يصير إلى زوال
فلا تشرك بربك قـط شيئا فـإن الله جل عن المثال
إلـه واحـد أحـد عظيم عليم عادل حكم الفعال
رحيم بالعبـاد إذا أنـابوا وتابوا من متابعة الضلال
شديد الانتقام بمن عصـاه ويصليه الجحيم ولا يبالي
فبادر بالذي يرضى لتحظى بخير في الحيـاة وفي المآل
وأحبب في الإله وعـادِ فيه وأبغض جاهداً فيه ووالي
وأهلَ الشرك زايلهم وفارق ولا تركن إلى أهل الضلال
وتشهد قاطعاً من غير شك بأن الله جـل عن المثـال
بهذا جـاءنا في كـل نص عن المعصوم من صحبٍ وآل
فيا فردا بلا ثـاني أجـرني وثبتني بعـزك ذا الجـلال
وعاملني بعفوك واغـنِ قلبي بفضلك عن حرامك بالحلال
واستمر النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- في هذه الدعوة المباركة حتى دخل كثير من الناس في دين الإسلام، دين التوحيد، متحملاً مع أصحابه أذى قريش وجبروتهم وطغيانهم، حتى ظهرت دعوته ولله الحمد والمنة.
ومما يؤسف حقاً أن البعض يقول: لا إله إلا الله، ومع ذلك فهو يجعل الأولياء والصالحين شفعاء ووسطاء بينه وبين الله في جميع أنواع العبادات: من الدعاء والخوف والنذر والتبرك، فلم يخلص العبادة لله وحده "أإله مع الله بل هم قوم يعدلون" [النمل:60].
إخواني في الله، إن أملي ورجائي من كل علماء ودعاة الأمة، ألا يوجهوا الناس إلى التعلق بالناس، بل يوجهونهم إلى التعلق برب الناس، ويربونهم على اللجوء والتضرع إلى الله وحده، في الرخاء والشدة، في المصيبة والكربة، في المرض والصحة.
"الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين" [الشعراء:78-81].
آل البيت يحذرون:
عن جابر بن عبد الله، عن النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "الموجبتان؛ من مات يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً يدخل النار" (بحار الأنوار- جـ3، باب ثواب الموحدين). [7]لخطورة أمر الشرك، سنذكر بعض الأمور التي حذر منها أئمة آل البيت –رضوان الله عليهم- باعتبارها وسيلة تؤدي إلى الشرك بالله–تعالى-.
الوسائل المؤدية إلى الشرك بالله –تعالى-:
1- الصور والتماثيل: من المداخل الخطيرة لباب الشرك، والتي تعد من الأمور العظيمة التي نهى عنها الله –عز وجل- الصور؛ وذلك لما يفعله المصور من تصاوير يضاهي بها خلق الله –عز وجل-، والمقصود من التصاوير التي حذر منها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم_ هي تصوير ذوات الأرواح، ولاسيما تصوير المعظمين من البشر: كالأنبياء والأولياء والعلماء وغيرهم.
وليعلم المسلمون بأن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير، ونصب الصور.
جاء في الخبر عن أبي جعفر –رضي الله عنه-: "أن إبليس هو أول من صور صورة على مثال آدم –عليه السلام- ليفتن بها الناس، ويضلهم عن عبادة الله، ثم صور صورة "ود" وهكذا بعده "سواع"، و "يغوث"، ثم "يعوق" حتى بعث الله إدريس –عليه السلام- فحذرهم من عبادة الأصنام، ونهاهم عنها" (قصص الأنبياء).
ولهذا "لعن النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- المصورين[8]، وأخبر "أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة" [9] فهل يعقل بعد هذا تعليق صورة الأنبياء والأولياء والعلماء وغيرهم في البيوت والمساجد، ومجالس الذكر؟! بل تجرأ البعض إلى تعليق صور النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وآله بيته الطاهرين.
عن أبي عبد الله –رضي الله عنه- قال: "ثلاثة يعذبون يوم القيامة: وذكر منهم: من صور صورة من الحيوان، يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ" (كتاب ثواب الأعمال). [10]
وقد وصى النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- أصحابه بمحو تلك الصور، وخص علياً رضي الله عنه بذلك، قال أمير المؤمنين علي –رضي الله عنه- "بعثني رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- إلى المدينة، فقال: لا تدع صورة إلا محوتها، ولا قبراً إلا سويته" (الوسائل –جزء3، باب تزويق البيوت). [11]
وضرر هذا الأمر يتعدى إلى نزع البركة، وذهاب الخير من البيوت؛ وذلك بنفور الملائكة من التصاوير.
فعن أبي جعفر –رضي الله عنه- قال: قال جبريل –عليه السلام-: "يا رسول الله، إنا لا ندخل بيتاً فيه صورة إنسان" (الكافي_ جـ3، باب الصلاة في الكعبة وفوقها). [12]
2- الغلو في الصالحين:
الإفراط والغلو في الصالحين من أشنع وأخطر ما يهدم جناب التوحيد، والغلو هو: مجاوزة الحد.
قال الإمام الصادق –رضي الله عنه-: "والله إن الغلاة لشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا" (بحار الأنوار- جـ25، باب نفي الغلو في النبي والأئمة).
اعلم –رحمك الله- أن حب آل البيت واجب، ولا يبغضهم إلا ناصبي منافق، لكن ثمت أمر مهم يجب اعتباره، وهو أن هذه المحبة يجب ضبطها بضوابط شرعية؛ حتى لا يقع المسلم في الغلو والإطراء؛ فيرفع أحداً من الناس فوق منزلته التي أنزله الله بها، كان يجعل للصالحين والأئمة حقاً من حقوق الله الخاصة به؛ فيعتقد بأنهم يخلقون ويرزقون، ويحيون ويميتون، ولهم التصرف في هذا الكون، وغير ذلك.
وبسبب هذا الاعتقاد، استغاث بهم البعض، ودعوهم من دون الله عند الشدائد، وهذا ولا شك بأنه شرك بالله –تعالى-، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم_ "لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله تبارك وتعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبيا" (المصدر السابق). [13]
والصالحون أنفسهم يتبرأون من أن يدعوا لأنفسهم حقا ًمن حقوق ربهم الخاصة، "وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم" [المائدة:116-117].
وهذا ما سار عليه الآل الكرام –رضوان الله عليهم-. وقد حذر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- من خطورة الغلو، خاصة فيه، فقال: يهلك في اثنان: محب غالٍ، ومبغض قالٍ" (المصدر السابق: بحار الأنوار).
والغريب أنه وجد في الأمة من نسب إلى أئمة آل البيت بعض خصائص الرب –جل وعلا-، لكن آل البيت تصدوا لهذا الفكر، ولم يرضوا به. فعن صالح بن سهل قال: كنت أقول في أبي عبد الله –رضي الله عنه- بالربوبية. فدخلت، فلما نظر إلي قال: يا صالح، إنا والله عبيد مخلوقون، لنا رب نعبده، وإن لم نعبده عذبنا" (بحار الأنوار).
وقال الصادق –رضي الله عنه- "لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا، وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا" (بحار الأنوار).
فقد فطن الأئمة -رضي الله عنهم- إلى حال بعض محبيهم، وما سيؤدي إليه فرط حبهم؛ لذا قال الإمام جعفر الصادق –رضي الله عنه-: "فوالله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله من حجة، ولا معنا من الله برآءة، وإنا لميتون ومقبورون، ومنشرون ومبعوثون، وموقوفون ومسئولون، .. إلى أن قال: أشهدكم أني امرؤ وَلَدَني رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- وما معي براءة من الله، إن أطعته رحمني، وإن عصيته عذبني عذاباً شديداً" "رجال الكشي".
3- الحلف بغير الله:
الحلف هو اليمين،من الأقوال العظيمة والدالة على إيمان العبد، وتعلقه بالله، ذلك أن الحلف هو: تأكيد الشيء بذكر معظم، بصيغة مخصوصة، وقد كثر بين الناس اليوم الحلف بالله كذباً، أو بغير الله شركاً؛ كمن يحلف بالأمانة، أو بالوالدين، أو بالشرف، أو بالأولاد، أو برأس النبي وآل بيته الأطهار.
ومنهم من يحلف بالأحياء والموتى من الأولياء والصالحين؛ تعظيماً لهم وخوفاً من عقابهم. فإذا استحلف ذلك الشخص بالله –عز وجل- حلف بالله دون تردد وإن كان كاذباً، وإن استحلف بالنبي –صلى الله عليه وسلم- أو بآل بيته، أو بالولي الفلاني، يتكعكع ويتلعثم، ولا يحلف به إلا صادقاً.
قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم-: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" "مستدرك الوسائل" ج(13) باب: أنه لا يجوز الحلف ولا ينعقد إلا بالله [14] وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون ". (عوالي اللآلئ- جزء 3، باب:الأيمان). [15]
لذا فالواجب على كل مسلم حفظ يمينه وكلامه، وتعظيمه لله، وإن استلزم أن يقسم، فليقسم بالله –تعالى- وحده، ولا شيء غيره.
* جهود آل البيت -رضوان الله عليهم- في تأليف القلوب:
إن ما جرى بين الصحابة وبعض آل البيت -رضوان الله عليهم جميعاً- من الخلاف؛ إنما كان بقدر الله -تعالى-؛ ليبتلي المؤمنين به: هل يمسكون ألسنتهم ويسلمون؟ أم يخوضون فيه ويأثمون؟. لكن البعض وللأسف، اختار الخوض فيما جرى بينهم؛ وتبعاً لذلك وصف الصحابة -رضي الله عنهم- بالكفر والضلال -والعياذ بالله-.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يفيد بأن المؤمنين إذا تقاتلوا لا يخرجهم ذلك عن مسمى الإيمان "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" [الحجرات:9]. فسماهم الله مؤمنين رَغْم تقاتلهم.
إخواني: إن الحقيقة التي ينبغي أن نؤمن بها أنه مع ما جرى بينهم إلا أنهم كانوا رحماء بينهم، وذلك هو منطوق القرآن: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود" [الفتح:29].
وهذه حقيقة وإن تجاهلها القصاصون، فستبقى ناصعة بيضاء، ترد على أكثر أهل الأخبار أساطيرهم وخيالاتهم التي استغلها الأعداء، وأصحاب الأطماع السياسية لتحقيق مصالحهم، وتأصيل الافتراق والاختلاف في هذه الأمة.
نداء:
هذا نداء إلى الباحثين والكتبة عن تاريخ الأمة، إلى الداعين إلى وحدة الكلمة وتوحيد الصف، بل إلى كل غيور على هذه الأمة. أقول: لماذا نثير قضايا ومسائل تاريخية لها آثارها السلبية، وتؤصل العداوة من غير بحث ولا نظر؟! لحساب من؟! الأجل جماهير العوام؟! أم لأجل تقليد أعمى؟! أم لكسب مادي؟!.
إنك تعجب من كثير من الكتاب الذين يقضون أوقاتاً ويبذلون جهوداً في مسائل تاريخية أو فكرية هي مبنية على رويات ضعيفة، أو أقوال واهية، أو أهواء بغيضة.
إخواني في الله: يا محبي آل بيت رسول الله، فلنتصفح التاريخ الصحيح قليلاً، ولنضع كلام القصاصين جانباً، ولنستمع إلى كلام أئمة آل البيت مباشرة، ماذا قالوا وكيف تعاملوا مع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-في واقعهم، وحياتهم العملية.
* ولك هذا الموقف: فبعد ما قُتل الإمام علي -رضي الله عنه-، بايع الناس الحسن بن علي -رضي الله عنه- بالخلافة، وكان يتفطر قلبه حسرة وحزناً على تفرق المسلمين، وكاد أن يحصل قتال شديد بين المسلمين: جيش الحسن وجيش معاوية -رضي الله عنهما-، لكنه لما بانت حقيقة الأمر للحسن بن علي -رضي الله عنه- أرسل لمعاوية -رضي الله عنه- يطلب منه الصلح، ويعرض عليه تسليم الخلافة نظير شروط معينة.
ومن الأمور العجيبة: أن معاوية قد أرسل في الوقت ذاته رجلين [هما: عبد الرحمن بن سُمرة وعبد الله بن عامر بن كريز. البخاري (2704)] إلى الحسن حتى يعرضا عليه الصلح -قبل أن يعرف نيته بالصلح-، فاتفقت الإرادتان على الصلح، فتم الصلح في 25 ربيع الأول سنة 41 للهجرة.
عن أبي عبد الله جعفر -رضي الله عنه- قال: "إن معاوية كتب إلى الحسن بن علي -رضي الله عنهما-: أن أقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية وأعدَّ لهم الخطباء، فقال: يا حسن، قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال للحسين: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس، قم فبايع، فالتفت إلى الحسين، فقال -أي الحسين-: يا قيس، إنه إمامي -يعني الحسن رضي الله عنه-، وفي رواية: فقام إليه الحسن فقال: بايع يا قيس، فبايع". كتاب "رجال الكشي".[16]
وعندما تمّ أمر الصلح، وصار معاوية خليفة للمسلمين، نقم بعض الناس على الحسن فِعْلته، حتى همَّ بعضهم بقتله، وطعنوه في فخذه، وقالوا له: يا مسود وجوه المؤمنين.
أهذا يقال عن الحسن؟!! والله مساكين هؤلاء؛ لأنه لما هدأت الأمور، واستقرت الخلافة لمعاوية، بانت آية من آيات النبوة، عندما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحسن: "أيها الناس إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". [17]
وإذا بالتاريخ يكشف لنا هاتين الفئتين العظيمتين: إنها فئة علي وفئة معاوية -رضي الله عنهما-، ولقد سمى المسلمون هذا العام بعام الجماعة؛ لاجتماع المسلمين على خليفة واحد، وعلى كلمة واحدة. وحينها هدأت الحروب، وانتظم عقد المسلمين، وتفرغوا مرة أخرى لأعمال الجهاد في سبيل الله وفتح البلدان، ونشر الدعوة الإسلامية.
لله درك يا الحسن! صدق فيك المصطفى حينما قال: "اللهم إني أحبه فأحبه، وأحبب من يحبه". [18]
اللهم إنا نشهدك، ونشهد حملة عرشك، ونشهد ملائكتك، ونشهد عبادك الصالحين، بأنا: نحب الحسن والحسين وسائر أهل بيت رسول الله، فأحبنا يا الله.
بل انظر كيف رد أئمة أهل البيت على كل من أراد إثارة الضغائن بينهم، وإليك هذه القصة:
وقد رواها علي الأردبيلي في "كشف الغمة": عن الإمام علي بن الحسين -رضي الله عنهما- قال: جاء إلى الإمام نفر من العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- (أي ذكروهم بسوء)، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: ألا تخبرونني، أأنتم المهاجرون الأولون، "الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون" [الحشر:8]؟ قالوا: لا. قال: فأنتم "الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" [الحشر:9]؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: "يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا" [الحشر:10]، أخرجوا عني، أخرجوا عني، فعل الله بكم".
فما أروع تلك الكلمة! وما أبلغ هذا الدرس!
هذا فهم زين العابدين علي بن الحسين -رضي الله عنهما- الفهم الأصيل.
- قال الإمام علي -رضي الله عنه-: "لقد رأيت أصحاب محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فما أرى أحدً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم رُكُبَ المِعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاء للثواب". "نهج البلاغة".
* صفحة مشرقة من الجهاد في سبيل الله:
هناك صفحات كثيرة، نقتصر على واحدة:
من خصائص علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- التي لا ينكرها منكر: قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- يوم خيبر: "لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فلما أصبح رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- غدوا كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأتي به، وبه رمد، فبصق في عينيه، فدعا له فبرأ، ودفع الراية إليه" [19]فانطلق بالناس، فلقي أهل خيبر، ولقي مرحباً، ذلك الخيبري اليهودي، فغدا وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحـروب أقبلت تلهب أطعن أحياناً، وحيناً أضرب
فبرز له علي -رضي الله عنه- وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غاباتٍ كريهِ الـمَنْظَرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
وحيدرة هو الأسد، وقد سُمي على أسداً في أول ولادته. وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسداً يقتله، فذكَّره علي -رضي الله عنه- بذلك؛ ليخيفه ويضعف نفسه، وأنه هو الأسد الذي سيقتله.
فالتقى هو وعلي بسيفيهما، فضربه علي ضربة على هامته بالسيف، عض السيف منها بالأضراس، وسمع صوت ضربته أهل العسكر، ففلق رأسه فقتله، وكان الفتح، فتح خيبر.
* تحذير آل البيت من البدع ومحدثات الأمور:
قال علي -رضي الله عنه-: "ما أُحدثت بدعة إلا ترك بها سنة، فاتقوا البدع، والزموا المهيع، إن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها". "نهج البلاغة".
تعتبر الأمور المستحدثة في الدين بدعاً، واجهها أئمة آل البيت على أنها مشكلات يجب إزالتها، فكان للتحذير منها نصيب كبير من جهودهم واهتماماتهم.
كان آل البيت يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه.
إذا بدا لهم الدليل طاروا إليه زرافات ووحداناً.
كانت نصوص الكتاب والسنة أجل في صدورهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس، أو يعارضوها برأي أو قياس.
فقد رُوي عن أئمة آل البيت -رضوان الله عليهم- أنهم قالوا: "إذا جاءكم عنا حديثان، فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاطرحوه". فخلف من بعدهم خَلْفٌ تركوا السنة واتبعوا البدعة، فتصدى لهم أئمة آل البيت -رضوان الله عليهم- وقاوموهم بالأساليب الحكيمة المتناسبة مع نوع البدعة وضررها وأثرها.
- وسنقتصر على ذكر بعض البدع الظاهرة التي كان لأئمة أهل البيت فيها موقف، ورُوي لهم فيه أثر، ولن نتتبع كل ما حدث من مخالفات، فإن ذلك سيطول.
* لبس الحلقة والخيط والتمائم والخواتم ونحوها لدفع البلاء:
يعتقدون بأنها ترفع البلاء والأمراض، أو أنها تجلب الخير والبركة.
نقل المجلسي في "بحاره" من حديث عمران بن حُصين -رضي الله عنه-: "أن رجلاً دخل على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وفي عضده حلقة من صُفر، وفي رواية: وفي يده خاتم من صُفر -أي من النحاس-، فقال: ما هذا؟ قال: هذا من الواهنة. قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهنا". "بحار الأنوار" ج (59) باب الحجامة والحقنة والسعوط والقيء. [20]
وعن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- قال: "كثير من الرقى، وتعليق التمائم شعبة من الإشراك". "مستدرك الوسائل" ج(14) باب تحريم إتيان العراف وتصديقه. [21]
* الغلو في القبور:
ما نشاهده في كثير من البلدان الإسلامية من بناء الأضرحة، وتجصيصها، وجعلها مزارات تعبد من دون الله: يطاف حولها، ويستغاث بها، ويطلب المدد والعون من أصحابها، تقدم لها القرابين، وأكاليل الزهور والبخور، إلى غير ذلك من البدع.
قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "لا تتخذوا قبري قِبْلةً ولا مسجداً، فإن الله -عز وجل- لعن اليهود حين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". "من لا يحضره الفقيه" باب التعزية والجزع عند المصيبة. [22]
وعن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا تتخذوا قبوركم مساجدكم، ولا بيوتكم قبوراً". "مستدرك الوسائل" (2/379).
بل أتى النهي عن البناء أو تزيين القبور، فعن علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن موسى -رضي الله عنه- عن البناء على القبر والجلوس عليه، هل يصلح؟ قال: "لا يصلح البناء عليه، ولا الجلوس، ولا تجصيصه، ولا تطيينه". "الاستبصار" ج(1) باب النهي عن تجصيص القبر وتطيينه. [23]
وقال أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في هدم القبور، وكسر الصور". "الكافي" ج(6) باب تزويق البيوت.
وجاء في بعض الروايات السبب المانع من هذا الفعل، فعن الإمام الصادق -رضي الله عنه- أنه قال: "كل ما جُعِلَ على القبر من غير تراب القبر فهو ثقل على الميت". "الوسائل" (3/202). [24]
* النياحة على الميت، ولبس السواد:
من الأمور الهامة المتعلقة بمعتقد القضاء والقدر، الصبر على ما قدره الله -سبحانه-، والرضا به، وهذا مطلب هام يغفل عنه بعض أهل الإسلام.
والصبر هو: الرضا بما قدره الله، وحبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب ونحوها، عند المصيبة.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس منا: من ضرب الخدود، وشق الجيوب" "مستدرك الوسائل" (2/452).[25]
فاعلم -رحمك الله- أن عدم الصبر على قضاء الله وقدره، يسخط الرب -جل وعلا-، وهو ينافي كمال التوحيد؛ لما فيه من عدم الاستسلام لله، والرضا بما قدره. فمن صبر، عوضه ربه على ما أصابه خيراً في الدنيا والآخرة.
"ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون" [البقرة: 155-157].
ورُوي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرَّ على امرأة تبكي على قبر، فقال لها: اصبري أيتها المرأة. فقالت: يا هذا، اذهب إلى عملك، فإنه ولدي وقرة عيني. فمضى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وتركها. ولم تكن المرأة عرفته، فقيل لها: إنه رسول الله، فقامت تشتد في طلبه حتى لحقته، فقالت: يا رسول الله، إني لم أعرفك فهل لي أجر إن صبرت؟ فقال: الأجر مع الصدمة الأولى". "مستدرك الوسائل" (2/351). [26]
وفي عصرنا الحاضر نرى كثيراً من المسلمين -هدانا الله وإياهم إلى الحق-يقومون بإحياء ذكرى وفاة واستشهاد الأولياء والصالحين، فيقومون بلطم الخدود، وشق الجيوب، وضرب الرؤوس بالخناجر والسيوف، وضرب الطبول، ولبس السواد، معتقدين بأنها تحيي ذكراهم، وتشفعهم عند النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وآله الأطهار.
عن الصادق عن آبائه قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الرنة عند المصيبة، ونهى عن النياحة والاستماع إليها، ونهى عن اتباع النساء للجنائز". "من لا يحضره الفقيه" ج(4) باب ذكر جُمْل من مناهي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-[27]حتى ولو كان الحزن في اللباس فقط، دون صراخ ولا لطم؛ فإن ذلك لا يجوز؛ لقول أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- فيما علَّم أصحابه: "لا تلبسوا السواد؛ فإنه لباس فرعون". "من لا يحضره الفقيه" ج(1) باب: ما يصلى فيه وما لا يصلى فيه.
وعن محسن بن أحمد، عن أبي عبد الله -رضي الله عنه- قال: "قلت له: أصلي في القلنسوة السوداء؟ فقال: لا تصلِّ فيها؛ فإنها لباس أهل النار". "الكافي" ج(3) باب: اللباس الذي تكره الصلاة فيه.
وقد يتعاطف كثير من الناس مع ما حدث للإمام الحسين -رضي الله عنه- وآل بيته الطاهرين، من الظلم، وسفك الدماء، وهذا واجب، لكنهم يندفعون فيقومون بتلك الأفاعيل التي ذكرناها آنفاً.
هل يرضى الإمام الحسين بتلك الأفعال؟!
تعالوا معنا نستعرض مواقفه:
فعن محمد بن علي -رضي الله عنه- قال: "لما همَّ الحسين -رضي الله عنه- للشخوص إلى المدينة، أقبلت نساء بني عبد المطلب، فاجتمعن للنياحة، فمشى فيهن الحسين -رضي الله عنه- فقال: أنشدكن الله أن تبدين هذا الأمر، معصية لله ورسوله". "مستدرك الوسائل" (2/453).
وعن علي بن الحسين -رضي الله عنه- قال: "إن الحسين قال لأخته زينب: يا أختاه، إني أقسمت عليك فأبرّي قسمي، لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت". "مستدرك الوسائل" (2/451).
- إخواني في الله: يا محبي آل بيت رسول الله.
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينه عن البكاء، فالبكاء مشروع، العين تدمع، والقلب يحزن، لكنّ المنهي عنه هو ما قد يصاحب البكاء والحزن من ضرب الخدود والصدور بالسلاسل، وشق الرؤس بالسيوف والخناجر، والصراخ والنياحة والعويل، وكل ذلك منهي عنه في الشريعة الإسلامية. فتأمل -بارك الله فيك-.
* تصدي آل البيت لأفكار الملاحدة والزنادقة:
في القرن الثاني الهجري كثر وجود الزنادقة، حتى أصبحت الزندقة والإلحاد مشكلة كبيرة وخطيرة على الإسلام والمسلمين.
لكن آل البيت -جزاهم الله خيراً- تصدوا لها، وواجهوا رجالاً من الزنادقة: ردوا شبهاتهم، وأجابوا عن مشكلاتهم، ومن تلك المشكلات:
دعوى التناقض في القرآن الكريم:
عن حفص بن غياث قال: "كنت عند سيد الجعافرة، جعفر بن محمد -رضي الله عنه- لما أقدمه المنصور، فأتاه ابن أبي العوجاء، وكان ملحداً، فقال له: ما تقول في هذه الآية: "كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها" [النساء:56]، هب هذه الجلود عصت فعذبت، فما ذنب الغير؟ يقصد: كيف يعذب الله جلوداً لم تذنب. فقال أبو عبد الله -رضي الله عنه-: ويحك! هي هي، وهي غيرها. قال: فمثّل لي شيئاً من أمر الدنيا. قال: نعم، أرأيت لو أن رجلاً أخذ لبنة فكسرها ثم صبَّ عليها الماء وجبلها، ثم ردّها إلى هيئتها الأولى، ألم تكن هي هي، وهي غيرها؟ فقال: بلى، أمتع الله بك. "الاحتجاج".
فالمراد بتبديل الجلود، أي تجديدها؛ لأن القرآن فيه عام وخاص، ووجوه كثيرة، وخواطر يعلمها العلماء.
لكن الزنادقة لم يألوا جهداً في إثارة الشبهات، وإيجاد الشكوك،ولا عجب فهذه مهمتهم، وهذا هدفهم: زعزعة العقيدة في قلوب الناس، وتشكيك المسلمين في ربهم -جلَّ وعلا-.
جاء رجل إلى الإمام جعفر الصادق -رضي الله عنه- فسأله عن الله تعالى فرد عليه قائلاً: ألم تركب البحر؟ قال: بلى، قال: فهل هاجت بك الريح عاصفة؟ قال: نعم. قال: وانقطع أملك حيئنذٍ من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم، قال: فهل خطر ببالك، وانقدح في ذهنك من يستطيع أن ينقذك إن شاء؟ قال: نعم، فقال جعفر الصادق: فذاك هو الله".
"وإذا مسكم الضرُّ في البحر ضلّ من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً" [الإسراء:67].
* محاربة آل البيت للسحر والكهانة:
السحر عبارة عن أعمال خفية تحصل بين الساحر والشياطين، تشتمل على رقى غير شرعية، وعزائم وطلاسم، واستعمال للدخان، وأدوية، وإراقة دماء من البهائم وغيرها.
ولفداحة وضرر هذا الفعل والمعتقد فقد ذكر الله -عز وجل- أمر السحر في كتابه: "واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله" [البقرة:102].
ولأجل ذلك فقد حذر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من السحر، وتعلمه، والإتيان إليه، وجعله من المهلكات.
فقال: "اجتنبوا السبع الموبقات -أي المهلكات- قالوا: وما هي؟ قال: الإشراك والسحر… " إلى نهاية الحديث. "الخصال" ج(2) باب تعيين الكبائر التي يجب اجتنابها. [28]
- وعن علي -رضي الله عنه- قال: "من تعلم شيئاً من السحر، قليلاً أو كثيراً فقد كفر، وكان آخر عهده بربه، وحده: أن يقتل إلا أن يتوب". "بحار الأنوار" ج(76) باب: السحر والكهانة.
ومما ينبغي أن يتنبه له: أن الكاهن قد يتظاهر بالتدين والصلاح، فيظهر للناس في صورة الروحاني، المعالج والناصح لهم، ويقوم بالاستخارة، أو بالكشف عن فعل أمر ما، أو بالإخبار عن مرض، أو عما سيحدث في المستقبل، أو عن شيء مفقود، فيصدقه العوام.
"هل أونبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون" [الشعراء:221-223].
- ولهم أساليب متنوعة يمارسون بها عملهم وكذبهم على الناس، منها: قراءة الفنجان، وقراءة الكف، وذكر رؤيا للمخدوع بأنه رآه في المنام، وسيحصل له كذا وكذا…
وكذلك الخيرة، من خلال فتح القرآن الكريم وقراءة الآيات، وتفسيرها بلا علم ولا دليل.
ولخطورة هذا العمل جاء الوعيد الشديد لمن ذهب إلى الساحر، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "من جاء عرافاً فسأله وصدقه بما قال؛ فقد كفر بما أنزل على محمد"، وكان يقول: "إن كثيراً من الرقى وتعليق التمائم شعبة من الإشراك". "مستدرك الوسائل" ج(13)، باب تحريم إتيان العراف وتصديقه. [29]
وبعد هذه الرحلة الماتعة مع تراث أهل البيت -رضوان الله عليهم-، ها نحن نصل وإياكم إلى نهاية هذه المادة.
وقبل الختام، ليسأل كل منا نفسه: أين أنا من هذه الآيات، وتلك الروايات؟
أم أنا من الذين يزعمون محبة آل البيت، ثم أكون أبعد ما أكون عن منهجهم ودعوتهم؟
هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتهم إن المحب لمن يحب مطيع.
- وإني على علم بأن واقع بعضنا قد يكون بعيداً عن تلك الدعوة المباركة، وهذا مما يؤسف حقاً، فيأتيك الهاجس:
لعل هذه الروايات عن الأئمة إنما صدرت منهم لظروف سياسية أو ضغوط معينة؛ لتخدع نفسك، ثم تسكت، وترضى بعد ذلك بالواقع الأليم الذي تعيشه، ثم لا أجدك تقتنع بذلك، ولك الحق، فآل البيت أجل من أن يقولوا ما لا يعتقدون وأن يتحدثوا بما لا يؤمنون، فيفتنوا الناس في دينهم.
بل كانت -والله- كلمة الحق على ألسنتهم، لا يحابون أحداً، ولو سالت دماؤهم، وطارت رقابهم، وتمزقت أشلاؤهم.
يقولونها ولا يخافون في الله لومة لائم.
اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد.
أخي الكريم: افعل ما تشاء! فلن ألزمك، ولكن تذكر بأن لك موقفاً أمام الله -عز وجل- يوم القيامة، وسيكلمك كفاحاً بلا ترجمان، وسيسألك عن كل صغيرة وكبيرة.
أيها العبد، أنت مسؤول، فأعدّ للسؤال جواباً.
وسينقسم الناس في ذلك الموقف الرهيب [قسمين]:
فالفائزون سيفرحون ويجيبون: يا ربنا، ما وجدناه في كتابك طبقنا، وما أمره نبيك فعلنا، وبمنهج صحبه وآل بيته اقتدينا.
وأما الخاسرون، فسيقولون: يا ربنا كثرت علينا الطرق فضعنا، وتشعبت بنا السبل فتهنا، عالم يفتي بكذا فامتثلنا، وشيخ يقول كذا، فصدقنا. لأقوال آبائنا وأجدادنا تعصبنا، "بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون". [الزخرف:22].
أخي الحبيب… اقصد البحر وخل القنوات.
اللهم إني أحببت آل بيت نبيك محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أصدق الحب وأعمقه، فهبني يوم الفزع الأكبر لأيٍ منهم؛ فإنك تعلم أني ما أحببتهم إلا فيك يا أرحم الراحمين.
أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله.
اللهم إني أستغفرك من كل كلمة أردت بها الحق فأخطأت سبيلها، "لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين" [الأنبياء:87].
"سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين" [الصافات: 180-182].



[1] هذا الجزء من الحديث رواه ابن خزيمة وابن أبي شيبة وابن حبان، من حديث طارق المحاربي، ورواه أحمد من حديث ربيعة بن عبادة الديلي، وصححه الشيخ مقبل في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (1/381) ].
[2] [رواه مسلم (2408) من حديث زيد بن أرقم].
[3] [والحديث رواه مسلم من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه- مرفوعاً برقم (2989) : "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار؛ فتندلق أقتاب بطنه. فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟! ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى. قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" ].
[4] [والحديث رواه البخاري في "الأدب المفرد" (273) وابن سعد في الطبقات (1/192) والحاكم وأحمد وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن عبد البر].
[5] [الجملة الأولى صحيحة موقوفة من قول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، رواها أبو خيثمة في كتاب "العلم" (54). والجملة الثانية رواها أبو داود والترمذي، وهي صحيحة إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-. والجملة الثالثة صحيحة مرفوعة، رواها النسائي].
[6] [البخاري (1/416) ومسلم (12/151-152) عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-].
[7] [في "صحيح مسلم" (93) عن جابر -رضي الله عنه- مرفوعاً: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار" ].
[8] " [البخاري عن أبي جحيفة (5962)]
[9] [البخاري عن عبد الله بن مسعود (5950)].
[10] [والحديث في البخاري بعدة روايات (كتاب اللباس - المجلد (11) - ط دار الفكر].
[11] [والحديث رواه الإمام مسلم (969) عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" ].
[12] [والحديث في "صحيح البخاري" من حديث عبد الله بن عمر (5960) ط دار الفكر ].
[13] ["في "مسند أحمد" عن أنس -رضي الله عنه- مرفوعاً: "أنا عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله". "السلسلة الصحيحة" (1572)، وقال: إسناده على شرط مسلم].
[14] [رواه أصحاب السنن].
[15] [في "صحيح مسلم (1648) من حديث عبد الرحمن بن سمرة مرفوعاً: "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم"].
[16] [وقصة الصلح ذكرها البخاري (2704)، وابن الأثير في "الكامل" (3/404-407)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (8/18-20)، والحافظ في "الفتح" (13/62-67)، وذكرها من الإمامية المرتضى في "تنزيه الأنبياء" (172)، وصاحب "الفصول المهمة" (164)].
[17] [البخاري من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث -رضي الله عنه- برقم (2704)].
[18] [رواه البخاري من حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- (3749)، ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- (2421) ].
[19] [رواه البخاري برقم (3009) ومسلم (2406) عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-]،
[20] [والحديث رواه أحمد وغيره من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-، وضعفه الشيخ الألباني، راجع "فتح المجيد" (148-150) ط مكتبة نزار الباز. ولكن صح حديث عقبة بن عامر الذي رواه الإمام أحمد(4/156) وغيره، وصححه الألباني في "الصحيحة" (492)، ونصه: "من تعلق تميمة فقد أشرك"].
[21] [وفي "مسند أحمد" و "سنن أبي داود" و "ابن ماجه" و "مستدرك الحاكم" من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن الرقى، والتمائم، والتّوَلة شرك". "صحيح الجامع الصغير" (1632)].
[في "صحيح البخاري" من حديث جندب بن جنادة -رضي الله عنه- مرفوعاً (532) : "ألا فلا تتخذوا القبور مساجد". وروى الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"، والبزار في "مسنده" عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مرفوعاً: "لا تجعلوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً". أخرجه أيضاً أحمد (2/367)، وعبد الرزاق (6726)].[22]
[23] [وفي "صحيح مسلم" (970) عن جابر -رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه].
[24] [وقد صح نهي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن أن يزاد على القبر، فيما رواه أبو داود والنسائي والبيهقي من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-. وصحح إسناده النووي في "المجموع" (5/296)].
[25] [والحديث رواه البخاري ومسلم (103) من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ].
[26] [والقصة رواها مسلم في "صحيحة" (926) من حديث أنس -رضي الله عنه-].
[27] [النهي عن الرنة ثبت في "سنن الترمذي" من حديث عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- مرفوعاً (1011)، و"طبقات ابن سعد" (1/138-139). وفي "صحيح مسلم" أيضاً برقم (938) من حديث أم عطية -رضي الله عنها-: "كنا ننهى عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا". وفي رواية أخرى: "نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا". وأما النياحة فقد شدد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في أمرها، وجعلها من أمر الجاهلية. كما في "صحيح مسلم" (936) وفي "صحيح مسلم" (936) من حديث أم عطية -رضي الله عنها-: "أخذ علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في البيعة، ألا ننوح" ].
[28] [والحديث في "صحيح البخاري" (2766)، ومسلم (89) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ].
[29] [رواه أصحاب السنن بلفظ: "من أتى... " ].