الأدراسة في صقلية -3

بواسطة | د. حسين مؤنس
اطبع الموضوع
الأربعاء 04 ربيع الثاني 1426
تقدم في الحلقة الثانية الحديث على علاقة الإدريسي بالملك رجار ، و استغرب الكاتب هذه العلاقة ، و حاول أن يفسر وجودها ، و هو هنا يواصل الحديث على بقية موضوع " الأدراسة في صقلية " و يحاول أن يكشف مزيد من أسرار العلاقة بينهما ..
أدارسة صقلية :
ولا بد على أي حال أن رجار عرف من أمر الإدريسي شيئاً قبل أن يدعوه للعمل معه ، وهذه المعرفة لا يمكن أن تكون كتاباً في الجغرافية كتبه الشريف ووصل إلى يد رجار ، فوقف منه على مكانه من العلم ، فإننا لم نسمع بمثل هذا الكتاب ، وإنما الطريق الوحيد هو أن يكون رجار قد عرف الشريف الإدريسي معرفة شخصية قبل أن يدعوه إلىالعمل معه .
ويبدوا هذا الفرض مستبعد أول وهلة ، ولكننا إذا درسنا تاريخ الإسلام في صقلية خلال حقبته الإخيرة عثرنا على شعاع من الضوء ينير لنا جوانب هذه المشكلة بعض الشيء ، بل يضع يدنا على حقيقة هامة جديرة بعناية المهتمين بتاريخ الأدارسة ، وهي وجود بيت إدريسي علوي فيها كان له سلطان كبير ودور واسع في تاريخها حتى النصف الثاني للقرن الخامس الهجري إلى أواخر القرن السادس .
ذلك أننا نلاحظ في أخبار غزو النرمان لصقلية وجود بيت من سروات المسلمين وقادتهم يعرف ببيت حمود كان ينشر سلطانه على أجرجنت Girgente وقصر يانه Castrogiovanni وما حولهما من بلاد وسط الجزيرة – كما يقول ميكيلي أماري([1]) – خلال الفترة التي تقدمت فيها جيوش رجار الأول لا نتزاعها من أيدي المسلمين ابتداءً من سنة 453 (1061) وما بعدها .
وذكر أمارى أن أولئك الحموديين أدارسة علويون وأنهم من نفس بيت بني حمود المغاربة الندلسيين الذين ينتسب إليهم الشريف الإدريسي ، وأن ذكرهم متوارد في النصوص اللاتينية والإيطالية من ذلك الحين إلى أيام فردريك الثاني امبراطور الدولة التيوتونية المعروف ببار بأروسا – أي ذي اللحية الحمراء – ، فهم يسمون بآل شموت Chamut أو Hamutus ، وأضاف أمارى أن البيت الذي أسس هذه الأسرة لا بد أن يكون قد وفد على صقلية بعد زوال أمر البيت الحمودي في الأندلس والمغرب .
ومن أسف أن مراجعنا العربية لم تأتنا بنبأ عن أوليات هذا البيت الإدريسي في صقلية ، وعمادنا هنا على المراجع النصرانية التي أرخت لغزو النرمان لصقلية ، وهذه المراجع تؤيد ما ذكره ابن الأثير في كلامه عن سقوط قصريانه وأجرجنت من أنه (( لم يثبت بين أيديهم – أي أمام النرمان – غير قصريانه وأجرجنت ، فحصرهما الفرنج ، ولم يبق عندهم ما يأكلونه ، فأما أهل جرجنت فسلموها إلى الفرنج ، وبقيت قصريانه بعدها ثلاث سنين ، فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم ، فتسلمها الفرنج لعنهم الله سنة 484 ، وملك رجار جميع الجزيرة )) ، ثم تنفرد المراجع النصرانية بعد ذلك بالقول بأن صاحب البلدتين كان رجلاً يسمى القاسم بن حمود وأنه هو الذي قام بتسليم قصريانه إلى رجار الأول بعد أن استنفذ وسائل الدفاع ، ولم يبق من التسليم مفر .
وليس لدينا ما يمنع من قبول رأي أماري من وجود ذلك البيت الحمودي الإدريسي في صقلية ، فقد ذكر ابن حزم أن أمر بني حمود انتهى في الأندلس في رجب سنة 448 ، وبقى من بقى منهم شريداً طريداً في غمار العامة ، وفي ذلك الحين كان المرابطون قد ثبتوا أقدامهم في جنوب المغرب الأقصى ومضوا يتطلعون للامتداد شمالاً ، ففي سنة 450 (1058) تمت بيعة أبي بكر بن عمر اللمتوني على جنوبي المغرب الأقصى حتى وادي درعة ، وفي سنة 462 (1069-1070) كانوا قد تمكنوا من الأراضي الممتدة شمالاً حتى وصل إلى وادي ملوية ، وفي ربيع الأول سنة 465 (نوفمبر 1072) تنازل أبوبكر ابن عمر عن الامارة ليوسف بن تاشفين ، وانفرد هذا بالملك وبدأ التوسع السريع إلى الشمال ، فاستولى على فاس سنة 467 (1074) ، وفي السنة التالية استولى على تلمسان ، ودخل شمال المغرب الأقصى كله في حكم المرابطين .
وفي هذه الظروف لم يعد للباقين من بني إدريس أمل في السلطان ، فانزوى من استطاع الانزواء منهم في ناحيته ، وفر من فر ، فيما عدا ولد من أولاد إدريس بن علي بن حمود بذكر البكري أنه كان يعيش خاملاً بمدينة المرية بالأندلس عندما استدعاه جماعة بني ورتدي إلى مليلة ونواحيها ، فعبر البحر اليهم وظل سلطانه بينهم بضع سنوات .
وإذا نحن تأملنا ما يذكره البكري من تاريخ الأدارسة بمناسبة كلامه عن فاس وحجر النسر كانت أشبه بإقطاعيات لنفر من بني إدريس معظمهم من فرع القاسم بن إدريس عن طريق ابنه محمد ، فقرية أفتس على نهر أولكس إلى غربي حجر النسر تسمى مدينة جنون بن إبراهيم بن محمد ابن القاسم ، وكانت في منطقة تابعة لقبيلة كتامة ، وكذلك زهكوجة على مقربة من سوق كتامة تسمى بمدينة ميمون ، ومن هذا الموضع إلى سبتة كانت قسمة بين بني إبراهيم بن محمد ، فأما أحمد بن إبراهيم بن محمد فكان له ما امتد من أجاجي إلى سبتة في حين ملك الأب وبقية الأبناء دار طنجة إلى حد سبتة ، وما دام الادريسي من سبتة فيحتمل جداً أن يكون من أبناء هؤلاء ، وهذه الحوادث التي نذكرها كانت في حدود سنة 460 (1067-1068) . أما سبتة فقد كان يتولى الأمر فيها رجل يسمى سواجات البرغواطي ، وأصله من قبيلة غمارة ، ثم دخل بعد ذلك في قبيلة برغواطة وانتسب إليها ، وغمارة كانت العماد الذي قامت عليه دولة الأدارسة ، حتى ليجعلها ابن خلدون شيئاً واحداً : والخبر عن دولة الأدارسة وهي غمارة وتصاريف أحوالهم … )) ، وكان سواجات أول الأمر مولى من موالي الحموديين ، فجعلوه على سبتة ، فانقلب عليهم وطلب السلطان لنفسه ، وقتل بعضهم وحبس بعضهم الآخر بعد أن زال أمر بني حمود ، ولهذا يغلب على ظننا أن أسرة الشريف الإدريسي لم يطل بها المقام في ذلك البلد ، والغالب أنهم طلبوا الأمان عند بعض ذوي قرباهم الذين ذكرناهم فيما قرب من سبتة من البلاد ، وربما كان هذا أيضاً هو السبب في خروج الشريف الإدريسي إلى المشرق في تلط السنة الباكرة ، وقد رجحنا أن يكون قد خرج إليه مع أبيه طلباً للنجاة من أحوال غير مواتية من ناحية والتماساً للحج وطلب العلم من ناحية أخرى .
والرأي السائد أن نسبه يرتفع إلى حمود ، أي إلى فرع عمر بن إدريس بن إدريس ، وربما كان هذا هو الأقرب إلى الصحة ، فإن القول به متواتر على الألسن دون أن يكون عليه دليل واحد يمكن التعويل عليه ، وقد بحثت دون جدوى في كتاب شذور الذهب في خبر النسب لابن رحمون التهامي بن أحمد بن محمد عن خيط أستطيع الإهتداء به ، وإنه من الغريب أن نسابة كهذا يتصدى لتتبع سلائل البيت الإدريسي وهو منهم – فهو من الشرفاء العلميين – ثم يغيب عنه ذكر أشهر من عرف بهذا النسب ، كأن اسمه لم يخطر له على بال ، ولو أنه كتب في عصر تقدم لعذرناه ، ولكنه كتب كتابه سنة 1105 (1693-1694) ، وكر الشريف الإدريسي ذائع في عشرات الكتب بين يديه .
وإلى هذا الفرع أيضاً ينتسب الحموديون الصقليون ، وقد رأينا أن أول ذكر لهم في حوليات صقلية الاسلامية كان سنة 479/1087 ، فلا بد أنهم دخلوا صقلية قبل ذلك بسنوات لا نستطيع تحديدها ، ولكنها ليست بكثيرة على أي حال ، فإن أمر بني حمود قد انتهى كما ذكر ابن حزم في رجب سنة 448 ( نوفمبر 1056 ) ، وتفرق الباقون منهم بعد ذلك التاريخ ، وخلال السنوات القليلة التي كان المرابطون يتقدمون فيها إلى الشمال مؤذنين بالقضاء الأخير على كل أمل للحموديين وغيرهم في طلب السلطان .
وقد اجتذب هذا الفرع إلى صقلية ما شاع في ذلك الحين من تفرق أمر المسلمين هناك وسنوح الفرصة لطلب السلطان ، وكانت في الحموديين جرأة على المخاطر يعرفها من يلم بتاريخهم أثناء الفتنة الكبرى في الأندلس ، وقد ذكر ابن الأثير أن أجرجنت وقصريانه كانتا منذ سنة 427 (1035-1036) في طاعة القائد على بن نعمة المعروف بابن الحواس ، وأن ابن الحواس هذا قتل سنة 453 (1061-1062) أو بعدها ، فصارتا إلى أيوب بن تميم بن المعز الزيزي ، ولم يستطع أيوب وأخوه البقاء في الجزيرة ، فعادا إلى إفريقية سنة 461 (1068) ، وبقيت الناحية دون رئيس ، حتى نسمع بذكر القاسم بن حمود عند استيلاء رجار الأول على قصريانه وأجرجنت بعد ذلك بثمانية عشرة سنة ، فلا بد أنه انتهز فرصة خلو الموضع من رئيس مسلم ، فاستمان بجاه نسبه وخدمته ملكاته فوصل إلى الرياسة ، وهذا يستلزم أن يكون موجوداً هناك قبل ذلك ، إذ ليس معقولاً أن يدخل الجزيرة ويستولي على السلطان في ناحية منها مباشرة ، والمعقول أن يقال إنه دخلها سنة 450 (1058) أو نحوها .


[1] Michele Amari, Storia di Musulmani di Sicilia (Firenze,1868) III ,172.