مناهج الشرف 4 -القوة العاقلة

بواسطة | محمد الخضر حسين
اطبع الموضوع
السبت 27 جمادى الأولى 1426
القوة العاقلة
هي استطاعة النفي الانتفاع بالمعلومات عند الحاجة إلأيها . وبما لا يحتمل الشبهة ، أن حصص النفوس من هذه القوة متفاوتة ، فمن الناس ذكي يقرأ صفحات الوجوه ولحظات العيون ما يكنه الرجل في خبايا سريرته ، ومنهم غبي لا يصل إلى المعاني القريبة إلأا بالعبارة الواضحة وإعادتها عليه مرة بعد أخرى .
لماذا ترى الرجلين استويا في مقدار ما احتسياه من لبان المعارف ، وأحدهما يتناول قلمه فيملي عليه فكره من الإفهام ما لم يروه عن معلمه ، ويمسك الآخر القلم فلا يرشح له بكلمة زائدة عما تلقاه من فم استاذه ؟ .
ذلك لأن في مدرك الرجل الأول فضل قوة يحسن بها التصرف في معلوماته ، وينتزع بها المعاني الغامضة من منازع بعيدة ، ثم يؤلفها في صور قضايا مبتكرة ، بخلاف عقل الثاني ، فإنه لضعف شعوره بالمناسبات بين المعاني المتفرقة ، وقصوره عن تصور ما ينتج عنها إذا ركبت في نظام واحد ، لم يزد على الاحتفاظ بما اقتنصه سمعه من إفهام معلمه .
تتفاوت العقول بحسب فطرتها ، وقد تتقارب باعتبار الفطرة ، ويدركها التفاضل بما يتقدم إلى بعضها من التعاليم الراقية بحسن أساليبها وصدق قضاياها ، فإن مباركة الفطرة بالمطالب الصحيحة الواردة في الأساليب الحسنة ، يربيها من مبدأ نشأتها على معرفة الطيبات من العلم ، ويشب بها على طريقة الإفهام القيمة ، وإذ انطبعت الفطرة بالتعاليم الثابتة ، وأنست بها منذ أخذت في طور التعلم ، كانت أقدر على تمييز دور المباحث من حصبائها ، وأدرى بالصواب والخطأ ممن ترشحت فطرته بالقضايا المنحرفة والقصص الواهية ، فإن الفطرة إذا تزيت بزي التلقينات الزائغة ، وتلطخت بحمأتها الخبيثة ، صارت مستعدة لقبول الأقوال الساقطة وإدراجها في زمرة معلوماتها . وعلى فرض أن تمد تلك القوة عنقها لاستنتاج مالم تتعلم ، فلا تتحاشى أن تيتجلب القضايا المستضعفة التي هي من نوع ما سبق لها في التلقين .
قد يتسع عقل الإنسان لإدراك مطالب يضيق عنها نظر آخر هو أقدر منه على تصور مطالب أخرى . وربما كان هذا التفاضل الذي تقاسماه بينهما ناشئاً بحسب ما يتسابق إلى كل منهما ، ويتجمع عنده من العلم بالمقدمات والقضايا القريبة من المطالب التي فاق قرينه في تحصيلها . ومما يضع أمامك أن الفكر قد يبلغ أشده في بعض المباحث ، ويدركه الفشل في بعضها ، أن قدماء الفلاسفة أقبلوا على بعض علوم كالحساب والهندسة والمنطق ، وأعلموا فيها الروية ، فأصابوا مفاصلها بصوارم الأدلة ، واستولوا على خبرة بها لا تنازعهم فيها ريبة . وهذه الأنظار اتي عهدت لهم هناك بجودة التصرف وإصابة الغرض ، هي التي أداروا عنانها نحو الإلهيات ، فطرحتهم في فضيحة ، وألقيت على أفواههم كلمات يعدها المؤيد بحجج الشرائع من قبيل ما يهذي به المبرسمون(1) . وفد العلاء الحضرمي(2) على منذر بن ساوي(3) ، فقال له : يا منذر ، إنك عظيم العقل في الدنيا فلا تصغرن عن الآخرة :
     فطَِنٌ بكلِّ رزيةٍ في ماله         وإذا يصاب بدينه لن يَشْعُرِ
نوه الإٍلام بشأن العقل وشمله بعناية كبرى ، ونكتفي في تقرير هذه العناية بثلاثة شواهد :
(أحدها ) : أنه منع من تناول ما يؤثر فيه خللاً ، كالمسكرات ، وأغلظ القول في تحريمه .
( ثانيها ) : ما وضعه على من ضرب شخصاً فأزال عقله من دية مبلغها ألف دينار .
( ثالثها ) : توسيع طرق النظر أمامه ، واستدعاؤه إلى التدبر في أسرار الموجودات .
رفع الإسلام مكانة العقل ، وأقثبته في سجل الشرق على شرط أن يواجهه صاحبه في البحث عن مكانة العقل ، وأثبته في سجل الشرف على شرط أن يواجهه صاحبه في البحث عن مكان الحقيقة ، وينافس به لإحراز العلوم النافعة .
ومما ينبهك على هذا الشرط الوثيق ، قوله تعالى في ذم قوم حبسوا عقولهم في ظلمة الباطل ، ولم يطلقوها من أسر المتابعة والجمود : { إنْ هُمْ إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً }(4) . فتمثيل حالهم بالأنعام ، إنما ساقه إلأيهم إغفال عقولهم وبقاؤها تائهة في أودية الجهالة إلى أن حرموها حلاوة اليقين وراحة الاعتقادات الراسية , وقد مثّل تعالى حال من نفروا عن العظة ، ونأوا بجانبهم عن الإصاخة إليها ، بحال الحُمُر المتوحشة إذا عاينَت أسداً امتلأت منه فزعاً ، وطاشت عن ساحته فالتة ، فقال : { كأنهم حُمُرٌ مُسْتَتَنْقِرة فرتَّت من قَسْوَرة }(5) . وفي إلحاقهم بالحمر ، ووضعهم معها في قران التشبه ، إيذان بأن منزلتهم في الحطّة ما برحت بإزاء منازلها ، وأن قُوى مداركهم لم تصعد بهم إلى مطالع الشرف قيد أنملة ، حيث أصبحت عارية عن إدراك ما فيه سعادة دائمة . وقال تعللى في جملة ما قصه علينا من أقوال الضالين عن سنّة هدايته : { وقالوا لَو كُنّا نسمع أو نعقل }(6) الآية . فهؤلاء لم يريدوا سلب حقيقة العقل من أنفسهم بحسب الواقع ، إنما اعتبروه فمثابة المعدوم ، وأطلقوا ف نفيه حيث لم يجتنوا ثمرة الإيموان الواجب ، ولم يستضيئوا به في البحث عن التعاليم المفيدة .
ولا تلابسك الحيرة في قضية أن العقل مطلع كل شرف ، إذا بلغت إلى قول الفقهاء : إن شدة الذكاء تفوت بصاحبها عن أهلية الولاية للقضاء . فاشترطوا للحاكم أن لا يكون زائداً في الدهاء ، فإن المراد من الذكاء سرعة انقداح النتائج وسهولته علىالنفس ، وهذه هي الفضيلة . ويعني بالإفراط فيها ، اختطاف صورة الأمر أو القضية من غير إحكام فهم ولا تثبت في المأخذ . ووجه العيب في هذا ، ما قد يعرض له من الاختلال في التصور ، حيث لم يضع فكره على غضون الصورة أو القضية ، ولم يحط بها من سائر أطرافها . قال ابن خلدون(7) : إن فرط الذكاء والكيس عيب في صاحب السياسة ، لأنه إفراط في الفكر ، كما أن البلادة إفراط في الجمود ، والطرفان مذمومان من كل صفة إنسانية ، والمحمود هو التوسط . وساق على هذا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الله عنه لما عزل زياد بن أبي سفيان(8) عن العراق ، قال : لم عزلتني يا أمير المؤمنين ألعجز أم لخيانة ؟ . فقال : لم أعزلك لواحدة منهما ، ولكنّي كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس .
ويلوح في التفقه من هذه القصة ، أن فضل عقل زياد ، لم يكن من قبيل اختطاف الصورة من غير إحكام فهم حتى يكون خدشة في نفس تصوره ، بل كان زيادة بصفة من يحيط بالقضايا ، وما ينشر لديه من النوازل ، ويوفيها حقها من النظر وتطبيق الدليل ، وإنما يدركه الذهول عن سبر عقول الجمهور وتحرير قدر ما تحتمله من الأوامر في السياسة ، فقد يقتضي الحال تأخير مالا تصل إليه أفهامهم ، وو كانت المصلحة المرتبطة به أعظم ، كي لا يعتقدوا به العنت والاعتساف ، ويهوشوا عليه بالنكير ، فيفضي الأمر إلى نزاع وسخط لا تحمله عاقبته ففضل عقل زياد بمعنى اتساع أنظاره ، والرمي بها إلى غايات من المصالح التي تكل دونها أبصار الجمهور ، لا يسحب إليه خللاً في نفس ذكائه ضرورة أن الجمهور لو اقتربوا من أنظاره وتلقوها على كاهل القبول لما وجه إليه عمر بالمؤاخذة ، ولو كان فضل عقله من قبيل الوجه الأول ، وهو الاستعجال في فهم الأمر من غير ترو منه ، لم يعبر عنه عمر بفضل العقل ، ولحقّ عليه الانفصال عن الولاية ولو رضيه الناس .
ويزيدك خبرة بأن ما توفر لزياد وأمثاله من فضل العقل ، ليس من العيب الذي تلمز به قوتهم الناطقة ، أنهم لو أضافوا إلى حدة بصائرهم ممارسة طبائع الرعية وتحري ما يلاقي مداركهم ولا يضطرب له نظام راحتهم ، كانوا على شرط الكفاءة لأي ولاية تلقى إلى عهدتهم . وبهذا التحرير ، كانوا على شرط الكفاءة لأي ولاية تلقى إلأى عهدتهم . وبهذا التحرير يظهر أن فرط الذكاء حيق يراد منه الرمي بالفهم إلى أغراض في الساسة غامضة ، لا يكون مانعاً من ولاية الأحكام بذاته أو على إطلاقه .
يذكر بعض الناس أن واسع العقل يكون أنكد عيشاً في هذه الحياة ممن قصرت أنظارهم وجمدت مداركهم ، ومنهم من يقول إنما الراحة فيها على مقدار اتساع العقل وبعد مراميه . وقد فك ابن حزم التعارض بين المقالين ، بأن استراحة العقلاء من جهة تلقي المكاره بعزيمة ثابتة وعدم التأثر لصدمات المصائب ، بخلاف صاحب النظر الفاتر ، فإن خاطره ينزعج لأقل بلاء ينزل بساحته . وأما نكد عيش العاقل فمن أجل ما يشاهده من إطفاء نور الحق ، والنفخ في مزمار الباطل ، أو الاستماع إلى ألحانه بطرب وارتياح ، وهذا بخلاف من انطفأت بصيرته ، فإنه لا يهمه لعد انتظام شؤوون بيته أن تنهض الحقوق قائمة أو تُحز أعناقا على نصب الشهودات .
يتبع..


1. المبرسمون : المفرد مُبَرْسَم : الذي أصيبب بالبرسام وهو التهاب في الغشاء المخاطي المحيط بالرئة .
2. العلاء بن عبد الله الحضرمي ( 00 – 21 هـ : 00 – 642 م ) . من رجال الفتوح في صدر الإسلام ، أصله من حضرموت ولد في مكة وولاه النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم البحرين ، ويقال : إن العلاء أول مسلم ركب البحر للغزو .
3. المنذر بن ساوي بن الأخنس العبدي ( 00 – 11 هـ : 633 م ) من عبد قيس أو بني عبد الله بن درام ، من تميم ، أمير في الجاهلية والإسلام ، كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم رسالة ، قبل فتح مكة ، مع العلء بن الحضرمي يدعوه إلى الإسلام فأسلم .
4. سورة الفرقان – الآية 44 .
5. سورة المدثر – الآية 51 .
6. سورة الملك – الآية 10 .
7. عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون ، الفيلسوف المؤرخ والعالم الاجتماعي البحاثة ( 722 – 808 هـ : 1332 – 1406 م ) ولد في توني ، وتوفي في القاهرة .
8. زياد بن أ[يه من الدعاة واقادة الفاتحين ( 1 – 53 هـ : 622 – 673 م ) من أهل الطائف.