الأدارسة في صقلية -4

بواسطة | د. حسين مؤنس
اطبع الموضوع
السبت 27 جمادى الأولى 1426
القاسم بن علي بن حمود الصقلي :
وهذا الحمودي الإدريسي الذي هاجر إلى صقلية ووصل إلى السيادة في ناحية أجرجنت وقصريانه هو القاسم بن حمود ، والمفهوم أن المراد بذلك أنه القاسم من أبناء حمود ، أو القاسم الحمودي ، ولا نستطيع تتبع نسبه إلى أي من فروع الحموديين الكثيرة ، لأن القواسم فيهم كثيرون جداً ، ويزيد الأمر تعقيداً أنه كان يلقب بابن الحجر ، وهو لقب لا يمكن أن نفسيره إلا بأنه كان من أدارسة حجر النسر ، والحموديون لم يكونوا من أهل حجر النسر ، وقد حاول أماري تفسيره فقال إن الحجر هنا كناية عن الكرم وأن المراد هنا أنه كان يلقب بابن الكريم ، وهو تفسير ظاهر الإفتعال .
وتذهب المراجع اللاتينية والنرمانية القديمة التي رجع إليها أماري في تتبع أخبار استيلاء النرمان على صقلية إلى أن القاسم بن حمود هذا بعد أن أسلم قصريانه إلى رجار الأول إعتنق النصرانية مع أهله أجمعين ، وخاف على نفسه بعد ذلك من مسلمي البلد ، فطلب إلى جار أن ينقله إلى بلد من بلاده في شبه الجزيرة الإيطالية ، فنقله إلى ميلاطو حيث عاش إلى أن مات ، وهذا قول ظاهر الإختلاق ، فإن بني القاسم بن حمود ظلوا بعد ذلك اصحاب أجرجنت وقثريانه تحت سلطان النرمان ، وكان لهم دور كبير في شئون الجزيرة بعد ذلك كما سنرى ، ثم إن ابن جبير الرحالة لقي رئيساً من رؤساء هذا البيت بعد ذلك بقرن من الزمان في ذي القعدة سنة 580 ( مارس 1185) ووصفه بالجلالة واتساع الجاه ثم قال : (( ومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور في نفوس النصارى – أبادهم الله – أنهم يزعمون أنه لو تنصر لما بقي في الجزيرة مسلم إلا وفعل فعله ، اتباعاً له واقتداء به ، تكفل الله بعصمته جميعهم ، ونجاهم مما هم فيه بفضله وكرمه )) فكيف يقال بعد هذا أن جده قد تنصر هو وأهله جميعاً من مآئة سنة ؟
ويسمى القاسم هذا في بعض النصوص بأبي القاسم ، وربما كان المراد أنه كان من سلائل أحد القواسم الحموديين ، وسنرى من إشارة لابن ظفر أن أباه كان يسمى علياً .
وقد أطمأن القاسم أو أبو القاسم بن علي بن حمود في ظل رجار الأول وظل له سلطانه على قصريانه وأجرجنت ، شأنه في ذلك شأن الكثير من رؤساء مسلمي صقلية الذين أباقهم النرمان على حالهم ما دانوا بالطاعة لهم ، ولم يكن ذلك تسامحاً صرفاً من النرمان ، وإنما كانت سياسة أملتها عليهم ظروفهم ، فإن النرمان كانوا قلة في وسط الجموع النصراني ةالتي غزوا بها الجزيرة ، فقد كانوا هم النواة والرؤساء ، أما معظم جندهم ورجالهم فقد كانوا أخلاطاً من الإيطاليين وأهل الجزر والمغامرين ، وكان استيلاؤهم على الجزيرة إغتصاباً لا من المسلمين وحدهم بل من البيزنطيين الذين كانوا يرون أن الجزيرة من أملاكهم ، ولم يكن لهم سند إلا إذن البابوية لهم في انتزاع الجزيرة من ايدي المسلمين ، وكانوا قد خرجوا لغزو الجزيرة من جنوبي إيطاليا ، وكان سلطانهم هناك غير معترف به من أباطرة النيوتون الذين كانوا يدعون هم الآخرون أنهم أصحاب إيطاليا ، أي أن مركزهم في إيطاليا وصقلية لم يكن معترفاً به من أحد ، ثم إن السند الذي كانوا يعتمدون عليه ، وهو إذن البابوية لهم في انتزاع الجزيرة من أيدي المسلمين لم يلبث أن تداعى ، فقد اختلفوا مع البابوية وحاربوها ، فأسقطت عنهم حمايتها ، ولم يعد لهم من سند بعد ذلك إلا ما يكسبونه من حسن ظن أهل الجزيرة ومعظمهم من المسلمين ، ورجل مثل أبي القاسم بن حمود لم يكن مجرد رعية لرجار الأول ، وإنما عماداً من العمد التي قام عليها حكمه ، خاصة وقد كان رجلاً شهماً دافع عن ناحيته فأحسن الدفاع ، ولم بسلمها للأعداء إلا بعد أن طاول إلى الحد الأقصى ، وهذه الشهامة جديرة في بأن تلقى في نفس أعدائه احترامه ، وقد كانت في هذا الفرع من النرمان شهامة وفروسية .
وليس معنى ذلك أننا نجرد رجار ورجاله من فضيلة التسامح ، فقد كان بالفعل متسامحاً لا مع المسلمين وحدهم بل مع معظم رعاياه ، فإن المسيحيين منهم كانوا طوائف شتى ، فيهم من يدين بالولاء للكنيسة الرومانية ، وفيهم من يتبع بطريق القسطنطينية ، ولكن رجار لم يصرف إلى ذلك بالاً ، واهتم بصالح دولته وعرشه فحسب ، والحق أن النرمان كانوا بدعاً في إتساع الذهن وبعد الذكاء بين معاصريهم أجمعين ، فقد غزت طائفة منهم انجلترا قبل ذلك باحدى وعشرين سنة ، قادهم إليها أميرهم وليم الفاتح ، فكان مسلكهم في الجزر البريطانية هو نفس مسلك روبرت جسكارد منشئ الدولة النرمانية في جنوب إيطاليا ووسطها ، وابن عمه رجار الأول الذي قام بغزو صقلية ، وهو مسلك يتلخص في الاجتهاد في استئلاف الرعية والتقرب منها والانتفاع بخير عناصرها واقتباس ما يجدونه من النظم والعادات ومظاهر الحضارة وترك الناس أحراراً فيما يتبعون من عقيدة ثم ميل إلى القانون واهتمام بالتزامه وإلزام الناس به ، يحوطون ذلك كله بذكاء يميل إلى الخبث حتى يصبح لؤماً إذا دعت الحاجة وشجاعة تصل إلى التهور في أحيان كثيرة ، وقد امتازوا كذلك بتطلع إلى كل ما هو طريف وجديد جعلهم في كل مكان نزلوه رعاة لأهل العلم والفن ، حتى لقد نشأ في البلاد التي سادوها من شمال غربي فرنسا وانجلترا طرز العمارة بسمى الطراز النرماني ، وليس لهم فيه إلا تشجيع من ابتكروه ، هذا إلى من احتضنوهم من أهل العلم من كل ملة ونحلة ، وما ألف هؤلاء من الكتب باسمهم ، ومن بن هؤلاء يبدو شريفنا الإدريسي أعظم من شرف بلاطهم بالعمل فيه .
والحياة مع ملوك كهؤلاء لم تكن عسيرة على أبي القاسم وآله وبقية المسلمين في الجزيرة ، فإن النرمان لم يكن يطلب إلا الولاء والمعاونة والنصح ، وكان مسلموا صقلية مستعدين لتقديم هذه في مقابل حريتهم الدينية ، ولهذا فلا غرابة في أن نجد أبا القاسم بن علي الحمودي وطائفة أخرى من المسلمين في مكان الصدارة والتكرمة ، ولم تقتصر صدارتهم على نواحيهم ، بل كان لهم شأن كبير في البلاط وشئون الدولة ، فأسندت إليهم القيادات والوظائف الكبرى ، جتباً إلى جنب مع من كان هناك من البيزنطيين والإيطاليين والنرمان .
ولكن المتاعب تأتي عادة من المنافسين والأنداد ، وفي تلك العصور كان الوصول إلى مركز ممتاز أو التمتع بنعمة وجاه معناه الوصول إلى المتاعب والشقاء بالحسد والسعايات وما يتأتي منها ، وليس لدينا من اخبار أبي القاسم بن علي بن حمود ما يسمح لنا بتفصيل شيء عن حياته مع النرمان أكثر مما قلناه ، ولكن لدينا شيئاً عن ابنه أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود ، ويبدو أن محمداً هذا ورث مكان أبيه لا في أجرجنت وقصريانه وحدهما ، بل في البلاط والدولة .
يتبع..