الأدارسة في صقلية -5

بواسطة | د. حسين مؤنس
اطبع الموضوع
الأحد 19 جمادى الثانية 1426
محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود :
ونحب أن ننبه الأذهان إلى أننا لا نتحدث هنا عن أسرة مالكة أو عن دولة يتوارث الملك فيها الأبناء عن الآباء ، بل عن بيت عربي إسلامي أرادت له المقادير أن يعيش في كنف ملك نصراني ومكنت له من الإحتفاظ بما كان لأفراده من الأملاك والمكانة قبل الدخول في طاعة هذا الملك ، وهذه في ذاتها ظاهرة فريدة في بابها جديرة بالدراسة ، فلم يكن الحموديون وحدهم في هذه الظروف ، وإنما كانت هناك أسرات عربية إسلامية أخرى في صقلية مثل بتي التمنة ، وكانت هناك أسر مماثلة فيما وقع تحت سلطان النرمان من بلاد افريقية مثل المهدية وبونة وقابس وطرابلس .
وهذا الشيء الذي نعرفه عن أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن علي أتانا عفواً ، فقد كان هذا الرجل صاحباً لفقيه صقلية الأكبر محمد بن أبي محمد بن ظفر (497-567/1104-1171) ، وكان الفقيه يجله ويقدره ، وله ألف طائفة من كتبه أهمها (( سلوان المطاع في عدوان الأتباع )) وهو كتاب حافل بالدلالات ، ينطق بها عنوانه وموضوعه وسياق كلامه وفاتحته ، فالعنوان يدل على أنه ألف لرجل عدا عليه أتباعه أو انقلبوا عليه وأنزلوا به ضرراً ، فاحتاج إلى من يسليه عما نزل به ، ومادة الكتاب تدور حول هذا المحور بالفعل وتفصل الأمر بعض التفصيل ، أما فاتحته فتعرفنا به ، لأن ابن ظفر يقول عنه إنه (( سائد السادة ، وقائد القادة ، أبي عبدالله محمد بن أبي القاسم بن العلوي القرشي )) ، وكل لفظ هنا له معناه ، فالسيد هنا ليس صفة ولكنه لقب معناه أن محمد بن أبي القاسم هذا كان من الأشراف الإقطاعيين Signore Feodati حسب النظام الإقطاعي العام الذي كان سائداً في أوربا كلها إذ ذاك ، وإن إقطاعه كان خبزاً له ، والخبز في مصطلحنا الإقطاعي هو ما يقابل لفظ Fief في المصطلح الإقطاعي الغربي ، وهو إقطاع الأرض في مقابل وظيفة أو خدمة يؤديها المقطع للملك ، والوظيفة في حالتنا هذه قيادة عسكرية وحكومة على موضعه ، ولهذا يلقبه ابن ظفر بقائد القواد أو قائد القادة .
ويبدو أن هذه المعاملة الحسنة التي لقيها بنو القاسم بن حمود من جانب النرمان ترجع إلى ما أبدوه من الشهامة والاستبسال ، ثم ما أظهروه بعد ذلك من العقل والحكمة ، فاستسلموا على شروط الأمان والإطمئنان إلى الإسلام وضمان حقوق من معهم من المسلمين ، فكانوا بهذا أحكم من قائد عربي مسلم آخر يسميه جود فروا مالاترا – مؤرخ الغزو النرماني ((بينافيرت Benavert )) ، وهو اسم طالما حير الباحثين أصله العربي ، وغالبيتهم أنه ابن عباد ، وهو رأي مستبعد لاختلاف ما بين الصيغتين الإفرنجية والعربية ، وهو عندنا أقرب إلى أن يكون ((ابن ورد )) ، وأياً كان اسمه فقد كان هذا الرجل رئيساً على قطانية قبل دخول النرمان ، فلما أقبلوا تصدى لهم وحاربهم حرباً عنيفة هلك فيها من رجالهم مئات ، وقتل نفر من قوادهم منهم هو جو دي جيرسي Ugo di Jersey الذي كان رجار الأول قد أقامه نائباً عنه في الجزيرة عندما عاد إلى قلورية Galabria سنة 467-468 (1075) ، وما زال ابن ورد يصاول النرمان حتى عجز أمامه القائد النرماني جوردان واضطر إلى الإستعانة عليه برجار ، فأقبل بكل قواه ، وتعاون الاثنان على القائد العربي واستوليا على قطانية ، وانتقل ابن ورد إلى نوط Noto واسنمر في المقاومة حتى قتل في المعارك الأخيرة التي انتهت بسقوط آخر معاقل الجزيرة سنة 484(1091) بعد أن أصاب أهلها من المسلمين بلاءً شديد .
ولم يكن القاسم بن علي بن حمود يستطيع أن يفعل فعل ابن ورد ، لأن هذا الأخير كان من أهل صقلية الذين تطاولت العهود بهم فيها ، فهو يعرف نواحيها جميعاً وتربطه بالرؤساء في كل ناحية صلات قديمة مكنت له من الاستعانة بهم والانتقال إلى حصونهم ونواحيهم ليستمر في الدفاع ، فبعد أن سقطت قطانية انتقل إلى نوط ثم إلى بثيرة Butera ، أما أبو القاسم بن حمود فقد كان حديث عهد بالجزيرة لا يعرف من شئونها إلا ما عرف خلال السنوات القليلة التي قضاها فيها ، ولم يكن في استطاعته بعد سقوط جرجنت وقصريانه أن ينتقل إلى ناحية أخرى ، فليس له رجال وانصار ومحاربون ينتقلون معه من ناحية إلى ناحية كما كانت الحالة مع ابن ورد ، ثم إنه كان سليل بيت عرف السياسة والحكم ، وقد أدرك لهذا أن الاستمرار في المقاومة بعد أن هلك الناس وانقطع الأمل في الفرج لن يؤدي إلا إلى ضياع ما بقي من أموال الناس وذراريهم دون جدوى ، فآثر أن يسلم على صلح وعهد ، وحفظ بهذا نفسه ومن كان معه .
ولا يغيبن عن بالنا أن المسلمين إذ ذاك كانوا لا يتصورون سواء في المغرب أو الأندلس أو المشرق أو صقلية أن أمر الإسلام في ناحية من نواحيه يمكن أن يزول إلى غير رجعة أو أن النصرانية إذاغلبت على ناحية من نواحيه ستستمر في حكمها إلى الأبد ، وإنما هي نكسات من الدهر الخئون وتمحيص من الله للمسلمين ، ثم تشرق الشمس مرة أخرى وتعود البلاد للإسلام ، وهذا شعور ظل يملأ نفوس المسلمين في كل مناسبة أصاب بلادهم فيها مكروه ، ويعبر عنه مؤرخونا بقولهم بعد ذكر سقوط أي بلد من بلاد الإسلام (( أعاده الله للإسلام )) ، وأبلغ من عبر عنه ابن عاصم في كتابه المثير للأشجان (( حنة الرضا فيما قدر الله وقضى )) ، وهو عنوان حزين أشبه بأن يكون نهاية للأمل ، وهو أبلغ في هذا المعنى من قصيدة أبي البقاء الرندي ذات الصيت البعيد .
ونفهم من كلام ابن ظفر في فاتحة (( سلوان المطاع )) أن محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود كان يمر إذ ذاك بمنحة ليس سببها أن السلطان غضب عليه أو أن أحوال من معه من المسلمين ساءت ، وإنما سببها أن بعض رجاله واتباعه انقلبوا عليه وأحرجوا أمره وعرضوه لغضب رجار ، وهو هنا رجار الثاني ، فإن الأول كان قد مات قبل ذلك سنة 495(1101) ، وكان جار الثاني هذا أكيس من أبيه وأقدر وأوسع عقلاً وقلباً ، وهو صاحب الشرييف الإدريسي وممدوح نفر من شعراء صقلية والمغرب ، ولهذا لم يكن محمد بن أبي القاسم يخشاه بقدر ما كان يخشى أولئك الأتباع الذين انقلبوا عليه وسعوا إليه بالمضرة ، ولهذا يقول ابن ظفر في التقديم (( … والحمد لله جاعل الصبر مفتاح للنجاح ضميناً ، والمحبوب في المكروه كميناً ، الذي ضرب دون أسرار الأقدار حجاباً مستوراً ، وقضى أن الخير على الفطن لا يزال حجراً محجوراً ، وأوطأ المسلمين لمشاياه ممهودا وثيراً ، وأمطأ المتبرمين بقضاياه كنودا وعثورا ، وقال سبحانه (( وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً )) . وهذه كلها عبارات مواساة وتصبير ، وتقسيم الكتاب بعد ذلك أدل على هذا المعنى ، فهو ليس مقسماً إلى فصول بل إلى سلوانات : (( السلوانة الأولى : في التفويض ، والسلوانة الثانية : في التأسي ، والسلوانة الثالثة : في الصبر ، والسلوانة الرابعة : في الرضا ، والسلوانة الخامسة : في الزهد )) ، ثم يفصح ابن ظفر بعض الشيء عما دعاه إلى تأليف الكتاب فيقول : (( وبعد ، فإن ملكاً ميمون السيرة ، مظنون صلاح السريرة ، حميد الفكرة ، شديد العبرة ، شغف العلم حباً ، توثب خارجي على رعيته فاقتطع منهم حزباً ، وطمع في أن ينتزع ملكه غصباً ، وأنس من وجود أتباعه شغباً ، فسألني في تلك الحال أن أؤنسه بكتاب يشتمل على حكم وآداب … )) .
ويبدو من خلال الضباب الذي يخيم على تاريخ المسلمين في صقلية خلال هذه الحقبة الأخيرة أن أمور محمد بن أبي القاسم استقرت من جديد وصفاً له الجو واطمأن خاطره ، فنجده إلى جانب رجار الثاني في مكان عزيز يتولى ناحيته ويشمل فيها من المسلمين بحمايته ، ويسشترك في تدبير الأمور مع كبار رجال الدولة ، وننسع حاله ، ونكثر أمواله ، حتى يفد عليه الشعراء من بلاد صقلية وبعض نواحي المغرب ينتجعون فضله ويتوسمون نداه ، فيشير عليهم بأن يختصوا رجار ببعض أمداحهك ، وقد حفظ المؤرخون لنا أسماء بعضهم وبعض أشعارهم ، ومثال ذلك عبد الرحمن بن رمضان الشاعر المعروف بالقاضي وعبد الرحمن ابن محمد بن عمر البشيري الصقلي وأبو حفص عمر بن حسن النحوي الصقلي وغيرهم ممن أورد عماد الدين أبو عبد الله محمد بن حامد الأصبهاني أطرافاً من أشعارهم في (( الخريدة )) ، بل بلغ من كثرتهم أن العماد سئم ذكر بقيتهم وقال : (( فما أوثر مديح الكفر )) .
ويكاد أن يكون من المرجح عندنا أن محمد بن أبي القاسم الحمودي هذا كان هو وسيلة الشريف الإدريسي إلى رجار ، فهو حمودي شريف مثله ، وقد دللنا في الفصل الخاص بالإدريسي من بحثنا عن (( الجغرافية والجغرافيين في الأندلس )) على أن الشريف الإدريسي عندما خرج من المشرق عائداً إلى المغرب مر بصقلية وأقام فيها ردحاً من الزمن ، فإن القسم الخاص بصقلية من (( نزهة المشتاق )) يضم معلومات وملاحظات تدل على أنه عرفها قبل وفوده عليها لعمل صورة الأرض وتأليف شرحها المسمى (( نزهة المشتاق )) ، وقد رجحنا لهذا أن يكون الشريف قد نزل بالجزيرة منتجعاً لقريبه الحمودي ، وعرف هذا ولعه بالجغرافية والأعشاب واتساع باعه فيهما ، ومن المعقول أن يكون قد قدمه إلى رجار الثاني كما كان يقدم إليه من يفد عليه من الشعراء ، وقد كان هذا معنياً بهذين العلمين شديد الطلب لهما ، فلما لقي الإدريسي دعاه إلى المقام عنده للعمل مع في الجغرافية وهنا – أحسب – موضع العبارة التي ذكرها خليل بن أيبك الصفدي في (( الوافي بالوفيات )) وقال إن رجار الثاني للشريف الإدريسي : (( أنت من بيت الخلافة ، ومتى كنت بين المسلمين عمل ملوكهم على قتلك ، ومتى كنت عندي أمنت على نفسك )) ، فاستقرت هذه الكلمة في نفس الإدريسي ، ومضى إلى المغرب ثم إلى قرطبة ليستكمل دراسة الجغرافية ، وقد أثبتنا أن مقام الإدريسي في قرطبة وجنوب الأندلس كان قبل سنة 537 ( 1142 – 1143 ) أي قبل وفوده على صقلية وشروعه في العمل مع رجار ، ويبدو أن الأدريسي لاحظ أثناء تلك الإقامة في الأندلس استقرار الأمر للمرابطين ، ولهذا فهو لا يزال يثني عليهم في كتابه ، ولابد أنه لم يرض عن الموحدين بعد ذلك لقيامهم على المرابطين وعملهم على القضاء عليهم ، ولهذا فهو شديد النقد لهم ، لا يكاد يغادر فرصة للحملة عليهم إلا ابتدرها .
وقد ظلت أحوال المسلمين طيبة في صقلية طالما عاش رجار الثاني ، وهذا واضح على الأقل من عمل الإدريسي معه وما كان يلقاه من الكرامة عنده حتى قال الصفدي : إنه (( رتب له كفاية لا تكون إلا للملوك ، وكان يجيء إليه راكب بغلة ، فإذا صار عنده تنحى له عن مجلسه ، فيأتي فيجلسان معاً )) ، وهذا الإكرام للإدريسي لم يكن مقصوداً به شخصه وحده ، وإنما كان رجار ينظر من ورائه إلى غرض آخر ، وهو كسب ثقة رعاياه من المسلمين بتقريب هذا العلامة الشريف العلوي والحفاوة به ومعاملته معاملة الأمراء ، فإن الشريف الإدريسي لم يكن يطلب هذ كله ولا نظر إليه ، وإنما كان عالماً وجد فرصة مواتية للعمل وتشجيعاً عليه فانصرف إليه ، وبديهي أن هذه الكرامة أيضاً كانت من نصيب قريبه ورئيس المسلمين في صقلية إذ ذاك : محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود .
غير أن أحوال المسلمين في صقلية بدأت تتغير بعد وفاة رجار الثاني وتولى ابنه غليالم الأول في سنة 1152 ( 547 – 548 هـ ) ، فإن الولد لم يرث من ملكات أبيه إلا القليل وقد كان كسولاً عنيفاً متعالياً وبخيلاً ، كما يقول معاصروه من المؤرخين النصارى ، ولم يحسن إلى جانب ذلك اختيار نصحائه ورجال دولته ، ولهذا فقد شقي به رعاياه جميعاً مسلمين وغير مسلمين ، ثم إن الظروف كانت قد تغيرت من حوله ، فقد اشتد ساعد الإمبراطورية التيوتونية وأخذ رجالها يتأهبون لانتزاع جنوب إيطاليا من النرمان ، ومن ناحية أخرى استقام الأمر للموحدين وأقبلوا يضيضمون شتات المغرب ويستعيدون ما كان النرمان قد استولوا عليه من مواضع على الساحل الإفريقي ، ومالت طائفة من رجال الدولة من النصارى إلى الأباطرة أو الباباوات ، وطبيعي أن تميل أفئدة المسلمين إلى الموحدين أو الأيوبيين ، وهو ميل طبيعي من جماعة إسلامية غلبت على أمرها وباتت ترجو الخلاص ، وسنرى بعد قليل أن آل حمود الصقليين لم يقتصروا على مجحرد الرجاء ، بل سعوا بالفعل نحو الخلاص .
والمهم لدينا الآن أن ظنون غليالم الأول ساءت فيمن حوله من كبار رجال الدولة ، فوقعت الفتنة فيما بينهم من ناحية ، وبينهم وبينه من ناحية أخرى ، وكان لهذا أثره على آل حمود وبقية مسلمي الجزيرة . وقد بدأت الثورة عليه في أملاكه في أبوليا وقلورية وأيدها آل كومنين أباطرة الدولة البيزنطية بأسطول ، وبعد لأي ما استطاع غليالم إطفاء هذه الفتنة وعقد مع البيزنطيين في سنة 1157 ( 552 هـ ) ، قم وثب أهل صفاقس بالنرمان وتزعمهم أبو الحسن الغربياني وابنه ، وقامت الثورة كذلك في معظم جهات الشاحل الافريقي ، ولم تلبث جييوش الموحدين المظفرة أن أقبلت يقودها الخليفة عبد المؤمن بن علي ، واستردت معاقل الشاطيء الافريقي كلها حتى طرابلس .
وعلى أثر ذلك انقض نصارى بلرم على مسلميها نصارى بلرم على مسلميها على حين غفلة ، وكان المسلمون يسكنون أغنى أحياء المدينة ، وكان يسمى حي قصارة Cassara وأنزلوا بهم مذبحة دامية ، وقتلوا منهم المئات ، من بينهم الشاعر يحيى بن التيفاشي القابسي ، ويظن أن الادريسي ترك بلرم في هذه الآونة ، فقد كان يعيش منذ وفاة رجار الثاني على مقربة من القصر مشتغلاً بتأليف كتابه (( روض الأندلس ، ونزهة النفس )) ، وكان ذلك في سنة 577 ( 1161 ) ، وهذه آخر مرة نسمع فيها بذكر جغرافينا العظيم ، وذهب العماد في (( الخريدة )) إلى أن هذه المذبحة كانت سنة 550 ( 1155 – 1156 ) ، ولكن الغالب أنه خلط بينها وبين فتن أخرى مما وقع للمسلمين في صقلية في هذه الفترة العصيبة .
وقد ذكر الحسن الوازن الذي عرف باسم ليون الافريقي في رحلته أن الادريسي مات في صقلية سن ة516 هـ ، وهو وهم من الناسخ صححه دي سلين إلى 560 ( 1164 – 1165 ) ، ومن هنا نرى أن تاريخي مولد ووفاة أعظم أنجب العرب من الجغرافيين أخذهما عن مصدرين مشكوك في سلامتهما ، الأول راهب ماروني والثاني رحالة ارتد عن الإسلام .
يتبع..