دمعة على الإسلام

بواسطة | مصطفى لطفي المنفلوطي*
اطبع الموضوع
السبت 25 جمادى الثانية 1426
كتب إليّ أحدُ علماء الهند كتاباً يقولُ فيه إنه اطلع على مؤلف ظهر حديثاً بلغة ( التاميل ) ، وهي لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب مدراس ، موضوعه :
تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني ، وذكرُ مناقبه وكراماته ، فرأى فيه من الصفات والألقاب التي وصف بها الكاتب السيد عبد القادر ولقّبه بها صفات وألقاباً هي بمقام الألوهية أليق منها بمقام النبوة ، فضلاً عن مقام الولاية كقوله : (سيد السموات والأرض) و (النفّاع الضرّار) و (المتصرّف في الأكوان) و (المطلع على أسرار الخليقة) و (محيي الموتى) و (مبرئ الأعمى والأبرص والأكمه) و (أمره من أمر الله) و (ماحي الذنوب) و (دافع البلاء) و (الرافع الواضع) و (صاحب الشريعة) و (صاحب الوجود التام) إلى كثير من أمثال هذه النعوت والألقاب! ويقول الكاتب : إنه رأى في ذلك الكتاب فصلاً يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أن
يتكيّف بها الزائر لقبر السيد عبد القادر الجيلاني يقول فيه : (أول ما يجب على الزائر أن يتوضأ وضوءاً سابغاً ، ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار ، ثم يتوجّه إلى تلك الكعبة المشرفة ، وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول :
(يا صاحب الثقلين ، أغثني وأمدّني بقضاء حاجتي وتفريج كربتي . أغثني يا محيي الدين عبد القادر ، أغثني يا ولي عبد القادر ، أغثني يا سلطان عبد القادر ، أغثني يا بادشاه عبد القادر ، أغثني يا خوجة عبد القادر) .
(يا حضرة الغوث الصمداني ، يا سيدي عبد القادر الجيلاني ، عبدك ومريدك مظلوم عاجز محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة) .
ويقول الكاتب أيضاً : إن في بلدة (ناقور) في الهند قبراً يسمى (شاه الحميد) وهو أحد أولاد السيد عبد القادر كما يزعمون وأن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودَهم بين يدي الله ، وأن في كل بلدة من بلدان الهنود وقراها مزاراً يمثل مزار السيد عبد القادر ، فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد ، والملجأ الذي يلجأون في حاجاتهم وشدائدهم إليه ، وينفقون من الأموال على خدمته وسدانته ، وفي موالده وحضراته ما لو أنفق على فقراء الأرض لصاروا أغنياء .
هذا ما كتبه إليّ ذلك الكاتب ؛ ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء ، وأظلمت الدنيا في عيني ، فما أُبصرُ مما حولي شيئاً حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام نكروه بعدما عرفوه ، ووضعوه بعدما رفعوه ، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها ، ولا شأن له بها !
أيّ عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرةً واحدةً من الدمع ، فلا تريقُها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن ، منظر أولئك المسلمين ، وهم ركّع سجّدٌ على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خيرٌ من ساكنه في حياته ، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته !
أي قلبٍ يستطيعُ أن يستقرّ بين جنبي صاحبه ساعة واحدة ، فلا يطير جزعاً حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكاً بالله ؛ وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة ، وكثرة المعبودات !
لِمَ ينقُمُ المسلمون التثليث من المسيحيين ؟ لِمَ يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن ؟ وعلامَ يحاربونهم ؟ وفيم يقاتلونهم وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم ، ولم يغرقوا فيه إغراقهم ؟
يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة ، ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبعده عن العقل ، فيتأولون فيه ، ويقولون إن الثلاثة في حكم الواحد . أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة ، أكثرها جذوع أشجار ، وجثث أموات ، وقطع أحجار ، من حيث لا يشعرون !
كثيراً ما يضمر الإنسان في نفسه أمراً ، وهو لا يشعر به ، وكثيراً ما تشتمل نفسُه على عقيدة خفية لا يحس باشتمال نفسه عليها . ولا أرى مثلاً لذلك أقرب من المسلمين الذين يلتجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود ، فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب ، قالوا : إنا لا نعبدهم ، وإنما نتوسل بهم إلى الله ، كأنهم يشعرون أن العبادة ما هم فيه ، وأن أكبر مظهر لألوهية الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين خاشعين ، يلتمسون إمداده ومعونته ، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون .
جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين ، ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية ، وليعتق رقابهم من رِقّ العبودية ، فلا يذل صغيرهم لكبيرهم ، ولا يهاب ضعيفهم قويهم ، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل . وقد ترك الإسلامُ بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى ، فكانوا ذوي أنفة وعزة ، وإباء وغَيْرة ، يضربون على يد الظالم إذا ظلم ، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده : قف مكانك ،
ولا تغلُ في تقدير مقدار نفسك ، فإنما أنت عبد مخلوق لا رب معبود ، واعلم أنه لا إله إلا الله .
هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد . أما اليوم وقد داخلَ عقيدتَهم ما داخلَها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى ، فقد ذلت رقابهم وخفقت رؤوسهم ، وضرعت نفوسهم ، وفترت حميتهم ، فرضوا بخطة الخسف ، واستناموا إلى المنزلة الدنيا ، فوجد أعداؤهم السبيل إليهم ، فغلبوهم على أمرهم ، وملكوا عليهم نفوسهم ، وأموالهم ، ومواطنهم ، وديارهم ، فأصبحوا من الخاسرين .
واللهِ ، لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم ، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها ، إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد ، وإن طلوع الشمس من مغربها ، وانصباب ماء النهر في منبعه ، أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ، ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله ، ويقولون للأول كما يقولون للثاني : (أنت المتصرف في الكائنات ، وأنت سيد الأرضين والسموات) .
إن الله أغيرُ على نفسه من أن يسعدَ أقواماً يزدرونه ، ويحتقرونه ، ويتخذونه وراءهم ظهرياً ؛ فإذا نزلت بهم جائحة ، أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه ، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه .
بمن أستغيث ؟ وبمن أستنجد ؟ ومن الذي أدعوه لهذه الملمة الفادحة ؟ أأدعو علماء مصر وهم الذين يتهافتون على (يوم الكنسة) [1] تهافُتَ الذباب على الشراب ؟ أم علماء الآستانة وهم الذين قتلوا جمال الدين الأفغاني [2] فيلسوف الإسلام ليحيوا أبا الهدى الصيّادي شيخ الطريقة الرفاعية ؟ أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى البيت الحرام ؟ أم علماء الهند وبينهم أمثال مؤلف هذا الكتاب ؟
يا قادة الأمة ورؤساءها ! عَذَرْنا العامة في إشراكها ، وفساد عقائدها ، وقلنا :
إن العامي أقصر نظراً ، وأضعف بصيرة من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب ، والتماثيل ، والأضرحة والقبور ؛ فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله ، وتقرأون صفاته ونعوته ، وتفهمون معنى قوله تعالى : ] قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ [ [النمل : 65] . وقوله مخاطباً نبيه : ] قُل لاَّ أََمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَراً [ [الأعراف : 188] . وقوله : ] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) [ [الأنفال : 17] ؟
إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم : (كل خير في اتباع من سلف ، وكل شر في ابتداع من خلف) فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصصون قبراً ، أو يتوسلون بضريح ؟ وهل تعلمون أن واحداً منهم وقف عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته ، يسأله قضاء حاجة ، أو تفريج هم ؟
وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين ، والصحابة والتابعين ؟
وهل تعلمون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل ، نهى عنها عبثاً ولعباً ، أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى ؟
وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك ، ويفسد عقيدة التوحيد ؟
واللهِ ، ما جهلتم شيئاً من هذا ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة ، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم ، وانتقاض أمركم ، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم ، ويستعبدون رقابكم ، ويخربون دياركم ، والله شديد العقاب .


* كاتب وأديب مصري مبدع ، وهو في هذا المقال يعلق على موضوع القبور والأضرحة بوجهة نظر الفرد المسلم الذي يحز في نفسه ما آل إليه حال بعض المسلمين وهو من كتاب (النظرات) تحقيق مجيد طراد .
(1) يوم يذهب فيه علماء الدين إلى ضريح الإمام الشافعي للتبرك بكنس ترابه .
(2) جمال الدين الأفغاني بالرغم مما له من جهود في خدمه الإسلام إلا أن عليه مآخذ وأخطاء عظيمة انظر : (جمال الدين الأفغاني) للدكتور علي عبد الحليم محمود ولمعرفة من هو (أبو الهدى الصيادي) انظر : موسوعة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية .
{moscomment}