الأدارسة في صقلية – 6

بواسطة | د.حسين مؤنس
اطبع الموضوع
الثلاثاء 27 رجب 1426
الأدارسة في صقلية -6
((الحلقة الأخيرة))
أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود :
وطبيعي أن تسوء حال آل حمود الصقليين ، ولدينا عن أخبار رئيس هذا النبي ت في تلك الأيان خبران : أحدهما قصير أتانا به علي بن أبي بكر الهروي ، وقد زار صقلية سنة 569 ( 1173 ) ، قال : (( واجتمعت بجزيرة اسقلية بالقائد أبي القاسم بن حمود ابن الحجر ، وذكر لي أنه ولد عمر بن عبد العزيز ، وكنت مرضت في مسجد عين الشفاء وهذه العين تُزار ، وأحسن هذا القائد إليه ، وكنت أخذت منه كتاباً إلى السلطان يحثه على أخذ هذه الجزيرة ، وغرق المركب عند خروجي من هذه الجزيرة ، وركبت معه قوم من الروم إلى جزيرة قبرص )) . ولا ندري إذا كان المراد بأبي القاسم بن حمود هنا محمد بن أبي القاسم الذي نحن بصدده أو ابناً له يسمى أبا القاسم ، ونرجح الرأي الاآخير ، لأن صورة الاسم هنا واضحة ، وبهذا الاسم سيذكره ابن جبير بعد ذلك بأكثر من عشر سنوات ، ويستبعد أن تطول مدة محمد بن أبي القاسم هذه الحقبة كلها ، وسنرى كذلك أن الشاعر الاسكندري ابن قلاقس قد وفد على أبي القاسم هذا ومدحه وألف له كتاباً .
ولا شك أن علي بن أبي بكر الهروي أخطأ عندما قال إن أبا القاسم قال له إنه من ولد عمر بن عبد العزيز ، وربما يكون قد خلط هنا بينه وبين رجل آخر ، والخلط والسهو هنا ممكنان إذا ذكرنا ما يقوله الهروي من أن امركب غرقت به وهو في طريق العودة من صقلية ، فانتقل إلى مركب رومي نقله إلى قبرص .
وإشارة الهروي إلى أخذه كتاباً إلى السلطان يستحثه فيه على أخذ الجزيرة جديرة بالملاحظة ، والسلطان المراد هنا هو صلاح الدين الأيوبي ، وكان الحمودي قد استبطأ الغوث من الموحدين ، فاتجه إلى الأيوبيين .
وكان أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن حمود – إذ صح ما افترضناه – في ذلك الحين من كبار رجال الدولة ، لا يزال له مركزه وحظوته ، وكانت المنافسة شديدة بينه وبين وزير بيزنطي يسمى اصطفان ، وكان كل منهما يسعى بالآخر قدر ما يستطيع ، ولدينا من الدلائل ما يشهد بأن الحمودي كان نداً لصاحبه ، وكان لكل منهما أنصار وأعوان ، وتقلبت الأحوال بهما معاً ما بين سعود وتحوس ، وكان من أكبر مؤيدي أبي القاسم بن حمود جوردان بن جوردان ابن أخي رجار الأول الذي ذكرناه ، وكان قد أسن إذ ذاك ، ولكنه ظل محتفظاً بمكانه وحظوته ، وكان كارهاً لاصطفان الماكر المتآمر ، وكان تأثير هذا الأخير على والدة غليالم الأول عظيماً .
ولابد أن الحمودي الصقلي الذي وفد عليه الشاعر الاسكندري ابن قلاقس أبو الفتوح نصر بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي اللخمي الملقب بضياء الدين القاضي الأعز هو أبو القاسم هذا ، وكان ابن قلاقس رجلاً قلقاً جوالاً لا يكاد يستقر في مكان ، ولا ندري ما الذي أقدمه على صقلية ، وقد ذكر ابن ميسر في تاريخه (( أن رجار كان يحب مدح الشعراء ويجزيهم ، فذهب إليه جماعة من الشعراء ومدحوه ، منهم ابن قلاقس ، وأمر أن يصنف له تاريخ ، فصنف له تاريخ كبير )) . وعبارة ابن ميسر – كما لاحظ الدكتور إحسان عباس – حافلة بالخطأ ، فإن ابن قلاقس لم يزر صقلية في أيام رجار ، بل في أيام ابنه غليالم الأول ، فقد بدأ هذا الأخير حكمه سنة 1152 ( 547 أو 548 هـ ) ، ونزل ابن قلاقس صقلية سنة 563 ( 1167 – 1168 ) ، ولم يطلب الملك النصراني إلى ابن قلاقس أن يؤلف له كتاب تاريخ أو غيره ، والمسألة كلها تبدو وكأنها صدى مضطرب لما طلبه رجار من الشريف الادريسي .
والمعقول أن يكون ابن قلاقس قد وفد على أبي القاسم بن حمود ، فقد أكرمه هذا وأضفى عليه من بره ما ألهج لسانه بمديحه ، بل جعله يؤلف كتاباً يطرزه باسمع عنوانه : (( الزهر الباسم ، في أوصاف أبي القاسم )) ، وقد اتصل ابن قلاقس بثلاثة آخرين من زعماء المسلمين في الجزيرة هو القائد غارات بن جوشن ، وقد وصفه في إحدى رسائله بأنه (( خاصة المملكة الغليلمية بصقلية )) ، والقائد السديد الحصري ، والقائد ابن فاتح ، ويبدو أن هؤلاء كانوا من حزب أبي القاسم بن حمود وأنصاره .
وعن طريق أبي القاسم بن حمود تعرف ابن قلاقس على جوردان وزيل المملكة الصقلية ، ومدحه بشعر غريب فيه تكلف كقوله :
وجرّدنا المدائح فاستقرت على أوصاف جُرْدَنَّا الوزيرِ
فنظمنا المفاخر كللآلي وحلَّينا المعالي كالنحور
ومديح ابن قلاقس لأبي القاسم بن حمود يدل على أن الرجل كان إذ ذاك في حال عظيمة من القوة والغنى والسلطان ، وهو يشيد ببلاغته وفصاحته في عبارات طنانة تذكرنا بعبارات الفتح بن خاقان في (( القلائد )) و (( المطمح )) ، وله فيه أشعار تدل على أنه كان يتولى المهم من شئون الدولة :
وبيمنـاك طيرُ يُمـ ن وسِعْدٍ أصفر الظهر أسود المنقار
قَلَمٌ دبّر الأقاليـم فالكتـ ـب به من كتاب الأقدار
يا طراز الديوان والملك أصبحـ ـت طراز الديوان والأشعار
ومعنى ذلك أن أبا القاسم كان رئيس ديوان كبير تصدر عنه الأوامر والكتب إلى الأقاليم ، ومعلوماتنا عن تنظيم الدولة النرمانية قليلة ، وخاصة فيما يتصل بالناحية الاسلامية ، أي ما يخص المسلمين منها ، ولكن أين وثائق الدولة كانت تكتب باللغات الثلاث : العربية واللاتينية واليونانية ، ولهذا فلا يستبعد أن يكون هو المشرف على القسم العربي أو الأقسام العربية من دوواوين الدولة ، وابن قلافس يصفه بالبلاغة فيقول :
وتلتقي كُتُبُهُ الكتائب في جيش من الخطِّ صائد الصَّيد
بكل لفظ كأنه نَفَسٌ غير مٌملٍ بطور ترديد
صحَّت معانيه فانتسبن إلى فضل ابتكارٍ وحُسنِ توليد
والغريب معه هذا أنه لا يصفه بما يوحي بمعنى القيادة العسكرية ، ، مع أن لقبه الرسمي كان (( القائد )) ، ولا يستبعد أن يكون هذا الثالث من رؤساء أدارسة صقلية ربِّ فلم لا ربَّ سيف ، وأنه انصرف بكليته إلى الكتابة والانشاء ووظائف الادارة ، ويؤيد هذا أنه كان يقيم في بلاط الملك في بلرم عندما نزل به ابن قلاقس ، ولكنه لم يتخل مع ذلك عن إقطاعه وإقطاع أسرته في وسط الجزيرة .
وقد قضى ابن قلاقس نحو سنتين في صقلية تنقل خلالهما في نواحيهما جميعاً ، وقال الشعر في أكثر من موضع ، وشعره الصقلي فيه رصانة وفحولة وخفة ، وفد عليها أوائل 563 (1168) ، وفي سنة 565 (1170) نجده في اليمن .
كلام ابن جبير عن أبي القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن حمود :
والإشارة الخيرة عن أبي القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن حمود أتانا بها الرحالة الطلعة المبدع ابن جبير ، محمد بن جبير الكناني الأندلسي ، وقد أراد حسن الطالع أن يمر بصقلية أثناء عودته من رحلته الأولى التي ألف بعدها كتاب (( رحلته )) فقد نزل صقلية في رمضان سنة 580 (يناير 1185) ولم يغادرها إلا في ذي الحجة من نفس السنة ، وألم بالكثير من بلادها ، ووصف لنا أحوال المسلمين وما عاينه في الجزيرة بأسلوبه الجميل الصادق ، وأتيحت له فرصة لقاء أبي القاسم بن حمود أثناء مقامه في مدينة أطرابنش Trapani في ذي القعدة من نفس السنة ، وكلامه أوسع ما لدينا عن أي رجل من أولئك الحموديين ، ولهذا فهو جدير منا بوقفة طويلة ، ولن نستطيع أن نأتي بكلامه كله ، ولهذا فسنكتفي بما يهم موضوعنا منه :
قال محمد بن جبير : (( ووصل هذه الأيام إلى هذه البلدة – أطرابنش – زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين وسيدهم القائد أبو القاسم بن حمود المعروف بابن الحجر ، وهذا الرجل من أهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابراً عن كابر ، وقرر لدينا مع ذلك أنه من أهل العمل الصالح مريد للخير محب في أهله كثير الصنائع الأخروية من أفتكاك الأسرى وبث الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج ، إلى مآثر جمة ، ومناقب كريمة ، فارتحت هذه المدينة لوصوله )) . وهذا تعريف طيب بالرجل وبيته ومناقبه ومركزه في صقلية .
ثم يضيف ابن جبير إشارة غاية في الأهمية عن بعض ما وقع له من أحداث : (( وكان في هذه المدة تحت هجران من هذا الطاغية ، ألزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه ، افتروا عليه فيها أحاديث مزورة ، نسبوه فيها إلى مخاطبة الموحدين أعزهم الله ، فكادت تقضي عليه لولا حارس المدة ، وتوالت عليه مصادرات أغرمته نيفاً على الثلاثين ألف دينار مؤمنية ، ولم يزل يتخلى عن جميع دياره واملاكه الموروثة عن سلفه ، حتى بقى دون مال . فاتفق في هذه الأيام رضا الطاغية عنه ، فأمره بالنفوذ لهم من أشغاله السلطانية ، فنفذ لها نفوذ المملوك المغلوب على نفسه وماله ، وصدرت عنه عند وصوله إلى هذه البلدة رغبة في الإجتماع بنا ، فاجتمعنا به ، فأظهر لنا من باطن حاله ، وبواطن أحوال أهل هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دماً ، ويذيب القلوب ألماً ، فمن ذلك أنه قال : كنت أود لو أباع أنا وأهل بيتي ، فلعل البيع كان يتخلصنا مما نحن فيه ، ويؤدي بنا إلى الحصول في بلاد المسلمين ، فتأمل حالاً يؤدي بهذا الرجل – مع جلالة قدره وعظم منصبه – إلى أن يتمنى هذا التمني ، مع كونه مثقلاً عيالا وبنين وبنات ، فسألنا الله عز وجل أن حسن التخلص مما هو فيه ، ولسائر المسلمين من أهل الجزيرة ، وواجب على كل مسلم الدعاء لهم في كل موقف يقفه بين يدي الله عز وجل ، وفارقناه باكياً مبكياً . واستمال نفوسنا بشرف منزعه ، وخصوصية شمائله ، ورزانة حصاته ، وشمول مبرته وتكرمته ، وحسن خلقه وخليقته ، وكنا قد أبصرنا له ولأهل بيته بالمدينة دياراً كأنها القصور المشيدة الأنيقة ، وشأنهم بالجملة كبير ، ولا سيما هذا الرجل منهم ، وكانت له أيام مقامه هنا أفعال جميلة مع فقراء الحجاج وصعاليكهم أصلحت أحوالهم ، ويسرت لهم الكراء والزاد ، والله ينفعه بها ، ويجازيه الجزاء الأوفى عليها ، بمنه )) .
وهذه العبارة عظيمة الفائدة حافلة بالتفاصيل ، ولكنها مع ذلك قلقة فيها تناقض كثير ، ولولا أن صاحبها رجل صدوق يروي ما ما رأى وما سمع بأمانة لا يرقى إليها شك لترددنا في قبول بعض ما فيها ، فنحن لا نفهم كيف أن غليالم الأول استصفى أموال أبي القاسم بن حمود حتى بقي دون مال ثم يرى له ابن جبير بعد ذلك (( دياراً كأنها القصور المشيدة )) في بلد لم يكن مركز إقطاعه ، فما بالك بما كان له ولأهله في قصريانة واجرجنت ؟ ثم أن هذا التذلل وتمنى أن يباع هو وأهل بيته ليخلص مما كان فيه لا معنى له أصلاً ، فلم يكن هناك أي تضييق على المسلمين في مغادرة صقلية إذا شاءوا ، وقد هاجر بالفعل كثيرون جداً ، وكيف لم يتكلم هذا الرجل مع ابن جبير في شأن أستخلاص الجزيرة على أيدي الموحدين ، وكان ابن جبير من رجالهم المخلصين لهم المقربين إلى أمرائهم .
الذي أستطيع أن أفهمه من هذه العبارة هو أنها نفثة مصدور قالها أبو القاسم لأخ مسلم للنعبير عن الخوف والضيق ليس إلا ، وليس معناها أنه كان في حالة الذل التي يصورها ابن جبير ، ولم يكن يفكر جاداً في مغادرة الجزيرة ، ففيها على الأقل أمواله وضياعه ، وله فيها مكانة عالية ، ولبيته تاريخ طويل ، ومن العسير على رجل هذا مركزه أن يتخلى عما كان ويترك معاهد أهله وأجداده ويهاجر إلى بلاد لا يعرفه فيها أحد ، وربما لم تكن حاله فيها بعد ذلك أحسن بكثير مما كان فيه .
****
وعلى أي حال فهذه آخر إشارة لدينا عن بني حمود الأدارسة الصقليين ، فقد اجتاحت الجزيرة بعد أيام غليالم الأول فتن وحروب على أيام ابنه غليالم الثاني ، وانتهى الأمر بضياع أمر النرمان جملة ، ودخول الجزيرة في طاعة أباطرة التيوتون مرة اخرى ، وتتويج فردريك بارباروسا نفسه ملكاً عليها في بلرم ، وفي أثناء هذه الفتن عم البلاء أهل الجزيرة جميعاً مسلمين وغير مسلمين ، واختفت البيوت الكبرى التي قامت عليها دولة النرمان سواء أكانت بيزنطية أم نرمانية أم إسلامية .
وفي غضون هذه الاضطرابات اختفى بن وحمود ، فلم نعد نسمع لهم ذكراً ، وقد يكونون غادروا الجزيرة عندما استبانت لهم استحالة المقام وضياع الأمن وانقطاع الآمال في الصلاح . وقد يكونون غادروا الجزيرة في صمت وحلوا في أي بلد من بلاد الاسلام كما دخلوا صقلية واستقروا فيها في سكون ، ولسان حالهم يردد هذه الأبيات الجميلة التي تنسب إلى أعظم من نزل منهم صقلية ، وهو الشريف الإدريسي :
ليت شعري أين قبري ؟ ضاع في الغربة عمري
لم أدع للعين ما تشــ ـتاق في برٍ وبحــرٍ
وخبرت الناس والأر ض لدى خير وشـر
لم أجـد جـاراً ولا دا راً كما في طي صدري
فكأني لم أســر إ لا بميت أو بقفـــر