مناقشة ابن عباس للخوارج دروس وعبر

بواسطة | معن عبد القادر
اطبع الموضوع
السبت 21 شعبان 1426
أصيبت الأمة الإسلامية في القرون المتأخرة في أعز ما تملك وهو عقيدتها الصافية النقية التي جاء بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- من عند الله عز وجل ،
وسار عليها صحابته رضوان الله عليهم ، وتبعهم في ذلك ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ، ولا تزال طائفة من الأمة سائرة عليها كما أخبر بذلك الرسول -صلى الله
عليه وسلم- .
وهذه المصيبة العظيمة لها جذور تاريخية ترجع إلى القرون الأولى . فقد بدأت هذه المصيبة بمقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-
على يد مجوسي حاقد ، ثم قتل ذي النورين عثمان بن عفان –رضي الله عنه- ، بمؤامرة دنيئة ، ثم ظهر القول بنفي القدر ، ثم أوقدت الفتنة بين المسلمين ، ودار
القتال بينهم ، ثم خرجت الخوارج بمقولة شنيعة ، ثم ظهر التشيع ، وازداد أهله غلواً وبعداً عن الدين ، وانتشر الرفض في بقاع شتى من العالم الإسلامي .
وفي كل مرة كانت هذه الانحرافات تجد من يتصدى لها من الرجال الأفذاذ الذين جمعوا بين العلم والعمل ، والجهاد في سبيل الله ، وكان هؤلاء يعملون على
تنقية الأجواء الإسلامية من كل انحراف ومن كل دخيل .
وفي الأسطر التالية أثر يتحدث عن نموذج لانحراف خطير ظهر في هذه الأمة ، وكيف تصدى لهذا الانحراف رجل تخرج من مدرسة الرسول -صلى الله
عليه وسلم- التي تخرج منها أعظم الرجال .
وهذا الأثر فيه فوائد شتى ، لم يكن المقصود استخراجها جميعاً ، بل ترك ذلك للقارئ الكريم ، وإنما حسن التنبيه على بعض فوائده على وجه الاختصار .
وطريقة عرض هذا الأثر هي : عرض جميع رواياته التي وقفت عليها ومن ثم إدراج الزيادات على السياق الأصلي ، وقد أسوق نصًا غير النص الأصلي – في
بعض المواطن – لأن في ألفاظه زيادة فائدة .
وسياق الرواية الأصلي هو لمتقدم المخرجين لهذا الأثر من أصحاب مصنفات الحديث .
وهذا نص الأثر :
عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار – على حدتهم – وهم ستة آلاف وأجمعوا أن يخرجوا على علي بن أبي طالب
وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- معه ، قال : جعل يأتيه الرجل فيقول : يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك ، قال : دعهم حتى يخرجوا فإني لا أقاتلهم
حتى يقاتلوني وسوف يفعلون . فلما كان ذات يوم قلت لعلي : يا أمير المؤمنين : أبرد عن الصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم فأكلمهم ، قال : إني أتخوفهم عليك . قلت :
كلا إن شاء الله تعالى وكنت حسن الخلق لا أوذي أحدًا . قال : فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية ، قال أبو زميل : كان ابن عباس جميلاً جهيرًا . قال : ثم
دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة . قال : فدخلت على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم ، أيديهم كأنها ثفن [*] الإبل ، وجوههم معلمة من آثار السجود ، عليهم
قمص مرحضة ، وجوههم مسهمة من السهر . قال : فدخلت . فقالوا : مرحبًا بك يا ابن عباس ! ما جاء بك ؟ وما هذه الحلة ، قال : قلت ما تعيبون علي ؟ لقد رأيت
على رسول الله أحسن ما يكون من هذه الحلل ، ونزلت ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق [ قالوا : فما جاء بك ؟ قال : جئت أحدثكم
عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن عند صهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليهم نزل الوحي ، وهم أعلم بتأويله ، وليس فيكم منهم أحد ، فقال
بعضهم : لا تخاصموا قريشاً فإن الله تعالى يقول : ] بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [ ، وقال رجلان أو ثلاثة لو كلمتهم .
قال : قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وختنِه ، وأول من آمن به ، وأصحاب رسول الله معه ؟
قالوا : ننقم عليه ثلاثاً .
قال : وما هنّ ؟
قالوا: أولهن أنه حكّم الرجال في دين الله، وقد قال الله :] إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ [ ، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل .
قال : قلت وماذا ؟
قالوا : وقاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم ، لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن
كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم .
قال : قلت وماذا ؟
قالوا : محا نفسه من أمير المؤمنين . فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير
الكافرين .
قال : قلت أعندكم سوى هذا ؟ قالوا : حسبنا هذا .
قال : أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم ، وحدثتكم من سنة نبيه -
صلى الله عليه وسلم- ما لا تنكرون [ ينقض قولكم ] أترجعون ؟
قالوا : نعم .
قال : قلت أما قولكم : حكّم الرجال في دين الله ، فإن الله تعالى يقول : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [،إلى قوله : ] يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ[. وقال في المرأة وزوجها : ] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا [ . أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم ، وإصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم ، وفي بضع امرأة . وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال .
قالوا : اللهم في حقن دمائهم ، وإصلاح ذات بينهم .
قال : أخرجت من هذه ؟
قالوا : اللهم نعم .
قال : وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم ، أتسبون أمكم عائشة ، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها ، فقد كفرتم ، وإن زعمتم أنها ليست أم المؤمنين فقد
كفرتم ، وخرجتم من الإسلام ، إن الله يقول : ] النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [ ، فأنتم مترددون بين ضلالتين ، فاختاروا أيهما شئتم ، أخرجت
من هذه ؛ فنظر بعضهم إلى بعض .
قالوا : اللهم نعم .
قال : وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين ، فأنا آتيكم بما ترضون ، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا قريشًا يوم الحديبية أن يكتب بينه وبينهم
كتابًا فكاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان . فقال : اكتب يا علي هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، فقالوا : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ،
ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله . فقال : والله إني لرسول الله حقًا وإن كذبتموني ، اكتب يا علي : محمد بن عبد الله ، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم-
كان أفضل من علي -رضي الله عنه- وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه .
أخرجت من هذه ؛ قالوا : اللهم نعم . فرجع منهم ألفان ، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا على ضلالة .
هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في (المصنف ، باب ذكر رفع السلام 10/157 رقم 18678) ومن طريقه - بنفس اللفظ تقريبًا -أخرجه أبو نعيم في
(الحلية 1/318) ، وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى 8/179) ، وابن عبد البر القرطبي في (جامع بيان العلم وفضله 2 / 103 طبعة المنيرية) ، ويعقوب بن
سفيان البسوي في (المعرفة والتاريخ 1/522) ، والحاكم في (المستدرك 2/150- 152) ، وأخرج بعضه الإمام أحمد في (المسند 1/342 ، 5/67 رقم 3187 ،
طبعة شاكر) كلهم أخرجوه من طريق عكرمة بن عمار ثنا أبو زميل الحنفي ثنا ابن عباس به ، ولكل منهم لفظ مختلف وزيادات أثبتنا منها ما كان فيه زيادة معنى .
وهذا الأثر نسبه الهيثمي في (مجمع الزوائد) إلى الطبراني وأحمد في المسند ، وقال : رجالهما رجال الصحيح ، وأشار إليه الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية 7 /
282) ، وابن الأثير في (الكامل) وابن العماد الحنبلي في (الشذرات) ، وذكر غيرهم سياقات أخر لهذه القصة ولكنها عن غير ابن عباس من غير هذا الطريق ،
وإنما مقصودنا رواية ابن عباس فقط ..
وقال أحمد شاكر في تعليقه على (المسند 5 / 7 6 رقم 3187) : إسناده صحيح . اهـ
أصول ودروس مستفادة من الأثر :
أولاً : لقد أتى الخوارج من قبل فهمهم السقيم لنصوص الشرع ، ويرجع ضلالهم إلى أسباب أهمها :
1- فهم النصوص ببادئ الرأي ، وسطحية ساذجة ، دون التأمل والتثبت من مقصد الشارع من النصوص ، فوقعوا في تحريف النصوص وتأويلها عن معناها
الصحيح .
2-أخذهم ببعض الأدلة دون بعض ، فيأخذون بالنص الواحد ، ويحكمون على أساس فهمهم له دون أن يتعرفوا على باقي النصوص الشرعية في المسألة نفسها ،
فضربوا بعض النصوص ببعض (وبهذا أسكتهم ابن عباس -رضي الله عنه- ، فقد كان يأتيهم بباقي الأدلة في الموضوع نفسه ، فلا يجدون لذلك جواباً) .
وسبب ضلال الخوارج هو سبب ضلال طوائف عديدة من المسلمين . يقول الشاطبي رحمه الله أن أصل الضلال راجع إلي (الجهل بمقاصد الشريعة ، والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت ، أو الأخذ فيها بالنظر الأول ، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم) [1] .
ثانياً : الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم ، وتوحد صفهم ، وهذا ظاهر من موقف على -رضي الله تعالى عنه- ابتداء حين (جعل يأتيه الرجل فيقول يا
أمير المؤمنين : إن القوم خارجون عليك فيقول : دعهم حتى يخرجوا ، فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوا وسوف يفعلون) فكان -رضي الله عنه- حريصًا على أن لا يأتي
إلى الخوارج بشيء من القتال ونحوه يفرق به المسلمين ، ويضعف شوكتهم ، ما لم يخرجوا هم عليه ، أو يؤذوا المسلمين ببدعتهم .
وهذا الأصل متمثل أيضًا في موقف ابن عباس -رضي الله عنهما- في حرصه على الخروج إليهم وانتدابه نفسه للتفاهم معهم ، وتفنيد شبهتهم وإرجاعهم إلى الحق .
فهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلمون من الامتناع عما يضعف شوكتهم ، ومن بذل الجهد في جمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم ، ولابد أن نُتْبِع هذا الأصل بأصل
آخر وهو :
ثالثًا : ولعله من أصل الأصول وأعظمها لكثرة ما تشتد إليه حاجة المسلمين ألا وهو (السبيل إلى وحدة المسلمين وجمع صفهم) .
إن وحدة المسلمين أصبحت مقولة يقولها كل مسلم ، وكل جماعة ، فالكل ينادي بالوحدة والكل يزعم أنه ساعٍ إليها حريص عليها ، ولكن ما هو السبيل الحق
إلى تحقيق هذه الوحدة ، هنا موضع الخلاف ، وهنا تزل الأقدام ، وتضل الأفهام ، وتنحرف الأقلام .
إن وحدة المسلمين مطلب شرعي ومقصد عظيم من مقاصد الشريعة ، فلا بد أن تكون الوسيلة إليه شرعية . إن وحدة المسلمين يجب أن تكون عبادة نتقرب بها
إلى الله عز وجل ، والله لا يعبد إلا بما شرع ، وكل عمل ليس عليه أمر الشرع فهو
رد كما أخبر بذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- .
إن وحدة المسلمين بمعناها الشرعي الصحيح ، تعني أن يعودوا جميعًا إلى الفهم الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- على فهم السلف
الصالح ، هكذا وهكذا – فقط – يمكن أن نتحد ، وهذا هو السبيل الوحيد لوحدة الصف ، وهذا الذي سلكه ابن عباس وأقره عليه على -رضي الله تعالى عنهما- .
ذهب ابن عباس -رضي الله عنهما- إلى الخوارج حتى يعيدهم إلى الصف الإسلامي ، فبين لهم أولاً وقبل أن يناظرهم المنهج الصحيح ، فقال : (أرأيت إن
قرأت عليكم من كتاب الله المحكم ، وحدثتكم من سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- مالا تنكرون … ) إذن هو الكتاب والسنة والعودة إليهما ، وقد كان صرح لهم قبل
ذلك بالفهم الذي ينبغي أن نفيء إليه إذا اختلفت أفهامنا فقال : (جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن عند صهره ، عليهم نزل الوحي ،
وهم أعلم بتأويله) الله أكبر ! ما أنصع هذا المنهج وما أشد وضوحه ، الرجوع إلى الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح .
وبعد أن بين لهم المنهج شرع يدحض حجتهم ، ويفند شبهتهم ، ويوضح فساد منهجهم فمن عاد منهم وتنازل عن معتقداته وآرائه ، واعتقد اعتقاد جماعة المسلمين
فقد عاد إلى الصف ، ومن أبى وأصر على معتقده فهو خارج على الصف ولا سبيل للوحدة معه ، بل عندما آثار بقية الخوارج الفتنة ، قام إليهم علي -رضي الله عنه-
فقاتلهم ولم يتحرج في ذلك .
إن السبيل إلى وحدة المسلمين هو الاتحاد على الأصول الثابتة من الكتاب والسنة وكل سبيل آخر للوحدة لا تقره الشريعة ، ولا يجوز لنا – ونحن عباد الله سلمنا أمرنا إليه – أن نجعل منها صنمًا نستجيز من أجله كل وسيلة غير مشروعة .
إن الوحدة التي تنشأ عن ضم الطوائف المختلفة في الأصول في دائرة واحدة ، وإعطائها مسمى واحد على اختلاف عقائدها ، هي وحدة غير شرعية ، وإن الصف
الذي ينشأ عنها ليس مرصوصًا .
ولنتأمل في قول الله عز وجل : ] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [ ، ثم قال : ] وَلاَ تَفَرَّقُوا [ ، يقول الشاطبي رحمه الله تعليقًا على الآية : (تبين أن التأليف إنما
يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد ، وأما إذا تعلقت كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلابد من التفرق وهو معنى قول الله تعالى : ] وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [ [2] .
إذن فتضييع الأصول من أجل الوحدة سبيل غير شرعي ، بل هو فوق ذلك عمل لا يقره العقل ، وإليكم التوضيح .
إن التفرق بين المسلمين حاصل ولابد ، فكلام الله حق ] وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [ وكلام رسوله حق » تفترق هذه الأمة على ثلاث
وسبعين فرقة « ... وقال : » سألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها « فإذن
فإنه يستحيل في الواقع أن يزول الاختلاف تمامًا وأي مسلم يوقن بمعاني هذه النصوص ، ليس عنده طمع في ذلك فهذا أمرٌ قضى الله به ، ولكنه ستبقى طائفة
على الحق .
فإن كان الأمر كذلك فهل يعقل أن نفرط في أصولنا - ونحن معاقبون إن فرطنا - من أجل السعي في حصول أمر مستحيل .
إن كل مسلم مخلص صادق غيور يحزن على حال المسلمين ، ويغتم له ويتأسف عليه أسفًا شديدًا ، ولكن ليس الحل أبدًا أن نفرط في الأصول من أجل
تحقيق أمر قد قرر الشارع أنه لا يكون ، كيف وقد أمرنا الله بقتال طائفة من المسلمين إن بغت وهل يكون القتال إلا تفرقة ؟ بل وفيه ما هو أشد من ذلك ، ولكنه
أمر الله ] وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [ .
وعذرًا أخي القارئ إن أطلنا في هذا الأصل ، فلقد فحش فيه الخطأ والانحراف .
رابعًا : الحكم في تقييم الرجال: إن أحوال الخوارج من كثرة العبادة و الاجتهاد فيها غير خافية على أحد ، فلقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : » تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، وصيامكم مع صيامهم ..« وقال ابن عباس في وصفهم كما في هذا الأثر : (... لم أر قط أشد اجتهادًا منهم ، أيديهم كأنها ثفن الإبل ، ووجوههم معلمة من آثار السجود ... ) ومع كل هذا فلقد أتوا ببدعة خطيرة ، ووضعوا بذور الخلاف بين المسلمين، وليس من مسلم سليم العقيدة إلا ويذكرهم في معرض الذم ، ولم يذكرهم العلماء في مصنفاتهم إلا للتحذير من بدعتهم وبيان فساد معتقدهم دون أدنى فخر واعتزاز بعبادتهم .
إن المنهج الإسلامي الواضح ، يدلنا على أنه يجب تقييم الرجال أولاً من منطلق معتقداتهم وتصوراتهم ، وجميع السمات الأخرى -إذا أقرها الشرع - تأتي بعد ذلك لا قبله . فلو انطلقنا في الحكم على الخوارج من خلال شدة اجتهادهم في العبادة ، وجعلنا ذلك هو المقياس الأول في الحكم عليهم ، لكان ينبغي أن نجلهم ونحترمهم ، فنرفع درجتهم حتى فوق درجة الصحابة إذ يقول الرسول ،صلى الله عليه وسلم ، لصحابته في شأن الخوارج: » تحقرون صلاتكم مع صلاتهم « فكم يكون هذا التقييم سخيفًا ؟
ولكن الأمر يختلف تمامًا ، ويعود إلى نصابه الصحيح ، عندما يحكم عليهم من خلال معتقداتهم وتصوراتهم فنرى أنهم قد ابتدعوا في دين الله بدعة خطيرة فاحشة ،
فوضعوا بذور الخلاف والفتنة .
إن الاعتقاد الصحيح ، يليه العمل الصالح ، هو الذي يميز المسلم الحق المنتمي إلى أهل السنة والجماعة ، أما كل الاعتبارات الأخرى فإنه يشترك فيها
المسلم الحق مع غيره من أهل البدع والضلال . فلا ينبغي أن تكون معيارًا أساسيًا .
ونتيجة لانحراف هذا الأصل عند كثير من الإسلاميين -فضلاً عن عامة المسلمين -وجدنا من غالى في الثناء على جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده
وغيرهما ، وذلك أنه حكم عليهم من منطلق ظنه بأن لهم جهدًا مشكورًا في نشر الإسلام والدفاع عنه ، ولم يضع للاعتبار الأساسي وزنًا ، فلم يضع في حسابه أن
الأول كان شيعيًا ، وأنه كان عضوًا بارزًا في الماسونية ومؤسسًا لبعض فروعها في البلاد العربية ، وأن الثاني - مع إخلاصه في الدفاع عن الإسلام - قد أوَّل
المعجزات وقدم العقل على النقل ، وكانت له علاقة مشبوهة مع المستشرقين .
لقد شاع تعظيم بعض الرجال وتقديسهم على ما هو أقل من ذلك ، مثل قدمه في مجال الدعوة ، أو كثرة الأفراد الذين اهتدوا على يديه ، أو شدة التعذيب الذي
لاقاه من الطغاة ، أو طول فترة السجن في زنزاناتهم . ولا نعني بكلامنا أبداً أن مثل تلك الأعمال لا وزن لها ، بل لها فضل عظيم إن صح الأصل الأول ، وحتى لو لم
يصح فنحن نعترف بالحق ، ونثبت الفضل لكل صاحب فضل ، ولكن المحظور هو الانسياق وراء العواطف ، فنعظم الرجال ونتحمس لهم ، ونشهد بعدلهم وصدقهم
ونزاهتهم ، بل وكثيًرا ما نسمع من يشهد لهم بالجنة ! ! لأجل اعتبار من تلك الاعتبارات .
خامسًا : إن تبني الخوارج لموقفهم ابتداء لم يكن عن تثبت وتمحيص ونظر ولذلك فقد زالت شبهتهم ، ودحضت حجتهم بعد دقائق معدودة من بداية المناظرة ،
وإن كان القسم من الخوارج الذي فاؤوا إلى الحق يمدحون على ذلك لتجردهم وإخلاصهم ، وعودتهم إلى الجادة الصحيحة حينما تبين لهم ذلك دون مماراة ولا
مماطلة ، وإن كانوا يمدحون على ذلك فإنهم ينتقدون على سرعة تبنيهم للفكرة ابتداء دون تثبت وتمحيص .
إن الذين لا يعتنقون الفكرة عن اقتناع عميق بالفكرة ذاتها ، وبعد تثبت من أدلتها الشرعية الصحيحة بمنهج سليم ، يكثرون التنقل .
إن الدعوة المعاصرة تواجه تحديات ضخمة ، ومشاكل عدة ، من الداخل والخارج ، فما لم يكن أصحابها على قناعة شرعية قوية بأفكارهم ، وبأدلتها فإنه لا
يؤمن عليهم التذبذب بين الصف والصف إن بقي عندهم الحماس للإسلام ، أو الانتكاس إن فقدوا حماسهم لدينهم .
وإنه لمن المؤسف حقًا أن نرى كثيًرا من أتباع الدعوات ، أذهانهم خواء من
كل فكرة أصيلة ، مليئة بتاريخ دعوتهم وسيرة عظمائهم فقط هي زادهم في الطريق ، ودافعهم إلى العمل ، فنصيحتنا إلى كل مسلم مخلص ، أن يستوثق من أصوله ،
ويطلب عليها الأدلة الشرعية وأن يفهمها بالمنهج الصحيح ، وأن يفتش بتجرد عن قناعته بالأفكار التي يؤمن بها ويدعو إليها ، وينظر هل هي أصيلة أم أنها موجودة
بوجود المؤثر والمرغب ، فإن زال المؤثر زال التأثير ، ولنأخذ درسًا عظيمًا من الصحابي الجليل كعب بن مالك- أحد المخلفين الثلاثة-وقد هجرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وترك المسلمون السلام عليهم ، ثم جاءته الدعوة للجوء إلى من يعززه ويكرمه [3] فلم يتذبذب أو يتردد ، بل قذف رسالة ملك غسان إلى التنور لشدة إيمانه بأنه على الحق ، ونصيحة لإخواننا الدعاة : إن الذي يتبنى فكرة بسرعة ولظروف معينة عرضة لأن يتخلى عنها بنفس السرعة ، لظروف أخرى .
سادسًا : إن مخالفة ابن عباس التامة للخوارج في جميع الأفكار والتصورات لم تمنعه من العدل في القول ، فقد كان بمقدوره السكوت لكن العدل مع المخالفين
جعله يصفهم بما وجد فيهم -وإن كان في هذا الوصف مدح لهم -قال : (فدخلت على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم في العبادة … ) فعلى العاملين في حقول الدعوة
إلى الله الاتصاف بالعدل مع مخالفيهم ، وعدم الامتناع من ذكر محاسنهم ، بل ويحرصوا على أن يستفيدوا منها [4]
سابعًا : وما كان هذا الدرس بحاجة إلى أن يذكر لظهوره ووضوحه وكثرة الأدلة عليه ، لولا أن التفريط فيه قد وقع من كثير من العاملين للإسلام فضلاً عن
عامة الناس ، ألا وهو الحرص على صلاة الجماعة .
ولقد سمعنا حوادث عديدة عمن يفرطون في حضور الصلاة جماعة مع المسلمين في المساجد بحجة انشغالهم بطلب العلم ، أو ببعض البحوث الهامة ، أو
أنه وإخوانه يتداولون أمرًا يهم المسلمين ، فيعتذرون بذلك عن تفويتهم الجماعة .
فعلى هؤلاء وغيرهم ، أن يتأملوا في حال ابن عباس ، وقد انتدب نفسه لمهمة عظيمة ، لا شك في أن فيها مصلحة للمسلمين ، ومع ذلك فحرصه على صلاة
الجماعة شديد إذ يقول لعلي -رضي الله عنه- : (أبرد عن الصلاة ، فلا تفتني حتى آتي القوم فأكلمهم … ) .
فهل نفقه هذا الأمر ، ونعلم أن التمسك بأحكام الدين جميعها واجب على كل فرد ، وهو من أبرز سمات المسلم ، وهو من تعظيم حرمات الله ، فلم نتهاون ونتساهل في أوامر الله يا عباد الله ؟
ثامنًا : ينبغي على الدعاة إلى الله عز وجل ، من أصحاب المنهج الصحيح ألا ييأسوا من عودة الطوائف المنحرفة إلى المنهج القويم ممن أمعنوا في الضلال ،
فهاهم الخوارج على شدة بدعتهم وتمسكهم بها (حتى أن عبد الرحمن بن ملجم – أحدهم – قد قتل عليًا تقربًا إلى الله بقتله) ومع ذلك فقد عاد منهم كثير إلى الحق بعد
أن تبين لهم ، فلا ينبغي أن نيأس من عودة تلك الطوائف المنحرفة إلى الحق ، خاصة وأن كثيرًا من المنتسبين إليها هم من الأتباع حجبهم مشايخهم ومتبوعوهم عن
الاستماع للمخلصين خوف تذبذب موقفهم وتخليهم عنهم ، فلم يصل الحق إلى كثير من الأتباع حتى تحصل لهم المقارنة بينه وبين ما هم عليه .
فعلى الدعاة إلى الله أن يحرصوا على الوصول إلى الأتباع بعيدًا عن الملأ والمشايخ والقادة .
هذا ، ولا يزال في القصة دروس عظيمة ، منها أسلوب المناظرة والجدل مع أهل البدع ولعلنا نفرد هذا في مقال خاص ، ونشير في الختام إلى بعض الدروس
الأخرى الهامة ، التي لا يتسع المقام للتفصيل فيها ، ولعل في الإشارة إليها كفاية لأولي الألباب .
ففيها أن ينتدب الكفء نفسه للمهام وأن الإخلاص وحده لا يكفي في صحة العمل ، وأن على الداعية أن يغشى الناس في مجالسهم ، وعليه أن لا يستثار لانتقاد
ذاته ، وفيها أيضًا استئذان الفرد قائده إذا هم بفعل ما .
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا ، إنه سميع مجيب .


(*) ثَفِن : مفردها (ثفنة) بكسر الفاء : وهي ما ولى الأرض من كل ذات أربع إذا بركت ، كالركبتين وغيرهما ، ويحصل فيه غلظ من آثار البروك ، وتجمع أيضًا على ثفنات (النهاية 1/215) .
(1) الاعتصام للشاطبي 2/182 .
(2) الاعتصام للشاطبي 2/192 .
(3) اقرأ القصة كاملة في صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب حديث كعب بن مالك 8/113 رقم 4418 الطبعة السلفية الأولى .
(4) اقراً مقال : (وإذا قلتم فاعدلوا) من هذه المجلة _ البيان _ أعداد رقم 5 ، 6 .
{moscomment}