ضرب المجاهدين الشيشان بسلاح الفرق الصوفية!

بواسطة | محمود قابل
اطبع الموضوع
الجمعة 20 رمضان 1426

لم تنجح الإدارة الروسية حتى الآن في إغلاق ملف الشيشان، فما زالت أعمال المقاومة تتصاعد وقدرات القوات العسكرية الروسية في السيطرة على أرض العمليات تتلاشى، المجاهدون الشيشان هددوا، بمناسبة مرور العام الأول على عملية مدرسة بيسلان، بمواصلة عملياتهم في كل اتجاه، بينما تحاول إدارة الرئيس فلاديمير بوتين  شق صفوف الإسلاميين عن طريق خطب ود الفرق الصوفية ومحاولة تحييدها على الأقل في الصراع الدائر بينها وبين المقاومة الشيشانية.

ويبدو أن روسيا بدأت تحاكي الولايات المتحدة الأميركية في إقامة علاقات ود مع الفرق الإسلامية التي تحظى بشعبية في محيطها الإسلامي، ومثلما فعلت الإدارة الأميركية حين وطدت علاقاتها بأتباع الفرق الصوفية في دول منطقة آسيا الوسطى، تفعل الإدارة الروسية حاليا وتؤسس لعلاقة جديدة مع الفرق الصوفية المنتشرة في الشيشان، وقد أعرب شامل بنو وزير الخارجية الشيشاني السابق الموالي لموسكو، والذي يعمل حاليا كمحلل وناشط سياسي في العاصمة الروسية موسكو،عن قناعته بوجود ثلاث مجموعات إسلامية رئيسة تنشط في الشيشان وتتنافس فيما بينها على كسب ثقة الشعب الشيشاني المسلم.
وذكر بنو أن هذه القوى الإسلامية الثلاث هي: الكيان الإسلامي الرسمي الموالي للحكومة الشيشانية والمختص بالفتوى، والطرق الصوفية وقادتها، إضافة إلى ما وصفه بجماعات الإسلام السلفي الأصولي، وقال المحلل الشيشاني إنه وجه النصيحة للإدارة الروسية بالتعامل مع الفرق الصوفية التي لا تسعى لنشر أفكارها بالسلاح، وأن تتخذ من المساجد معبرا لتجميع الناس حول هذه الفرق، وذلك نظراً لأن المساجد هي المؤسسات الاجتماعية الوحيدة التي لها دور فعلي ملموس في الجمهورية، وهي التي سوف تحسم نتيجة الصراع بين هذه القوى الثلاث مما سيكون له دور رئيس في رسم صورة مستقبل الأوضاع في الشيشان.
وأضاف شامل بنو أنه علاوة على ذلك، فإنه ضمن أية منافسة سياسية سواء في الشيشان أو المناطق المحيطة بها عادة ما تستخدم الأطراف شعارات إسلامية للحديث عن نفسها وتقديم أطروحاتها، والأمر الهام في هذا السياق هو معرفة المنابع التي تستقي منها مثل هذه الشعارات التي غالباً ما تكشف عن طريقة تفكير أصحابها وتوجهاتهم، واعترف بنو بأن هيئة الفتوى في جمهورية الشيشان ورغم أنها قد تكون أكثر المؤسسات الداعمة للديمقراطية إلا أنها لا تحظى إلا بأضعف تأثير على الصعيد الشعبي نظراً لأن غالبية السكان الشيشان ينظرون إليها باعتبارها كياناً موالياً للحكومة التي هي بدورها موالية لموسكو.
وشدد المحلل الشيشاني على أن مؤسسة الإفتاء تعتبر بالفعل هي أضعف الحلقات في سلسلة القوى الإسلامية المتنافسة على الساحة الداخلية في الشيشان، وأرجع ذلك لبعض العوامل، منها أن القيادات الدينية في هذه المؤسسة لا يتم اختيارها بالانتخاب وإنما يفرضون من قبل الإدارة الحاكمة، كما أن لهم دوراً في تعميق الهوة بين الشعب الشيشاني من جهة والإدارة الحاكمة من جهة ثانية.
ويتطرق المحلل الشيشاني للقوة الثانية في التأثير على المجتمع الشيشاني، ألا وهي الطرق الصوفية، فيقول إنها تمارس بالفعل تأثيراً لا يمكن تجاهله، وذلك ليس فقط لما يتمتع به قادتها ومشايخها من نفوذ وسلطة في نفوس أبناء الشيشان، ولكن لأن موقفهم من مؤسسة الإفتاء الرسمية دائماً ما يتسم في الظاهر بالرفض الواضح مما جعل مشايخ الطرق الصوفية يحظون بمكانة كبيرة في الشارع الشيشاني وقد شهد العقد الأخير تغلغلاً ملموساً للإسلاميين الذين يتبنون المنهج السلفي الرافض للمؤسسة الدينية الرسمية من جهة وللطرق الصوفية من جهة أخرى.
الصوفية والقومية
وقضية الشيشان من أكثر القضايا في العالم زخما وصخبا، وهي شاهد أساسي على فشل وسائل التقدم العسكري في إسكات الصرخة القومية الشيشانية، فتاريخ الصراع ليس وليد ثلاثين سنة إنما منذ عام 1722 ولم يتمخض الصراع إلى حروب مفتوحة إلا في نهايات القرن الثامن عشر وتحديدا بانفلات يد روسيا نحو المناطق الإسلامية القوقازية، وقضية الصراع الشيشاني الروسي تسمى وفق الترتيب الأكاديمي بالصراعات الاجتماعية الممتدة، بمعنى أن لها سمات يدخل فيها الدين والإثنية والقومية، ويصعب فيها التسويات كما في صراعات أخرى لا تحمل هذا الانطباع، وهذا الصراع أخذ شكلا سياسيا منذ 1785 مع ثورة الإمام منصور، الذي قاد أول ثورة في شمال القوقاز وقد مر بثلاث مراحل: القيصرية، والشيوعية والفدرالية.
ووفقا لرؤية الباحث الشيشاني مراد رحمانوف فإن الحرب الأولى والتي انهزمت فيها روسيا شكلت نوعا من الخلخلة في المجتمع، ومن 1995 لنهاية حقبة الحرب الأولى برز تيار من المجاهدين تشكل من هؤلاء القادمين من أفغانستان ويتشكلون من مجاهدي الجيل الأول للمقاتلين العرب في بلاد الأفغان، وهؤلاء حملوا معهم أفكار تيارات السلفية الجهادية والتي بدأت في الانتشار بالشيشان، هذا التيار حين دخل أراضي القوقاز كان لديه تصور بضرورة فتح ملاذ آمن أو جبهة لاستكمال صراعهم التاريخي الممتد والعالمي، وكانت أجندة هذا التيار مختلفة عن أجندة التيار القومي الشيشاني مما أنذر ببروز الحقبة الثالثة التي بدأت منذ دخولهم داغستان في 1999.
وإذا كان التيار الجهادي السلفي هو الأكثر ظهوراً من الناحية الإعلامية في الفترة الحالية، فإن الطرق الصوفية تضرب بفرقها في جذور الأرض الشيشانية، فالشيشان تتميز بطبيعتها المجتمعية، وتاريخيا الشيشان هي صوفية،والصوفيون منقسمون إلى قسين، النقشبندية والقادرية.
 والنقشبندية هي الطريقة الأقدم في الشيشان، والتي بدأت في آسيا الوسطى، ودخلت إلى الشيشان عن طريق الإمام منصور وعليها جدل، وهي توصف بالطريقة الأرستقراطية،ولكن لأن الشعب الشيشاني لا يعتمد على الطبقية فقد جاءت النقشبندية مع الإشارة إلى أنها تعتمد على التمتمة والسر، في المقابل هناك التيار القادري والذي يعتمد على الجهر في الأذكار والموالد.
وتاريخيا فإنه حتى نهاية حروب الإمام شامل 1859 كانت النقشبندية هي التي تقود المقاومة، وبعد 1866 تولت القادرية قيادة هذه المقاومة عن طريق "النكوحدجي" الذي يعتبر أول من أدخل هذه الطريقة إلى الشيشان، وكان يدعو إلى الحل السلمي، ووقف الحرب في الشيشان، ورغم أنه داعية سلم إلا أنه اعتقل فخرج أتباعه يطالبون بإطلاق سراحه مما أدى لمقتل 4000 شخص منهم على أيدي القوات الروسية، ومن ذلك الوقت تحولت الطريقة القادرية إلى طريقة عدائية ضد روسيا، إلا أنها في الوقت نفسه لا تقف في مربع المجاهدين على اعتبار أن التيار السلفي الجهادي يرفض أفكارهم عن المزارات والأولياء، فالتيار الصوفي رغم عدائه للروس إلا أنه في الأصل عبارة عن تعبير ديني عن حركة قومية.
 فالصوفية لعبت دوراً كبيراً في حماية القومية والدين وفقا لما يراه أغلب الشعب الشيشاني، لكنها لا تملك أيدلوجية سياسية وليس لدى المتصوفة تاريخ نضالي في السياسة كما للتيارات السلفية، وهذا ما تدركه الإدارة الروسية جيدا لذلك تسعى لإذابة كل المشاكل التي كانت عالقة بينها وبين تلك الفرق في محاولة منها لاستخدامهم في حربها ضد المجاهدين، فهل تنجح!؟
——-
المصدر :  الوطن العربي ـ العدد 1490 23/9/2005

بحث سريع