سجل في معهده عليه الصلاة والسلام

بواسطة | الشريف محمد الصمداني
اطبع الموضوع
الأربعاء 27 ذو الحجة 1426
ما لي أراك مطرقاً ؟ إن هذا الرأس عزيز ! ارفع رأسك و انظر في الأفق … ستجد شمس محمد صلى الله عليه وسلم مضيئة .. تنير الطريق للمؤمنين ، و تحرق المنافقين و الكافرين بالقارعة ..
إذا رأيت تلك الشمس الملتهبة بحرارة الايمان ، و مررت بمدارها الوهاج ، و استنرت بنورها الفياض ، فبشر كل يهودي و نصراني بالنار إذ يموت على الكفر .. أليس يراها ويسمع بها ثم يبسط ذراعيه بالوصيد ، و ينام نوم أهل الكهف ..؟ و ها هم أولاء معاشر أهل الصليب يحاربونه و يسخرون منه في صحفهم .. إنها وسيلة المهزومين ! فلنبشرهم بأننا ما نزداد فيه إلا حباً و ولهاً ، ولا يزيدنا كيهدم إلا صبراً ..
يا شريف انتفض .. ؟ و يا سيد قم ؟! فإن الزمان يحتاج إلى الرجال و معادن الصدق و الاخلاص إنهم يريودن منك ما لا يريد منك جدك صلى الله عليه وسلم ؟! ألا تغيرك أخبار الصباح و المساء .. لعلك ما زلت تسمع إلى من شغلوك بالشرف و السيادة و أوهموك حلل الكرامة ، و أخبروك أنك ستعذب بالزمهرير و برد النار ، فأمنت !
من أنت .. ؟! أو : ما أنت ؟!
أ أنت صخرة من الجبال الرواسي لا تحركك الرياح العواتي .. احذر ففي آخر الطريق أبو لهب و امرأته حمالة الحطب ..
كأني بك تشرب من خمرة المتنبي حين سكبها إذ يقول :
و أبهر آيات التهامي أنه أبوك ..
تب و خسر بما قال في تلك القصيدة البائية ؟ إي والله ! و خسرتَ معه إن ظننتَ أن أبهر آيات محمد صلى الله عليه وسلم هو أنت أو جدٌ من أجداك العظام .. حاشا و كلا .. ! أيختزل كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من آيات و بينات و وحي و شريعة و أخلاق و تربية في رجل من آل بيته .. هذا الغلو و التطرف الذي يجب أن نحذر منه ..
مع نهاية العام ، أنت مدعو لأن تملأ عينيك من سماء محمد صلى الله عليه وسلم ، و أن ترتفع بنفسك لتحلق في أجواء هديه ، ففيه ظل بارد و شراب ،..
لمحمد صلى الله عليه وسلم معهد مفتوح و جامعة مبنية مشيدة الأرجاء ، حفظها اللطيف الخبير ، هل دخلت معهده ؟ هل اغتسلت بماء سنته ؟ هل حنكك أبوك بتمر عجوته ؟!
في زمن مضى كان الرجال الكرام يقتتلون على بصاقه صلى الله عليه وسلم .. فكيف بما سواه ؟ لست بحاجة إلى أوراق أو شهادات ، أو واسطات أو شفاعات ، لتدخل هذا المعهد الشريف .. افتح نفسك له ، و أعطه قلبك تعطيك سنته و هديه خير ما تريد و فوق ما تريد …
في معهد محمد صلى الله عليه وسلم و جامعته ، ستجد الأسود و الأبيض ، و الرومي و الحبشي و الفارسي … تجدهم في الصف الأول في المسجد ، تراهم ركعاً سجداً ، تراهم يحفظون القران ، و يتدارسون السنة ، و يراجعون الحديث و يطلبون العلم ، ستجد في هذا المعهد الباكين و الأوابين و التائبين ، والخاشعين ، فأين أنت من هؤلاء ؟!
عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قِبَل الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: "لن تراعوا لن تراعوا" وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، في عنقه سيف فقال: "لقد وجدته بحراً أو إنه لبحر" (رواه البخاري (6033) ومسلم (2307). وهو صلى الله عليه وسلم أتقاهم لله وأعبدهم له عز وجل، كما قال عن نفسه: "قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم" (رواه البخاري (7367
في معهد عليه السلام كليات متنوعة ، و فصول مختلفة ، .. وهو أدوار و طبقات متنوعة .. ما بين الدرجة و الدرجة كما بين السماء و الأرض .. يترآءون المنازل كما يترآءى احدنا الكوكب الدري … قد علم كل أناس مشربهم … أيعقل ألا تجد لك مكاناً في قسم أو مقعداً في فصل ؟ أو تختلس السمع أو تنتظر بالباب .. داوم القرع ، فربما فتح لك ..!
في معهد مفتوح لست تخشى من حركات الأستاذ ، و لا تحتاج إلى أقلام أو دفاتر ، و لا تخشى من نتائج سابقة أو لاحقة ، و لا أراك ستهتم بوسائل تعليمية و إيضاحية ،.. أخلص قلبك لله ، و جرد عزمك ، و تب ، و اخط خطوة التوبة ، و ابك في مجلس خال تناجي فيه ربك ، فإن الحسنات يذهبن السيئات ..
لقد كان ذلك المعهد النبوي الكريم – و لا زال – يمد الأمة بالرجال تلو الرجال ، فلقد علمهم كيف يفهمون أصول و آداب الاسلام .. ربط بين الرجل و المرأة في أبدع اتصال ، فكون بهم أسرة ، ثم ربط بين الأسر و العوائل ، فآخى بين املاهاجرين و الأنصار ، ثم ترقى درجة فربط بين الأجناس و الشعوب المختلفة فأخرج منهم خير أمة أخرجت للناس .. فلقد صهر الجميع على يديه بفضل الله ومنته فكانوا أمة ، و بالأمس القريب كانوا يقتتلون على ماء و فرس و امرأة ! " لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم "
كان معهده يتسع لسائر المدارك والعقول – و لا زال و هذا من أعظم الآيات و أبينها على صدق دينه – فكان يأتيه الأعرابي ، كما رواه أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ -والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبدالمطلب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"قد أجبتك" فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك، فقال: "سل عما بدا لك" فقال: أسألك بربك ورب من قبلك أالله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللهم نعم"، قال: أنشدك بالله أالله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ فقال : "اللهم نعم"، قال: أنشدك بالله أالله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ فقال : "اللهم نعم"، قال: أنشدك بالله أالله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"اللهم نعم"، فقال: الرجل آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام ابن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (رواه البخاري (63) .
وكما كان يعتني صلى الله عليه وسلم بالاستماع والإنصات ، كان عليه الصلاة والسلام يعتني بالخطاب والحديث ، فكان حسن الحديث، تصفه عائشة -رضي الله عنها- بقولها : "لم يكن يسرد الحديث كسردكم" (رواه البخاري (3568) وفي لفظ "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بينه فصل يحفظه من جلس إليه " (رواه الترمذي (3639)
في كلية القران من ذلك المعهد ، كان يعلم ابن أم عبد ، و يقول مربياً – عندما قال أأقرأ عليك و عليك أنزل – قال :" إني أحب أن أسمعه من غيري " !! ، و في ليلة قرأ عليه " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد و جئنا بك على هؤلاء شهيداً يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض و لا يكتمون الله حديثا " ، فإذا بالعينين الشريفتين تذرفان بالدموع ..
و في طريق من طرق تلك الكلية يستمع لأبي موسى بالليل و هو يرتل القران و يقول :" لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود " ! .. و في فصل قريب يقول لأبي بن كعب : إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة :" لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة " ..
و في كلية أخرى من ذلك المعهد العامر ، هي كلية العقيدة و الايمان ، تجد محمداً صلى الله عليه وسلم متجرداً و مشمراً عن ساق الجد و الاجتهاد بكل ما يملك من طاقات ليبث الايمان في الوجود " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " .. " و كان يأخذ بحُجَزِ الناس عن النار ".. في سكك المدينة كان يسأل الجارية :" أين الله ؟ " فتقول :" في السماء " !
و ذات يوم لقي أبا هريرة الدوسي ، فقال أبو هريرة -رضي الله عنه- : يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه "(رواه البخاري (6570).
كان يعلمهم الولاء والبراء ، الولاء للاسلام و أهله من كانوا و حيث كانوا ، و البراء من الكفار و أعمالهم من كانوا و حيث كانوا … و الانسان لا يكاد أن ينفك عن ولاء و براء ، بل هذا من ضرورة الخلق ، فإلم يوال الله و رسوله والذين آمنوا والى ما سواهما .. و ما سواهما " هو الآخر " الذي يكثر الطرق عليه في هذا الزمان .. !
في هذا المعهد الكبير ستشهد أنه صلى الله عليه وسلم لم يتغير بتغير الظروف المحيطة به ، فلقد كان وفياً لمبادئه التي دعا إليها ، فما دعا إليه في أول الاسلام ظل مستمسكاً به حتى الممات ، .. كان الزهد و الورع من اخص خصائصه ، تنام عينه و لا ينام قلبه .. يتأمل في ملكوت السموات و الأرض و صفات و أسماء الله الحسنى . كان أغنى الناس بالله و أفقرهم إليه ، لم تغيره الفتوح و لا الغنائم ، و كان يرجع من أوقات السبي والغنائم بأقل زاد و مركوب ..
أوصى صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا ذر -رضي الله عنه- بوصية تنبيء عن معرفته به ، و أنه كان يمارس تربية فائقة ، صقل بها النفوس و ربى الرجال ، و نفذ إلى مكامن الضعف الجبلي الذي لا تكاد تسلم منه نفس بشرية ، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي؛ لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" (رواه مسلم (1826).
في ذلك المعهد الكبير ، صدر الرعاء فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ( رواه أحمد (12493) 3/183 والترمذي (3790) وابن ماجه (154) .
في معهده كان يبحث عن النفوس فيوجهها لفاطرها و معبودها الحق ، و كان غيره يبحث عن الثروات .. كما نشتغل نحن الآن بالثروات .. حتى " الثروة السمكية " .. و لكن " ثروة الانسان " من حيث هو إنسان .. لا تزال تواجه ضغوطات وتحديات كبيرة .. !
لا أدري إن كان قسم وفتح لي ولك بخاتمة سعادة و خير في هذا العام و بدايته مع السجل النبوي المفتوح .. إلم يكن ، فإن الوقت ما زال مفتوحاً للتسجيل و الاشتراك في معهد النبوة الخالد .. كتب عبدالله ‏العمري العابد إلى الإمام مالك يحضه على الانفراد والعمل فكتب إليه مالك رحمه الله: " إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، ‏وآخر فتح له في الصدقة‏ ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد . فنشر العلم أفضل أعمال البر ، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير و بر " …
{moscomment}