د . أبو سليمان والوله بالمشاهد والآثار

بواسطة | د.عبدالعزيز بن محمدالعبداللطيف
اطبع الموضوع
السبت 16 ربيع الثاني 1427

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :
نشرت جريدة عكاظ مقالة في أربع حلقات لعبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان بعنوان : (( عناية الملك عبد العزيز رحمه الله بالأماكن التاريخية في مكة المكرمة )) . وذلك يوم السبت ( الموافق 3 ، 4 ، 10 / 3/ 1427هـ ) الثالث والرابع والعاشر من شهر ربيع الأول لهذه العام .
وقد اطّلعت على المقالة ما عدا الحلقة الرابعة – وكتبتُ الملحوظات التالية :
1- بالغ أبو سليمان في الاحتفاء بالآثار ، فادّعى أن (( المحافظة عليها يزوِّد الأمة بتيار روحي يجدد حياتها )) وهذه دعوى عريضة وتحتاج إلى بيّنة وبرهان ، بل إن الواقع على خلاف ذلك ، فمكتبة (( المولد )) ( مكتبة مكة ) قد نافح عنها أبو سليمان ، ولم يعقب ذلك تياراً روحياً أو متجدداً ، وإنما خلّفت أكواماً من التوسلات والأوراق المتكاثرة والتي يدسها جهلة الحجاج والزوار عند باب تلك المكتبة ! فأي روح بعثتها تلك الآثار !!
2- زعم أبو سليمان أن ترسيم الآثار وتجديدها من أحوال السلف الصالح وغالى في ذلك بكلام يفتقد إلى الدليل والتوثيق .. إلا إن كان مراده بالسلف: الخيزران ( زوج الخليفة العباسي المهدي ) ونموها ، ونربأ بأستاذ جامعي متخصص مثل د. عبد الوهاب – فضلاً عن كونه من أعضاء هيئة كبار العلماء أن يستدل بصنيع تلك المرأة ويجعل ذلك مسلك السلف الصالح ، ويتغاضى عن تحقيق المسألة بعلم وعدل كما في قوله : – (( تعامل السلف الصالح مع الأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو حدث له فيها أمر، أو لأحد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم بما يليق بهما انتساباً للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولصحابته الكرام ، شيدوا المساجد في مواقعها على من حلّ بهم .. )) .
يا د. عبد الوهاب لقد أبعدتَ النجعة ، وجانبتَ الحقيقة ، وتقوّلت على السلف الصالح فهذا الفاروق عمر رضي الله عنه لما رأى أقواماً يبتدرون مسجداً ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : مسجد صلى الله فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال : هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم ، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً ، ومن عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض . [ أخرجه سعيد بن منصور في سننه . وعبد الرزاق في مصنفه ].
وكان إمام دار الهجرة مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحد . كما ذكره ابن وضاح .
وأما ما فعله ابن عمر رضي الله عنهما من تحري قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن جمهور الصحابة على خلافه ، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار أنهم كانوا يتحرون قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم .
وإذا كان جهور الصحابة لا يتحرون مجرد تلك الأمكنة ، فكيف يُتقوّل عليهم بأنهم يحتفون بها ويشيدون عليها المساجد كما ظن أبو سليمان !
يقول ابن تيمية : (( إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم ينبوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح ولا جعلوه مشهداً أو مزاراً ولا على شيء من آثار الأنبياء مثل : مكان نزل فيه أو صلى فيه أو فعل فيه شيئاً من ذلك )) مجموع الفتاوى 17/ 466.
وكما قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية ورئيس القضاة في وقته (( أما اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم مزاراً للوافدين إلى البيت الحرام يتبركون به بأي وسيلة كان ذلك .. فهذا أمر لم يسبق إليه الصحابة الذين هم أعلم بما حصل في هذه الدار من الدعوة إلى الإسلام والاستجابة لها ، بل كانوا يعتبرونها داراً للأرقم له التصرف فيها شأن غيرها من الدور ، وأول من اتخذها مزاراً الخيزاران . – إلى أن قال رحمه الله – (( وعلى كل فعمل الخيزران ليس بحجة ، وإنما الحجة في عمل الصحابة رضي الله عنهم )) فتاوى محمد بن إبراهيم 1/152، 154، 155. باختصار .
3- أشار د عبد الوهاب إلى الآثار النبوية .. ومن المعلوم كثرة الدعاوى بشأن الآثار النبوية كالشعرات أو النعال ، ووجودها الآن يحتاج إلى برهان بيّن لا سيما مع مرور مئات السنين على تلك الآثار ، وكما قال العلامة أحمد تيمور : – لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة غير أنّا لم نر أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي فالله أعلم بها.
وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها من الشكوك )) الآثار النبوية ص 78 .
4- ساق د. عبد الوهاب مقالة القاضي عياض – رحمه الله – بشأن إكرام جميع مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمكنته وما لمسه بيده ..
والجواب عن ذلك : أن كلام القاضي عياض لا يستدل به ، وإنما يستدل له ، وكلامه موهم ومجمل ، والعبرة بإتباع الدليل وموافقة السلف الصالح الأوائل ؛ فلم ينقل عنهم مع توافر دواعي النقل ، ذلك الإكرام والاحتفاء ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه .
5- تحدّث د. عبد الوهاب عن هدم حجرات النبي صلى الله عليه وسلم – زمن الوليد بن عبد الملك – وإدخالها المسجد ، وأن سعيد بن المسيب رحمه الله قال : – ولله لوددت أنهم تركوها على حالها .. ليكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر .
وهذا ظاهر فإن سعيد بن المسيب كره هدمها من باب الزهد وعدم الانهماك في العمران ، لا سيما وأن الوليد بن عبد الملك مولع بالبنيان ، والناس على دين ملوكهم ، فلم يكن ذلك من سعيد من أجل قصدها وتحري الدعاء عندها ، بل إن ابن كثير ألمح إلى أن إنكار سعيد بن المسيب إدخال حجرة عائشة في المسجد ، كراهية أن يتخذ القبر مسجداً ( ينظر البداية 9/75 ) .
وعلى كلٍّ فإن كان سعيد بن المسيب كره هدمها لأجل الزهد – كما نقله د عبد الوهاب فهذا نقيض مقصود دعاة إحياء المشاهد ، إذ يسعون إلى عمار البنيان على المشاهد ، وتشييد المساجد والمكتبات فالله المستعان .
6- أطال د عبد الوهاب في مسألة عناية الملك عبد العزيز بالآثار ، فادعى أن الملك عبد العزيز رحمه الله من المولعين بتعظيم الآثار ، وهذه دعوى عارية من البرهان ، فليس مجرد منح الملك عبد العزيز أرض المولد – كما يقولون – ونحوها دليلاً على دعواه ، بل لو قيل بالعكس لكان الأمر أقرب ، فلو أن الملك عبد العزيز مولع بالآثار – كما ادعى أبو سليمان – لما منح الأرض للشيخ عباس قطان، ولأقام ذلك بنفسه.
وأما احتجاج أبي سليمان بصكوك محكمة مكة سنة 1373هـ فما أوهى تلك الحجة وأضعفها ، ومتى كانت الصكوك دليلاً شرعياً على تعظيم الآثار ؟! ولو سلّمنا بذاك الاحتجاج وكان صنيع رئيس محكمة مكة دليلاً ، فإن فتوى رئيس القضاة في جميع هذه البلاد ( الشيخ محمد بن إبراهيم ) تنقض ذلك ، لا سيما وأن فتوى سماحة الشيخ محمد متأخرة سنة 1383هـ ، فأين الموضوعية يا أستاذ الجامعة ويا عضو هيئة كبار العلماء .
ولا يليق بأبي سليمان أن يتعلق الأموات ويشغب بهم على الأحياء من علماء هذه الأمة ، ومنهم هيئة كبار العلماء ، والذين يمنعون اتخاذ المشاهد وتعظيم تلك الآثار .
7- لاحت ( العصرنة )) في مقالة أبي سليمان – كما في الحلقة الثالثة – وبدا النَفَس العقلاني جلياً ، فمرة يقول: ( العلماء السلفيون الوسطيون ) ! وأخرى يقول : (( الفكر الوسط المستنير .. ) وثالثة يقول : (( إن توظيف هذه الأماكن التاريخية بطريقة عقلانية .. ) ولا أدري كيف يستوعب أبو سليمان هذه العصرنة وهو يدعو إلى إحياء الآثار واتخاذ المشاهد ! فالدعوة إلى إحياء الآثار تناقض العقول – والنقول – فأرباب المشاهد في سكر وفناء واصطلام ..
فأين الإستنارة والعقلانية ؟!
إنها ازدواجية ومعادلة شائكة إلى حدّ التناقض ، فهل يمكن الجمع بين اتخاذ المشاهد وتعظيم الآثار والقائم على غيبة العقل وخنقه وبين تعظيم الآثار وفق عصرنة واستنارة ؟!
وأخيراً فإن الواجب علينا لا سيما في ظل هيمنة الغرب أن ندعو إلى التمسك بدين الله وإتباع سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وتعظيم النصوص الشرعية ، والثقة بمنهج أهل السنة والجماعة ، والحذر من الابتداع في دين الله تعالى ، وسدّ أبواب الشرك وذرائعه كما هو واقع في تلك المشاهد والآثار ..
أسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين وأن يهيئ لهم من يقضي أسباب الفتنة ويزيل آثار الغلو والابتداع والله المستعان

{moscomment}