آل البيت بين الصورة المغالية والصورة المجافية

بواسطة | الشريف شاكر الفعر
اطبع الموضوع
الخميس 20 جمادى الأولى 1427

إن الحديث عن آل البيت موضوع شائق تشرئب إليه قلوب المؤمنين وتمتد إليه أعناقهم، كيف لا وقد أوصى المصطفى صلى الله عليه وسلم بهم وتواردت الأمة على العناية بهم ومعرفة قدرهم تعظيماً لحق المصطفى صلى الله عليه وسلم الذين هم أهله وكرشه وعيبته، وهم الثقل الثاني الذي أوصى به فقد أخرج مسلم في (صحيحه) حديث زيد، من طريق سعيد بن مسروق، وأبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان كلاهما -واللفظ للثاني- عن يزيد بن حيان عمّ ثانيهما، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بماءٍ يُدعى (خُمّا) -بين مكة والمدينة- فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال :
(أما بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربي فأُجيب، وإني تاركٌ فيكم ثَقَلين. أوَّلهما كتابُ الله، فيه الهُدى والنور، فَخذوا بكتاب الله واستمسكوا به -فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه- ثم قال: وأهلُ بيتي. اُذكركم الله في أهل بيتي، أُذكركم الله -ثلاثاً- في أهل بيتي) .
فقيل لزيد: من أهل بيته، أليس نساؤُه من أهل بيته ؟ .
قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قيل: ومن هُم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس رضي الله عنهم.
قيل كلُّ هؤلاء حُرِمَ الصدقة ؟ ، قال نعم.
قال الامام العلامة السخاوي في استجلاب اتقاء الغرف بحب اقرباء الرسول وذوي الشرف:
وناهيك بهذا الحديث العظيم فخراً لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لأن قوله صلى الله عليه وسلم:
(انظروا كيف تخلفوني فيهما) ، و(أوصيكم بعترتي خيراً) ، و(أُذكركم الله في أهل بيتي) .
على اختلاف الألفاظ في الروايات التي أوردتُها، تتضمن الحث على المودة لهم والإحسان إليهم، والمحافظة عليهم، واحترامهم وإكرامهم، وتأدية حُقوقهم الواجبة والمستحبة. فإنهم من ذُرية طاهرة، من أشرف بيت وُجدَ على وجه الأرض، فخراً، وحسباً، ونسباً.
ولا سيما إذا كانوا متَّبعين للسنَّة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعليٍّ وآل بيته وذويه رضي الله عنهم انتهى كلامه رحمه الله.
وأهل السنة والجماعة في هذا الشأن وسط بين طرفين فليسوا من الغالين الذين ينزلون آل البيت فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، ويذرفون الدموع ويأججون الأحقاد ويجعلون من آل البيت سوطا يجلدون به ظهر الأمة قائمة قاعدة والذين أضاعوا الثقل الأول بزعم العناية بالثقل الثاني، ولا هم من الجافين الذين لا يعرفون لأهل البيت حقهم وقدرهم ولا يتبعون وصاة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم.
أهل البيت جزء عظيم من هذه الأمة المباركة التي يسعى بذمتها أدناها، وهم كل على من سواها وليس بخارجين عنها، مؤتمرون بأمر الشرع مؤتسون بجدهم صلى الله عليه وسلم معظمون لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمعون الناس ولا يفرقون راحمون متراحمون هكذا هم وهكذا ينبغي أن يكونوا.
لقد سعدت أيما سعادة بالطرح الذي طرحه المشرف على موقع آل البيت في موضوع (آل البيت في المجتمع المسلم المعاصر) الشيخ الشريف محمد بن حسين الصمداني والذي يدل على وعي كامل بالصورة الكبيرة لهذا الموضوع الهام،وليست الصورة المشوهة المبتسرة التي تحصر آل البيت في ركن من الأركان وتفصلهم عن الأمة وتؤجج بما جرى عليهم الأحقاد أو التي تحصر المعرفة بآل البيت بالمعرفة بأنسابهم فقط ويتحول الأمر إلى مجرد مفاخرة أو رغبة نفسية في صرف وجوه الناس بدل أن يكون معيناً على تنفيذ الناس لوصاة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفتهم هم لعظيم التبعة عليهم فالأمر أعظم وأجل فالواجب على من يحمل هذا النسب الشريف أن يشهد عليه بالحق والخير والهدى والصلاح واتباع السنة لا أن يشهدوا عليه زورا بالبدعة والضلالة واتباع الهوى، وإن كانت العناية بأنساب آل البيت حق وواجب لابد أن يقوم به من هذه الأمة من يسد باب الأدعياء المتسورين على النسب الشريف المتأكلون به ولما يترتب على المعرفة به من أحكام شرعية وحقوق مرعية.
وهذا وكما قرأت في المقال ومن تصفح الموقع ما شرح الله له صدر أخينا الشيخ الشريف محمد بن حسين الصمداني ومن أجله أسس هذا الموقع المبارك، فالأمة في حاجة ماسة لهذا الطرح الوسطي المعتدل الذي يهتدي بسنة المصطفى وعمل الصحابة الأبرار وآل البيت الأخيار ولقد كان استشهاده بالحسن بن علي رضي الله عنهما الذي جمع الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وتنازله لتأليف القلوب وجمع الشمل أعظم الأثر في النفس.
فإننا أحوج ما نكون في هذا الزمان لهذا المثال المشرق في هدايته الذي يسعد أهل الإيمان ويكون نبراساً لنا في زمن تموج فيه الفتن كموج البحر فكم سفكت دماء وكم تمالأ بعض ممن ينتسب الى الإسلام مع الأعداء من أجل لعاعة دنيوية أو سلطة زائفة.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أشكر الأستاذ عبد العزيز قاسم الذي عودنا في ملحق الرسالة لجريدة المدينة الغراء على إفساح المجال للرؤى والأفكار التي تثري الساحة الثقافية وتجلي الحقائق وتقرب بين متباعد القلوب.

{moscomment}