بناء القبب على قبور آل البيت

بواسطة | الشيخ عبدالرحمن البراك
اطبع الموضوع
السبت 12 رجب 1427

سماحة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر البراك حفظه الله ورعاه
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أمابعد فتعلمون-حفظكم الله- ما يتنادى به علماء الرافضة في هذه الأيام من السعي والمطالبة ببناء الأضرحة والقباب في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقبرة البقيع وغيرها وكتبوا في ذلك كتبا وفتاوى.فما حكم فعلهم هذا؟وما هو الواجب نحوهم؟بينوا لنا ذلك بيانا شافيا.


وعليكم السلام ورحمة وبركاته

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم من لانبي بعده أمابعد:

فقد استفاضت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والسنن والمسانيد في النهي عن رفع القبور والبناء عليها وتجصيصها وتسوية مارفع منها.
فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح- أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) ولهما عن عائشة رضي الله عنهما: (لما نُزِل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال- وهو كذلك- (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا ولولا لأُبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)ولفظه عند الإمام أحمد قال: (قاتل الله اليهود والنصارى) وروى مسلم عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبابكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وروى الإمام مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد) وروى مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته).


فتضمنت هذه الأحاديث تحريم هذه الأفعال ولعن فاعليها وأنهم شرار الخلق عند الله، وفي هذه الأحاديث دلالة على شدة خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من أن ترتكب ما ارتكبته الأمم قبلها من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فقد نهى عن ذلك أولا، ثم نهى عنه قبل أن يموت بقبل خمس ليال، ثم لعن وهو في السياق من فعل ذلك.
فبناء المساجد والقباب على قبور الأنبياء والصالحين من الصحابة والتابعين وأهل البيت المكرمين لقرابتهم من سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بناؤها من المحدثات في الدين، وقد حدثت في هذه الأمة بعد القرون المفضلة في القرن الرابع في دولة بني بويه الرافضية، وورث ذلك عنهم فرق الرافضة، فبنيت المشاهد على قبور الأئمة الحقيقية والوهمية، فمن ذلك ما يظنونه قبرا لعلي رضي الله عنه في النجف، وقبر الحسين في كربلاء، وقبر موسى الكاظم في الكاظمية في العراق، وما يعرف بقبر السيدة زينب في سوريا إلى غير ذلك.
وانتقلت هذه البدعة من الرافضة إلى فرق الصوفية في العالم الإسلامي، فلم يسلم من هذا المنكر العظيم والشر المستطير إلا القليل من بلاد المسلمين، حتى مكة والمدينة أفضل بلاد الله قد كانت فيها القباب على بعض القبور في البقيع والمعلاة، ولكن الله طهرهما من معالم البدعة والوثنية على يد الدولة السعودية السنية السلفية في النصف الأول من القرنين الثالث عشر والرابع عشر، كما تطهر كثير من نواحي الجزيرة العربية.
وقد ساء ذلك طوائف الرافضة والصوفية وغاظهم، لذلك فهم يبغضون هذه الدولة، وما قامت عليه من دعوة الإصلاح والتجديد لمعالم التوحيد وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدون لها ويسبونها، ولم يكونوا يتفوهون بالتدخل في شؤون المملكة وشؤون الحرمين إلا في السنوات الأخيرة، ومن ذلك: دعوتهم إلى بناء القباب على أضرحة آل البيت رضي الله عنهم في مكة والمدينة، والرافضة يظهرون ذلك باسم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وهم يعلمون أو لا يعلمون أن ذلك مخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم واستفاضت به سنته من تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وما قام به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم من طمس الصور، وتسوية القبور المشرفة، كما تقدم ذكر أدلة ذلك.
فهؤلاء المفتون من الرافضة بوجوب السعي في إعادة بناء قبور أهل البيت في البقيع وصرف الأموال عليها، هؤلاء محادون لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ومخالفون لشريعته، ومعاندون لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه الذي أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمر أبا الهياج الأسدي بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنقول لهؤلاء المفتون ومن وراءهم: هيهات!! فلن يكون – بإذن الله- ما راموه، فقد تبين الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولن تتخلى الدولة السعودية إن شاء الله عن نصرتها لدعوت التوحيد، ومحاربة الشرك والبدع، وحماية الحرمين عما يدنسها، ولكن يجب على ذوي الغيرة والحمية السنية ألا يتهاونوا بالأمر وألا يسكتوا، بل عليهم أن يحذروا ويحذرِّوا من مكايد العدو المتربص، وأن يكشفوا خططهم ويرصدوا تحركاتهم للحيلولة بينهم وبين ما يريدون، وعلى علماء هذه البلاد أن يبينوا حكم البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وأن يحذروا ولاة الأمر من أهداف الرافضة، وعلى الحكومة السعودية وفقها الله أن تحذر من خداع الرافضة، وأن تقطع أطماعهم فيما يسعون إليه، وتعمل على كل ما فيه تعظيم الحرمين، وهي قادرة على ذلك بعون الله وتوفيقه.
نسأل الله أن يحفظ هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين ممن يريدها بسوء، إنه تعالى على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..