المشروع الإيراني الصفوي في العراق

بواسطة | د. ربيع الحافظ
اطبع الموضوع
الأربعاء 01 ذو الحجة 1427
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى الصحابة والتابعين، ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.
أيها الأخوة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا جمع طالع انتظاره. أقصد أن يتداعى أهل السنة من بلادهم المختلفة، تدفعهم مفاهيمهم، يلتقون تحت عناوين سياسية حقيقية، يناقشون أخطاراً محدقة بهم وبمجتمعاتهم وبهويتهم ورسالتهم، أغفلتها مفاهيم مستعارة عمت مجتمعاتهم عقوداً طويلة.
أتوجه بالشكر والتقدير إلى الحملة العالمية لمقاومة العدوان، والقائمين عليها، على هذا البذل، وعلى المشاق التي واجهوها أثناء الإعداد لهذا المؤتمر.
وأحيي من على هذا المنبر هذه البلاد، شعباً وحكومة، على استضافتها لأعمال هذا المؤتمر، وأقف إجلالاً لوقفة هذا الشعب، التي ستخلدها دواوين التاريخ لا محال، وتتناقلها الأجيال جيلاً إثر جيل، يوم قسّمت امبراطورية الظلم في القرن الواحد والعشرين العالم إلى فسطاطين، فسطاط "معنا" وفسطاط "ضدنا"، واصطفت أمم الأرض في طابور الغنائم السخية، قبل أن يشتعل أوار الحرب، حين قال هذا الشعب: لا، بل نحن مع فسطاط تاريخنا وحضارتنا. لا، للبوارج المرابطة قبالة السواحل، التي تنتظر الأذن بالنزول على التراب التركي في طريقها لغزو العراق.
لا، ولسان الحال يقول، لا والذاكرة الجماعية تقول: تلك بلاد ذدنا عنها وعن دمائها وحرماتها ومقدساتها قروناً من الزمان. ونحن وإن باعدت بيننا السنون، وباعد بيننا مكر الأمم، ذائدين عنها اليوم، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
لم يختر هذا الشعب أضعف الإيمان، بل قالها بعضلة اللسان.
تحية إكبار لكم أيها الأشقاء على هذا الوفاء، وأنتم أهل لهذا الثناء، في وقت عز فيه الأخلاء، وكثر فيه الغثاء.
وأحيي في هذا المقام الذي تخطو فيه الحملة العالمية لمكافحة العدوان خطوة نوعية، فضيلة الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي، الذي كان له الفضل بعد الله في إرساء أسس هذا الصرح، داعياً الله تعالى أن يسبغ عليه ثوب العافية، وأن لا يحرم الأمة عطاءه، وأن يكثر من أمثاله.
* * *
أما بعد
من حقنا وحق علينا رفع الصوت بشكوانا، من حقنا إبداء عواطفنا، من حقنا إسماع العالم ماذا يفعل الصفويون الجدد بالصوت والصورة، عن سمل العيون، عن ثقب الجماجم، عن الجثث التي تطفو على مياه دجلة، وتلك الملقاة في الطرقات والمزابل، عن الحرائر اللاتي ينتهك عفافهن، عن هدم المساجد وتعطيل الصلوات وقتل المصلين، عن اغتيال العقول والعلماء والمبدعين والضباط.
حق علينا أن يعرف العالم عن تطويق المدن وتجويعها وهدمها على رؤوس ساكنيها، عن التهجير الطائفي، عن حرق التراث وطمس الحلية العباسية لبغداد. عن أسماء عمر وعثمان وعائشة التي أصبحت عبءاً أمنياً على أصحابها.
حق لأهل بغداد أن تصل رسالتهم من وراء أبوابهم المؤصدة، وأحيائهم المحاصرة، إلى التاريخ، من أن حكم الصفويين الجدد أنسى الذاكرة البغدادية ذكريات هولاكو.
حق على القلب أن يحزن، حق على العين أن تدمع، ونحن لما حلّ بك يا بغداد الرشيد لمحزونون.
جُعلت معبراً للشعوبية والطائفية إلى جوارك العربي، وإنا لما حل ويحل بك يا لبنان لمحزونزن، ولما حل بكِ يا شام لمحزونون.
* * *
حق لنا وعلينا أن نرفع الصوت بذلك كله.
ولكنه حق لشعبنا وأوطاننا وأجيالنا القادمة علينا، أن نفكر من واقع الحزن هذا، تفكيراً يتوفق على تفكير الصفويين من واقع النشوة. فالتفكير والتفكير المضاد ضرب من ضروب الحروب، لا ينفع فيها غير تجانس السلاح.
الاحتلال الأمريكي خسر المعركة العسكرية أمام المقاومة العراقية، لأنه لا يملك سلاحها، وحاربها بإدارة وإرادة خاطئة.
* *
كل احتلال يبدأ بفكرة، وتقطف ثمرته فكرة، وما بين الفكرتين حرب. أي أن الفكرة هي ثلثي الاحتلال، والثلث المتبقي هو الحرب، وهو وسيلة.
الثلث الختامي هو الطور المدني، الذي تتوارى في الدبابة، وتنشأ فيه "الحكومة الوطنية"، ويستمر فيه برنامج الاحتلال. الدخول فيه لا يكون بالدبابة والهمر، وإنما بالأوراق السياسية، وإبرام الصفقات.
هذا الرواح والمجيئ الكثيف في المنطقة للدبلوماسيين العرب والأجانب، والتقارير المقدمة من المعاهد الاستراتيجية، والمحاربين القدماء، والمساومات، والتسريبات السرية هو حراك هذا الطور.
ولكن لننظر قبل ذلك كم تغير حال المنطقة العربية منذ 2 صفر 1423 / 9 نيسان 2003.
في اليمن، فتن طائفية . في مصر، حملات شتائم مذهبية إعلامية، ودعوات لتدويل الأزهر ولوزير شيعي للأضرحة. في لبنان، أول انقلاب عربي تقوده إيران . في البحرين شغب طائفي بأصابع صفوية . في سوريا تفشي الحوزات وحملات التشييع . في المشاعر المقدسة، ممارسة الطقوس الطائفية الصفوية الاستفزازية . في دول شمال إفريقيا والسودان تغلغل طائفي في الوسط الاجتماعي . في الأحواز، بطش غير مسبوق بالعرب سنة وشيعة.
في الصعيد السياسي، ولادة للمدار السياسي والأمني الفارسي الذي يستقطب الأجرام المنفلتة من المدار القومي العربي المتداعي . معالم عودة المحور الفارسي – الرومي . تراجع مفهوم المواطنة . استيقاظ الحس الطائفي في المجتمعات العربية . شيوع ثقافة الفدراليات . ازدهار ما يسمى بالسياحة الدينية الإيرانية، وتحولها إلى رافد للاقتصاديات العربية المحلية.
زعيم عربي وصف المنطقة بأنها برميل بارود ينتظر الانفجار.
تداعيات احتلال العراق لم تعد شأناً عراقياً، وهي اليوم شأن وهاجس أمني وسياسي وطائفي في كل مجتمع عربي.
الأواصر الاجتماعية التي نمت وقويت في هذه المنطقة الغنية بالأعراق والمذاهب والأديان، وأوجدت مجتمعات فاعلة، إثر الهزة العنيفة التي أحدثتها لها تغيرات الحرب العالمية الأولى، هذه المجتمعات تتفكك اليوم عروى عروى، على طول الخطوط الطائفية والمذهبية، محدثة أزمة طائفية شعوبية لا تقوى ثقافات المجتمع المدني على التصدي لها.
السؤال الذي يسأل: هل يمكن أن يكون تحول بهذا الحجم، وبهذا الزمن القياسي، عملاً عشوائياً؟ هل إخلاء الأحياء السنية الواحدة تلو الأخرى، وتفكيك "الأحزمة السنية" حول بغداد الذي يسير بدقة الساعة السويسرية، عملاً عشوائياً؟ هل توقيت الانقلاب الذي تقوده إيران في لبنان عشوائي؟
إلى متى إذاً، نتصدى لمياه الفيضان بأكياس رمل تملأ في اللحظة الأخيرة، وتُرمى بعد تراجع مناسيب المياه، ثم تعاد وتملأ؟ متى نفكر ببناء سد يعصمنا من الطوفان ولو بعد حين؟
إننا في كل أزمة جديدة نرفع الصوت، وندق أجراس الخطر، ولكن كم مرة استوقفنا مركز كمركز (المركز العالمي للعلوم الإسلامية) "جيهاني علوم إسلامي"، الذي يعمل في الظل وبهدوء، الذي تأسس في طهران في 1979 وأعيد إطلاقه قبل عامين؟
" المركز (GCIS)ـ يذكر باحث متخصص بالشأن الصفوي ـ مقره طهران ويخضع مباشرة إلى مرشد الثورة الإيرانية، ويشرف على المراكز و المستشاريات الثقافية الإيرانية في الخارج، التي يرأسها عادة أشخاص على صلة مباشرة بالاستخبارات "إطلاعات"، وتقوم ظاهرياً بتولي شؤون الطلبة الأجانب الراغبين دخول الحوزة الدينية في ايران بمنح دراسية لا تقل عن ألف منحة سنوياً لكل بلد ، ولكن الحقيقة هي أن مركز "جيهاني"هو وراء ظهور الأحزاب والحركات الشيعية التي انتشرت في المنطقة كالفطر.
"نجح المركز في إيجاد فروع له في باكستان وأفغانستان و طاجيكستان وأذربيجان والخليج والعراق و اليمن ولبنان و مصر وفلسطين. وله فرع في أفريقيا. وفي السودان، ثمانية عشرة مقر إيراني تحت أسماء وخدمات مختلفة بخلاف العرف الدبلوماسي، وفي السودان دعوى بوجود أكثر من أربعمائة ألف متشيع، ولهم تنظيم له أكثر من سبعة آلاف منهم منظمون ألكترونيا، وذلك حسب موقعهم على الانترنت، فكم وراءهم من العامة؟
من أراد التعرف على السياسة المستقبلية لحكومة في الدول المحترمة، لا يذهب إلى مقر الوزارة، بل يزور واحداً من هذه المراكز، ليلقي نظرة عن المستقبل وهو في طور الصناعة.
هذا المعهد وأمثاله هو منطقة الضغط العالي التي تهب منها الريح الصفراء على منخفضنا السياسي، فكم مؤسسة لدينا تعمل عمله؟ وأين ما هي الأمصال المضادة لجراثيمه التي تحقن في جسد الأمة؟ من يشخص المرض ويصف الدواء؟ لا شك أن صيحات المريض هي أول مؤشر على وجود المرض، ولكن ماذا بعد الصيحة؟
لابد أن نعترف ونسجل للصفويين صبرهم الطويل على 9 نيسان 2003. لقد أعدوا لمثل هذا اليوم عدته مرات ومرات، دون وصب أو ملل، وحاولوا تحقيقه مرات ومرات مع البرتغاليين ومع الروس والإنكليز، وكان أضعف الإيمان عندهم إشهار الفرحة والاحتفالات في عموم إيران، في كل مرة ينكسر فيها العثمانيون أمام روسيا في حروب البلقان، ويقضم القياصرة جزءاً من الأراضي العثمانية. فنشأت أجيال على الضغينة والكراهية، كانت ذخيرة ليوم 2 صفر 1423 / 9 نيسان 2003.
لا عجب أن لم نكن نحن العرب أهل مدنية وحضارة، فقد كان العربي يعشق الغزو لمغانمه السريعة، ويبغض الزراعة لأن فيها انتظار وحصاد، قد يأتي وقد لا يأتي، حتى جاء الإسلام وصقلهم، وصادف فيهم عبقرية عمر ودهاء جعفر ودراية بني أمية بأحوال الأمم، حينها صاروا يخططون، ويقتبسون، ويفاوضون، ويصبرون.
* *
الاندفاع الصفوي الإقليمي الممنهج في العمق العربي متواصل، لكن مأزق المحتل أمام المقاومة العراقية، وحرصه على تدشين الطور المدني، يثب بهذا الاندفاع وثبات نوعية، إلى أعماق جديدة في الجغرافيا السياسية للمنطقة. ليس بسكاكين جيش المهدي هذه المرة.
الاحتلال إقليمي المقاصد والتنفيذ من اللحظة الأولى؛ "لولا طهران لما سقطت بغداد"، بحسب أكثر من مسؤول إيراني. والخلاف الذي يقع عادة في مرحلة الغنائم ويكون نقطة الاختلاف بين اللصوص ولحظة الأمل الأخيرة لصاحب الحق المسلوب. هذا الخلاف يتحول بين شركاء الاحتلال مع إشراقة كل يوم جديد إلى وفاق، وإلى بورصة.
إيران تكثر بدهاء تاجر البازار أوراقها وتعزز موقعها التفاوضي مع أمريكا، والثمن المقبوض هو: النفوذ في العراق، والنفوذ في لبنان، وتثبيت سوريا المنفلتة من المدار العربي، في مدارها الجديد.
أمريكا تلعب ورقة إيران وسوريا ضد المقاومة. وإيران تحرك بيادقها في جنوب لبنان، وتلعب الورقة النووية، وتنال أجر حرب لم تطلق فيها طلقة واحدة، ولم تنزف قطرة دم واحدة. شعارات حزب الله ترفع في العراق، وشعارات جيش المهدي ترفع في لبنان.
النتيجة: الورشة السياسية لهذا الطور من الاحتلال لم تعد في العراق، وإنما هي حيث تكمن الأوراق السياسية والصفقات والأحلاف والمساومات.
* *
نحن، وبكل الاعتبارات، على أعتاب حقبة جديدة. ولكن قبل الخروج من الحقبة المنصرفة، لابد من تسجيل حقيقة للتاريخ.
لقد كان أهل السنة ولا زالوا أحرص الناس على وحدة الأوطان.
ليس هذا رأيهم بأنفسهم.
صدورهم تزدان، بأوسمة الوطنية التي منحتها لهم شعوب العالم، عربيها وأعجميها، مسلمها وكافرها، لأنهم الوحيدون المتشبثون بالحل الوطني، ولم تكن لديهم مشاريع طائفية أو قومية.
العشائر الشيعية العربية، تناشد زعامات أهل السنة وتخاطب فيهم حس الأكثرية والمسؤولية: لا تتركوا العراق للصفويين.
مفكرون شيعة عربي منصفون يصفون سنيهم الثلاثة تحت الاحتلال: بأنها سمو فوق المذهبية والطائفية، لأنهم بوصف المفكرين، يفكرون بطريقة الأكثرية. وأن الذي يفعله أهل السنة في العراق اليوم، فعل مثله إخوتهم أهل السنة في لبنان أثناء الحرب اللبنانية، عندما كان لكل طائفة لبنانية في الحرب الأهلية مشروعها الفئوي ومليشيتها، إلا أهل السنة، لأنهم كانوا لبنان بأكمله، وما بعد لبنان.
* *
حول هذا المعنى، يقول المفكر الكبير وإمام العربية المعاصرة، الأديب السوري من أصل كردي محمد كرد علي: أهل السنة أحرص الناس على رضا الأقليات التي تعيش في كنفهم، لأنهم هم الدولة، والدولة هم، وهم رب البيت الحريص على تماسك بيته.
لم يكن مصادفة أن أَخرجت هذه المدرسة من عقم الفسيفسائيات العرقية، حضارة خصبة متعددة الأعراق، هي أعظم ما قام على وجه الأرض، ومن الهشاشة الاجتماعية لمجتمع الأقليات سبيكة متماسكة فاعلة.
أيها الأخوة:
هذا قدرنا، هذا تكويننا، هذه شخصيتنا. هذه أدوارنا، رسالتنا حلول اجتماعية لبني البشر. قدرنا هو أن نقود.
قدرنا أن نكون المادة الاجتماعية التي تلاصق بين الملل والطوائف والأعراق والأديان والقبائل لتجعل منهم مجتمعاً ينير دروب البشرية. وهل يخلق الله تعالى الناس على ألسنة وألوان شتى ولا يقدر لهم مدارك التعايش؟
ما من كتلة من دون مركز ثقل، ولا حضارة من دون طيف ذي مقومات أكبر وصلاحيات أوسع، ولا معتقد إلا وفيه مدرسة هي الأقرب إلى فطرة الإنسان أو أواسط الأمور، وجميعهم يؤدي دور القاطرة، وأهل السنة هم وسط هذه الأمة ورئة الإسلام.
وحسبنا أن حرية الأديان في أوربا اليوم كانت اشتقت من نظام الملل العثماني، الذي أوجدته مدرسة الأكثرية، وصارت بلادنا بسببه ملاذاً آمناً لمضطهدي الشعوب الأخرى وأولهم اليهود.
التفكير الذي يتسع للجميع، الذي يهيمن ولا يستأصل، هو عافية للجميع. للشيعي العربي الذي تزدريه الصفوية، للمسيحي، للصابئي، للدرزي، للقبطي، ولكل من يريد لأجياله القادمة ملاذاً آمناً كالذي ضمنه هو لنفسه، وصان خصوصياته، ومعتقده، وحقه في الحياة والتنافس والنجاح، وكان به جزءاً من النسيج العام. لكنه اليوم يهجر أرضه وبيته ويؤم أستراليا وكندا.
* *
قبِل أهل السنة التنازل عن تلك المفاهيم والأدوار يوم قامت الدولة الحديثة إثر الزلزال السياسي الكبير الذي ساد المنطقة. وكانوا من تَحمّل الثمن الأكبر، باستعدادهم للتعايش على قدم المساواة مع شركاء الوطن الجديد رعايا الأمس، وقبلوا اقتسام أوسمة الحضارة وأمجاد التاريخ مع أقليات لم تضع في صرح الحضارة لبنة واحدة، ولم يكن لها شرف إيصال الرسالة إلى شبر واحد جديد من المعمورة التي يرفع فيها اسم الله اليوم، فضلاً عن تحرير شبر مغتصب منها، بل كانت عوناً لكل عادي. كان ذاك الثمن المدفوع حضارياً وفكرياً، معبراً للمجتمعات الجديدة إلى شاطئ الأمان السياسي.
إقصاء هذه الشخصية عن معادلة الدولة الوطنية الحديثة يعني الموت السريري، الذي يعقب فصل جهاز الإنعاش عن المريض، ويعني الحروب الأهلية، والعراق خير مثال، وهو مثال قابل للتكرار في أي بلد عربي أو مسلم آخر.
هذه حقائق تؤكدها الوثائق السياسية والتاريخية، وتؤيدها نظريات الاجتماع، وهي أوسمة حضارية على صدورنا، وشأن للمفاخرة، لكنها ومع ذلك بقيت طي الكتمان، ولم تتحول إلى مضمار للمعايرة الجهرية، لا لشيء، ولكن شخصية "الكبير" وكبرياء مفاهيم الأكثرية نأت بأهل السنة عن ذلك، وعن التعرض لمركّبات النقص المزمنة عند الأقليات، التي تطفو على السطح كلما انفرط عقد المجتمع.
ربما حانت لحظة السؤال المؤجل منذ عقود، سؤال منعه ماء في فمنا نحن وضعناه، وهو: كم نالت الثقافة الوطنية من مفاهينا هذه، كم نالت منها حتى جعلت الوثوق بذاك القدر شكاً، والحسم تردداً. الثقافة التي أردناها، لعقود تسعة، أن تكون كساءً تغطي سوءات الطائفيين على مدى تاريخ هذه الأمة، لكنهم أبوا إلا أن يمزقوا الكساء ويبدوا سوءاتهم دون حياء مع أول فرصة.
لقد دافع أهل السنة عن الأوطان حتى الرمق الأخير. ولكن أمَا وقد ذبحت الدولة، أمَا وقد قوّض مفهوم المواطنة، أمَا وقد انسحبت قيادات الشيعة بتحالفها مع المحتل انسحاباً من العقد الوطني بأجلى صورة، أمَا وقد دوِّل النزاع، أمَا وأمَا، فإنه أهل السنة يجدون أنفسهم من جديد أمام مفاهيمهم ومسؤولياتهم التاريخية التي عطلتها ثقافة الدولة الحديثة.
وهم حريصون أن لا يكونوا آخر من تنطبق عليهم المقولة الشهيرة: "الثورة يخطط لها العباقرة، وينفذها الشجعان، ويقطف ثمرتها الجبناء"، ثم يكونوا ضحية أوراق سياسية كاسدة.
واهم من يظن أن بمقدور أهل السنة العيش بأجندات الغير، فهم بخلاف الغير أمام مسؤولية مزدوجة: محلياً، هم وعاء الفسيفساء الكبير. في تعافيهم السياسي تعافٍ للأقليات التي عاشت في كنفهم، وفي سَقمهم التشظي والشللية والطائفية وحماماتها الدموية، والواقع شاهد على ذلك.
وعالمياً، فهم سواد المسلمين وأمام مسؤولية أممية. فهذا العالم لن يعرف الاستقرار، والفراغ السياسي يضرب سدس سكانه الذين يعيشون على رقعة جغرافية اسمها العالم الإسلامي.
* *
خير استهلال للحقبة الجديدة، هو بما بدأت به الحقبة المنصرفة، كنا غضضنا عنه وعن أمثاله النظر في أجواء الثقافة الوطنية، حديث يساوي حديث كرد علي بالقوة، ويعاكسه في الاتجاه، يقول جون فيلبي، الجاسوس الإنكليزي الذي ساهم مع لورانس ومس بيل في إعادة تشكيل المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى:
(.. وهكذا لم تسقط المؤسسة التي كانت امتداداً للإمبراطورية العثمانية بل بقيت بعد سقوطها تتصدر القيادات العربية في كل عاصمة عربية وبقيت العائلات العربية السنية التي كانت بلادها لدى الباب العالي هي التي تتزعم وتقود بلادها بعد زوال الأتراك، ومضى نصف قرن كامل قبل أن تبدأ المؤسسة السنية بالانهيار أمام ضغوط الفرق والملل والطوائف والمذاهب .. واتفق الجميع على ضرورة "سحق" الشارع السني أو تقليم أظافره وخلق زعامات "غير سنية" قادرة على أن تتحداه وتنتصر عليه ).
نظرة سريعة إلى حال المنطقة العربية بعد ثلاثة أعوام على الاحتلال ونزول الصفويين من هضبتهم، تبرز جملة حقائق، وتحدد موقع أهل السنة بعد تسعة عقود من الصورة التي تحدث عنها فيلبي:
1) أن التحول الطائفي في العراق مشكلة أعقد بكثير من مجرد تحول سياسي ضمن حدود دولة مجاورة.
2) الأوراق المحلية المتاحة لدول المنطقة كل واحدة على انفراد، لا تلبي مطالبها في السيادة والإستقرار وتماسك المجتمع.
3) توغل سياسي وثقافي صفوي عميق، وانتقال المعسكر الصفوي من "البر" السياسي والنبذ الاجتماعي، إلى قلب الطيف السياسي والاجتماعي في مجتمعات المنطقة، توغل تماهى رؤاه السياسية والفقهية بالتدريج في مفاهيم الخط العام فيها، وهو اليوم رقم مهم في عملية ما يسمى بالاصلاحات السياسية والاجتماعية في هذه المجتمعات، ما يمثل له زخماً كبيراً في اندفاعة قادمة.
4) أحوال ثقافية وسياسية ـ محلية وإقليمية ـ غير مؤهلة لصد مد فكري طائفي على درجة عالية من الإعداد.
5) خطر طائفي في طور العنفوان بامتدادات إقليمية، تقابله ثقافات قُطرية هرمة ومنكفئة تجاوزها الزمن.
6) دول ومجتمعات ومؤسسات وإعلام، تقوم جميعها على سيكولوجية الأغلبية التاريخية، وعلى التعفف الطائفي المقيِّد للأداء في المناخات الطائفية، ما يضع دول المنطقة وشعوبها في وضع دفاعي صعب.
7) تشبث إيراني بدور مستقبلي في العراق، وصولاً إلى الهلال الشيعي وسواحل البحر المتوسط، والالتفاف على الغريم التركي.
8) مستوى العلاقات السياسية والثقافية بين دول المنطقة ذات القلق المشترك، لا يخدم مواجهة الأزمة وتطويقها.
9) انتفاء الحرج الطائفي لدى الشارع أمام حمامات الدم ومشاريع الدولة الطائفية وزوال مفهوم الوطن والمواطنة.
10) أجواء هولاكية تطلق قناعات شعبية جديدة واسعة في الشارع.
المشهد يحمل أسباب المشكلة ومعالم الحل معاً.
القناعات موجودة لكن الصياغة السياسية غائبة. الصفويون في نزهة سياسية، وصرخات التحذير من الهلال الشيعي والصفوية مفردات غير مفهومة عند شارع وضع ضمن ثقافة طمست هذه المفاهيم قرابة مائة عام.
الفكر القومي الانفعالي النشأة الذي قاد المنطقة، يتهاوى تحت ضربات المشروع الطائفي، ويتخبط أمام شارعه؛ يشجب إيران في العراق، ويمتدح حزب الله في لبنان، والإثنان وجهان لعملة واحدة، ويخلف وراءه فراغاً فكرياً، في ظرف يشهد فيه العالم عودة الدين إلى السياسة.
شعوبنا بحاجة إلى:
· ملء للفراغ الفكري القائم، ورؤى فكرية بصيغ مبسطة يتفاعل معها الشارع.
· الشروع الفوري بندوات وبرامج فكرية في القنوات الفضائية، وإطلاق قناة فضائية لهذا الغرض.
· تدارك الخلل الإقليمي الحاصل في التوازنات الفكرية.
· خروج عملي من ذهنية سايكس ـ بيكو والحسابات القومية، ووضع مفاهيم واستراتيجيات مشتركة بين شعوب المنطقة، كخطوة في اتجاه طور الكتلة الإقليمية.
· إنعاش العلاقات الثقافية بين الشعبين العربي وشقيقه التركي، وفتح حوار فكري مستمر لتطوير المفاهيم المشتركة، وإزالة آثار الحواجز الثقافية للحقبة السابقة.
· تمهيد فكري يمنح الدور تركي أوراقاً سياسية فاعلة في المنطقة، يتناسب مع حجم ومكانة الدولة.
· إيجاد منظومات استراتيجية تعنى بالمفاهيم السياسية والنظريات الاجتماعية عند أهل السنة.
نسأل الله تعالى أن يحفظ الإسلام والمسلمين والأوطان من لحظة شيطانية في تاريخ البشرية، تلاقت فيها مصالح المسيحية المتصهينة مع الساسانية المتشيعة.
نسأله تعالى أن يرحم أرواح شهداءنا، ويعصم دماءنا، وينزل السكينة على قلوب الأرامل والثكالى واليتامى والمشردين، وأن يوحد كلمتنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .