قواعد السادة الأشراف ولاة مكة

بواسطة | الطبري
اطبع الموضوع
السبت 19 ربيع الثاني 1428
للأشراف و السادة أخلاقُ كبيرة و قواعد كثيرة كانوا يسيرون عليها في تعاملهم مع الناس ، و  على قدر معادن الناس ومعادنهم تكون المعاملة ، و قد ذكر الطبري جملة من قواعدهم ، و هي كالآتي :
- من قواعدهم : إكرام ذوي البيوت ، والالتفات إليهم ، وتحيتهم لمن وصل اليم بسلام القدوم ونحوه ، والمرة بعد الأخرى ، وإن مات رئيس يحضر صاحب مكة والسادة للصلاة عليه ، ويعزون أقارب الميت ، وقد وقع ذلك مراراً عديدة ؛ ففي عام إحدى عشرة بعد الألف انتقل القاضي علي ابن جار الله بن ظهيرة ، فحضر الصلاة عليه مولانا وسيدنا السيد الشريف أبو طالب بن حسن وإخوانه وبنو عمه .
وفي عام ثمانية عشر بعد الألف انتقل جدي الإمام محمد بن يحيى الطبري فحضر الصلاة عليه مولانا وسيدنا الشريف إدريس بن حسن والسادة الأشراف واتفق في عام ثلاثة وثلاثين بعد الألف أن انتقل إلى رحمة الله تعالى سيدي ووالدي ، فحضر ختم القرآن عليه بتربتنا بالمعلاة سيدنا ومولانا السيد الشريف محسن بن الحسين بن الحسن- رحمه الله- وحضر معه جماعة من السادة الأشراف .
وحضر في عام ستة وثلاثين بعد الألف مولانا وسيدنا السيد الشريف محسن بن الحسين –رحمه الله تعالى- وجماعة من السادة الأشراف عقد زواج مؤلف هذا التاريخ بالمسجد الحرام ، وكان العقد المذكور ليلة الخميس ثاني ربيع الثاني من العام المذكور في الحجر ، فقام الشريف ومن معه بمصلى مولانا الشريف بالمسجد الحرام وقد حضروا . وقد شاهدنا مولانا ملك العصر ؛ وسيدنا الذي افتخر به الدهر ؛ مولانا الشريف زيد بن محسن- أطال الله عمره ودولته- حضر الصلاة على جنائز لبعض الأعيان من أهل مكة المشرفة، جزاه الله على فوائد فضله ، وأدام سلوكه على قوانين سلفه الكريم وأصله .
ومن (قواعد سادتنا) إذا مروا على جماعة من الأعيان يميلون عند السلام إليهم، ويشيرون جهتهم بيدهم الشريفة، ومن لم يكن من الأعيان يشيرون إليه بالمنديل ونحوه .
ومن قواعد سادتنا: إكرام الواصل إليهم من الأعيان الفاضلين بالقيام من بعد ، وقد شهدت سيدنا ومولانا السيد الشريف إدريس ومولانا، وسيدنا السيد الشريف محسن بن الحسين – رحمهما الله تعالى- ينهضان للقيام للوالد عند رؤيته داخلاً من باب المحل الذي فيه الدوابه ؛ والمراد بها في عرفهم المجلس العام.
ومن قواعد سادتنا – أطال الله أعمارهم- أنهم إذا شكي إليهم أحد من الأكابر لا يرسلون إليه بحضرة الشاكي، بل يقولون: نرسل إليه ونسأله عن ذلك ، فإن كانت الشكاية في مكتوب يرسلون بنفس ذلك المكتوب إلى ذلك المشكي .
ومن قواعد سادتنا الأشراف : أن جهة اليمين في مجلس صاحب البلد لبني عمه ، وجهة اليسار للفقهاء والأعيان ولبعض ذوي البيوت القديمة، ولبني شيبة الجلوس بين يدي صاحب البلد وقراءة الفاتحة عند الانصراف.
ومن قواعد سادتنا الأشراف: أنه إذا مات فاتح البيت الحرام يحمل مفتاح الكعبة المشرفة إلى صاحب البلد ، ثم يصل إليه من جرت العادة بتوليته للمنصب ، فيسلمه صاحب البلد مفتاح الكعبة المشرفة .
ومن قواعد سادتنا الأشراف : جلوس الأكابر معهم في الروشن والدكة ، كما ذكرناه، وكانوا لا يمكنون من ذلك كل أحد، وإذا قدم عليهم شخص من ذوي الاستحقاقات وأراد الجلوس تحت الروشن أو المركب لضيق المحل، يشير الشريف إلى الحاضرين بأخذهم له وتوسعة مجلس له .
وقد اتفق في بعض الأعوام أن جلس متعاطوا تفرقة الصر ورئيسهم لتفرقة الصر في المسجد الحرام على دكة من حجارة مبنية عند باب رباط الداودية بالمسجد الحرام ، وجلس بعض الأعيان تحت الدكة ، فوصل الولد – رحمه الله- ورأى هذه الحالة ، فطلع من فوره إلى مولانا الشريف إدريس بن حسن واخبره بالقصة ، فأمر في وقته أن ينزلوا عن الدكة ويجلسوا مع الناس.
- وهذه القواعد التي ذكرناها لا يستحقه كل أحد ممن يقال فيه انه من الأعيان ، ولا يستحقها إلا من كان متأصلا من قديم الزمان.
ومن قواعد سادتنا الأشراف: أنه لا يحدثون القيام لمن لم يكن له في ذلك سلف سابق ونصيب من الفضائل والمعارف ، وسارت له اليد الطولى في العلوم ، فحينئذ يحدثون له قياما.
ومن قواعد سادتنا الأشراف : أن منصب الحكومة السياسية بمكة ، لا تكون إلا في عبيدهم وأولاد عبيدهم ، وكذا منصب الدويدارية ، وأما الكتاب فهم على أقسام قرابتهم ،ورئيسهم هو المسمى بالدويدار ، ثم بعده جماعة منهم من يختص بكتابة أجوبة الأعيان ؛ كقاضي القضاة الأفندي الأعظم وغيره وفي الغالب أن هذا المقام من ذوي الفضيلة والأدب. وقد يكتب اجوبة غير هؤلاء السادة الأشراف والمقاديم في البلدان ومحاسبيهم ، وأنه مخصوص بالدويدار.
وكان في زمن مولانا الشريف حسن – رحمه الله تعالى- كتبة عديدة؛ منهم صاحبنا الشيخ فخر الدين أبو بكر بن محمد الخاتوني ، والشيخ علي الزرعة، والشيخ عبد الله بن جلال ، والآغا يوسف الكاتب ، إلا أنه كان غالبا مختصا بما يرد على مولانا الشريف من الأبواب من المكاتيب التركية ونحوها إذا كان خارج البلد وكان هؤلاء الكتبة ملازمين ركاب الحضرة الشريفة في الحط والترحال. وأما القيام بخدمة تلقي ما يرد من المكاتبات الرومية المصرية ونحوها فهو منصب مستقل، وكان الآغا بهرام الشريفي قائما بهذه الخدمة الثانية ، ثم أضيفت إليها الأولى ، إلى أن ولى القائد احمد بن يونس منصب الوزارة ، فكان كل أرباب الخدمة تحت كلمته ، فيعرضون عليه الأمور وهو يعرضها على سيدنا ومولانا السيد الشريف الأعظم .
- وتلقي الأغراب القادمين منصب مستقل ، وكان كل أرباب المناصب لا يتعدى خدمته القائم فيها، ولا يتجاوزها إلى غيرها مما لم يعين فيه من الخدم.
- ومن قواعد سادتنا كبقية الملوك: أنه لابد وأن يكون مصاحب من الأكابر العلماء ذوي البيوت، ملازم لحضرة سيدنا الشريف في الإقامة والسفر يقرا الكتب العلمية والأدبية بين يدي الشريف ، ويعبرون عن هذا الشخص بالمصاحب.
وقد كان الوالد مصاحبا لسيدنا الشريف الحسن بن أبي نمي – رحمه الله تعالى – ،وكان ملازما حضرته الشريف في الإقامة والسفر ، وصنف كثيرا من الكتب باسم خزانته العالية، فاسبغ عليه سيدنا الشريف نعمه المتواترة المتوالية.
- ومن قواعد سادتنا كبقية الملوك: مراعاة من انتسب إلى جنابهم الكريم والنظر ، بعين العناية إلى من عرف بأفعال سلفه القديم ، فلهم من يد الالتفات إلى ذوي الفضائل القديمة والبيوت القديمة ، ولهم مزية على الغير سيما إذا كانوا من ذوي العلوم والمعارف، وقال بعض السادة الأقدمين من ولاة مكة: مراعتنا لذوي البيوت ، إنما هو لمعرفتنا بإخلاصهم من أسلافهم ، وشاهد ولاة مكة الإساءة من جماعة وردوا عليهم واحسنوا إليهم.
- ومن قواعدهم القديمة : أنهم يسالمون ذوي البيوت مناكبة ، ويجلسونهم معه في الروشن والدكة ، لا يرضون بأن الغير يتصدر عليهم في مجلسهم ، ولا يعلمون أمورهم إلا منهم واليهم ، فلا يدخل في أمر يتعلق بهم أحد من أركان الدولة وكان ولاة مكة تحث ذوي البيوت على طلب العلم وخدمة الفضائل ، ويحثونهم على تحصيل عظيم الشمائل ، ويصرحون لهم بان كوكب الفضيلة ساطع وشهاب الجهل متضائل ، فكانوا حينئذ مجتهدين في السعي في طرق التحصيل ، بالبكر والأصيل ، ومما يدل على مزيد الوداد بين سادتنا الأشراف وذوي البيوت بمكة ما نقله السيد الشريف الفاسي في تاريخه المسمى بـ"العقد الثمين" في ترجمة الخطيب البهاء الطبري من أنه وقعت مراسلة بينه وبين الشريف حازم بن شميلة بن أبي نمي في قصة اتفقت بينهما ؛ وهي أنه كان بمكة قصار اسكندراني أخذ للخطيب البهاء عرضيا ؛ والمراد به الطيلسان ، ليقصره ، فأكله وأكل أجرته ، وبعد مدة جحده ودخل على السيد حازم ، فكتب إلى السيد حازم البهاء الطبري ما صورته :
من غص داوى بشرب غصته فكيف يصنع من قد غص بالماء
من أقل العبيد المحب محمد بن عبد الله بن البهاء الطبري :
أبا سلطان يا زين الموالي ويا حمي المعالي والعوالي
ويا بن الأكرمين أبا وجدا ومن يوالي المنى قبل السؤالي
ويا ابن شميلة بن أبي نمي تأمل وارث يا هذا لحالي
أيحسن أن يروح الثوب قصرا بلا قصر ويقصر في المحالي
ويأخذه وأجرته عليه ويضحك باليمين أبو الهزال
وأصبر ثم أصبر ثم يبغي عليه نزيله ضرب النزال
وما جرمي سوى صبري على ما بدا منه علي ولا يبالي
وتشفع في هواه لا لشيء إلى الرحمن أشكو ما جرى لي
أما أنت الذي تدري وتفري وتقري والمهذب في الفعال
توسط واشترط واجعل طريقا إلى الأنصاف يا عذب المقال
فعندي حرقة نزعت فؤادا صلى منها أيبرد قط صالي ؟!
وها أنا حملت له إيذائي وموتى هان عن غبن الرجال
فلا تحفل بنصاب تعدى وأسرف في التعنت والمطال
عليك أنا الدخيل فلا تلمني ولا تعتب علي ولا تغالي
فإن تنصف عذرت وكنت أولى بإسعاف لدى ود موال
وعندي أن عندك لي محلا أروح به من الإنصاف خالي
بقيت مخلدا ركنا خطيبا لمن يرضاك من جور الليالي
فرد عليه حازم قائلا :
بهاء الدين وفقت المعالي عليك ضبات بيضك والعوالي
وفخر فيك من جد وجد يطال بهم ومن عم وخال
أبوك أبي وانت أخي وصنوي وآلك في الحقيقة خير آل
ويعرف في المواضي الود منكم وتصريح النوالي بالنوال
وقد أحسنت من تأييد ظني إذا فأسأت في ولن ترالي
قديم صداقة وصريح ود حافظه على طول الليالي
ولكن قد فعلت ولن تبالي فها أنا قد صبرت ولن أبالي
فكتب إليه البهاء الجواب :
أبا سلطان يا مولى الموالي وقاك الله من غير الليالي
جزاك الله خيرا من كريم كساه الله أثواب الجلال
أتاني منك إحسان مشوب أطلت به استقالي وانشغالي
حلالي شهده لونا وريحا فلما شربت منه ما حلا لي
وصلت وما وصلت وصلت غيظا بلفظ وقعه وقع النصال
متى قل لي أسأت بكم وفيكم ؟ تحملني على ضيق احتمال
أحازم يا منيع الجار مالي بعتبك طاقة وتركت مالي
فما آثرت ذا كذب ونصب ولم يخطر ببالكم احتفالي
صبرت وما حليت علي عينا وإن شئت وهبت ولا أبالي
فأرسل السيد حازم مستعذرا من البهاء فيما وقع منه ، فترك البهاء حقه ، وخرج القصار من الحبس رعاية لخاطره . انتهى كلام الفاسي .
ويرشد إلى ما ذكرناه في وقوع الود قول والدنا – رحمه الله تعالى – في منظومته ؛ عند ذكر مناقب مولانا وسيدنا الشريف الحسن بن أبي نمي رحمه الله تعالى :
قمن هنا مكة صار مصرا محشوة بالعالمين طرا
وقبل هذا العهد لم يقم بها إلا أناس شغفوا بحبها
نحو ذوي البيوت ممن قطنوا دهرا بها واستوطنوا أو سكنوا
لذا انتهت إليهم الرياسة بطيهم مناصب النفاسة
والغير يدعى بمنادى الملك أيا من قضى مرامه فسلك
ارحل إلى بلادك الأصلية من يمن او جهة شامية
فإن هذا البلد الحراما واد بلا زرع يرى ولا ما
فيرحلون من عدا من ذكرا من أهلها ، خلص من قد أمرا
فإنهم شوكته القوية وخادموا حضرته العلية
فلم يزالوا هكذا أبا فأب مقترنين من أعالي ذا النسب
وأقدم البيوت بمكة جماعتنا الطبريون ؛ فإن الشيخ فخر الدين عمر بن فهد ذكر في كتابه : " البيتين في تراجم الطبريين" أن أول من قدم مكة منهم الشيخ رضي الدين أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن علي بن فارس الحسيني الطبري ، قيل : في سنة سبعين وخمسمائة، وقيل : في أول التي قبلها ، وانقطع بها ، وزار النبي – صلى الله عليه وسلم -، وسأل عند رأس النبي أولادا، علماء، هداة مرضين، فولد له سبعة أولاد فقهاء ، ثم عدهم وقال : وكانوا كلهم علماء مدرسين . إلى غير ذلك مما نقله في مناقبهم ،وسرد نسبهم الشريف إلى الحسين بن علي بن أبي طالب – كما ذكره- فإنه قال في ترجمته أبي بكر هذا ما صورته : " أبو بكر بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي بكر بن علي بن فارس بن يوسف بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الواحد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الحسيني ، الطبري " .
وما نقله فخر الدين المذكور من سرد نسبهم ذكره والده الشيخ تقي الدين ابن فهد ، والشيخ عز الدين بن فهد في معجمه وفي كتابه " نزهة ذوي الأحلام بأخبار الأئمة والقضاة ببلد الله الحرام" ، والشيخ جار الله بن فهد في معجمه وفي رسالته " القول المؤتلف" وغيرهم من المؤرخين المعتمدين العلماء ؛ كالشيخ جلال الدين السيوطي ، والمحدث محمد بن أحمد بن الوادي في ترجمتهم بذلك ، والشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر، في خطبته المطولة ، والخطيب الحمصاني المكي ، والسيد محمد أفندي ، وغيرهم من جهابذة الأئمة والعلماء .
وأما طيهم المناصب العلية ينتطق بها ألسنة تواريخ مكة وغيرها ، ومما منحهم الله به – وله الحمد على ذلك – أن غالبهم علماء، وأنهم لم يخل بيتهم من عالم من منذ أن كانوا ، نسأل الله دوام هذه النعمة بحوله وقوته .
{moscomment}