الاسماعيلية في اليمن

بواسطة | إدارة الموقع
اطبع الموضوع
السبت 19 ربيع الثاني 1428
 
بطاقة الكتاب
الكتاب: الشيعة الإسماعيلية.. رؤية من الداخل
المؤلف: علوي طاه الجبل.
الناشر: دار الأمل/ القاهرة.
 
عرض الكتاب
يتكون الكتاب من مقدمتين ومدخل، وثلاثة فصول، وملحق يضم بعض الوثائق والصور في (427 صفحة).
أما بالنسبة للفصل الأول فهو يتحدث حول الإسماعيلية من منظور الولاء الوطني والديني.
والفصل الثاني عبارة عن مشاهد من واقع الإنسانية المعذبة.
أما الفصل الثالث فقد خصصه المؤلف للحديث حول قواعد الفكر الإسماعيلي في ضوء العقل والنقل.
بدأ المؤلف مقدمة كتابه بالقول إنه كان معجباً بإنجازات طائفة (البهرة) في اليمن حيث يقول ص ( أ ) : "فمما لا شك فيه عند جميع العقلاء أن النفس جبلت على حب من أحسن إليها، وقد سمعنا عن طائفة البهرة في اليمن الكرم وحسن السمت في المظهر،وقد سمعنا أنهم قاموا بعمارة مساجدهم القديمة، وتعبيد بعض الطرق المؤدية إليها، ومما لا شك أنه قد يستفيد من هذه الطرق كثير من الناس".
وقال – في نفس الصفحة- "ومما قامت به هذه الطائفة أنها أنعشت التجارة في اليمن" إلى أن قال: "… وبينما أنا معجب بهذه الإنجازات التي قدمتها هذه الطائفة لنفع الناس سمعت بعض الكلام الذي يسيء إلى هذه الطائفة، حيث وقعت في يدي ورقات مكتوب عليها: (فتوى علماء اليمن في البهرة) صدرت حديثاً في هذا العام 1423هـ فسارعت في قراءتها على لهف، فإذا بي أجد في السطور الأولى من الفتوى أن هذه الطائفة (البهرة) من فرق الباطنية التي حكم العلماء الإجماع على أنهم كفار بعيدون عن الدين الإسلامي.."
وذكر المؤلف أنه قام بتتبع التاريخ فوجد: "أن هذه الطائفة قد كفرها علماء المسلمين أجمعون على مرور التاريخ…"
ثم جمع المؤلف أقوال بعض علماء اليمن حول هذه الفرقة، ورتب هذه الأقوال زمنياً، والعلماء الذين جمع المؤلف أقوالهم هم: العلامة الحمادي (تـ 456هـ) صاحب كتاب (كشف أسرار الباطنية) حيث يقول:" هذا ما اطلعت عليه من كفرهم وضلالتهم".
والإمام أحمد بن سليمان- أحد أئمة الزيدية- (تـ 566هـ) له كتاب بعنوان (الرسالة المتوكلية في هتك أستار الإسماعيلية) ومما جاء فيه:" ولا خلاف بين المسلمين أن الإسماعيلية أسوأ حالاً من المجوس…"، والعلامة المؤرخ نشوان الحميري – من علماء المعتزلة في اليمن – (تـ 573هـ) صاحب كتاب (الحور العين) الذي يقول فيه: "والقرامطة عند أهل اليمن عبارة عن الزندقة"، والعلامة المؤرخ عمر بن سمرة الجعدي (تـ 586هـ) تحدث عنهم في كتابه (طبقات فقهاء اليمن)، واعتبر القرامطة فتنة عظيمة، ولعن علي بن الفضل.
الإمام عبد الله بن حمزة (تـ 614هـ) قال في كتابه (المجموع المنصوري): "وإلى مثل ذلك ذهبت الباطنية الملاحدة، وكفّرهم بذلك جميع الزيدية وكافة الأمة".
العلامة المؤرخ عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني (تـ 743هـ) قال في كتابه (بهجة الزمن) لما صار علي ابن الفضل بصنعاء "أظهر دينه الخبيث ومذهبه القبيح، وارتكب محظورات الشرع وادعى النبوة.." الخ.
الإمام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير (تـ 840) الذي قال في كتابه (إيثار الحق على الخلق): "وأفحش ذلك وأشهره مذهب القرامطة الباطنية في تأويل الأسماء الحسنى…".
الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى (تـ840هـ) قال في مقدمة كتابه (البحر الزخار): "والباطنية في الحقيقية خارجون عن الإسلام. لكن انتحلوه ظاهراً فعدوا في فرقه".
العلامة يحيى بن أبي بكر اليماني (تـ 893) قال في كتابه (غربال الزمان): "وابتدأ ظهور القرامطة بسواد الكوفة، وهم خوارج زنادقة مارقون من الدين".
العلامة صالح بن مهدي المقبلي (تـ 1108هـ) قال في كتابه (المنار): "وأقول: وأحق ما يحرق ويمحق كفر نحلة ابن عربي، وما شابهها من الإسماعيلية وغيرهم…" وله أقوال أخرى في كتب أخرى.
العلامة أحمد الشرفي (من علماء القرن الحادي عشر الهجري) ذكر في كتابه (شرح الأساس الكبير) أن الباطنية "في الحقيقة خارجون عن الإسلام".
القاضي إسماعيل الأكوع (معاصر) ذكر في كتابه (هجر العلم ومعاقله) في ترجمة أحمد بن عبد الله الصمد أن صاحب كتاب (أخبار الزيدية) يروي عن شيخه محمد بن إبراهيم بن رفاد أنه وجد صاحب الترجمة يحكم ما يوافق مذهب الإسماعيلية مع أن عقيدته مخالفة لما يحكم، فأنكر عليه، وقال: "سبحان الله تقضي بشيء لا يجوز في اعتقادك.. فأجاب: ويحك أخاف على رأسي، فقال له: ويحك أتخاف على شبر منك من السيف، وتسمح بجميعك للنار؟ فبهت وتحير".
ذكر القاضي محمد بن علي الأكوع –رحمه الله- في مقدمة كتاب الحمادي أن "الإمام المتوكل أحمد بن الإمام المنصور علي نازل معقل شبام حراز للباطنية –واستولى عليه- وأوصل كتبهم إلى حضرة الإمام شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني واطلع عليها، فقال لما رآها: ما على الأرض كفر أشد من كفرهم".
وفي مقدمته الثانية (صـ10-16) تحدث المؤلف حول الدراسة التي قام بها وتأليف هذا الكتاب واعتبر هذا الكتاب إضافة "نوعية تكتسب قيمتها من واقع الحركة المعاصرة وكذا من خلال العرض وأسلوب المعالجة".
ثم تحدث عن الذين ألفوا حول العقائد الإسماعيلية في العصر الحديث قسمهم إلى قسمين:
الأول: المنتمون إلى الطوائف الإسماعيلية أمثال مصطفى غالب وعارف تامر، وحسين الهمداني وحسين الأعظمي، والمتعاطفون معهم كالمستشرق الروسي (أيوا نوف).
الثاني: وهم الذين سجلوا خطوة متقدمة في إطار البحث العلمي المتأني حول العقائد الإسماعيلية.. إلا أنهم –يقول المؤلف- "لم يصلوا إلى كنه الحقائق المستورة وأصل الأفكار المخفية في العقائد الإسماعيلية، ولذلك اتسمت كتاباتهم بالخلط بين ما هو حق وبين ما هو باطل".
ثم تحدث المؤلف عن الخصائص الجديدة التي جاء بها كتابه هذا:
أولاً: يعتبر هذا الكتاب قريب في طبيعته من (علم المقارن) فقد اختار "مواضيعه بشكل عام بحيث تؤدي إلى تحديد مكان الإسماعيلية في الفكر والتنظيم من الإسلام عقيدة وشريعة..".
ثانياً: يتسم هذا الكتاب باختلافه عن أسلوب الخطاب التقليدي عند الحديث عن الإسماعيلية الذي كان معيناً أكثر بمخاطبة ذهن المتلقي من غير الإسماعيلين. أما في هذا الكتاب فيعد – كما قال صاحبه- : "هدية مجانية مقدمة من إنسان مشفق ومحب، إلى كل المخدوعين من أتباع الإسماعيلية، والباطنية بشكل عام..".
ثالثاً: رصد هذا الكتاب وسجل ونقل حقائق معاصرة من داخل المجتمع الإسماعيلي.
رابعا: شمل هذا الكتاب "من الوثائق المعاصرة السرية والمثيرة، ما لم تتوفر لكثير من المؤلفين في هذا الموضوع".
خامساً: اعتمد الكتاب على المراجع الإسماعيلية بصورة أساسية.
ولم يخف المؤلف في ختام مقدمته الثانية للكتاب أن من بواعث تأليفه الكتاب هو التزايد الملحوظ لنشاط الحركة البهرية في اليمن، والبهرة الهنود، والأجانب بشكل خاص؛ الأمر الذي دفعه لذلك، حرصاً على أفراد الطائفة في اليمن وجمهورها المخدوعين، واستشعار لواجبه تجاه وطنه وعقيدته، وكذا استجابة لرغبة كوكبة من العلماء الناصحين، فهم أحرص الناس على سلامة العقيدة ومستقبل الوطن، كما يقول المؤلف.
لقد أدركت الحركة الباطنية (يهود+ مجوس) أنه لا قبل لها بمواجهة الإسلام أو الموقوف في وجهة الزحف الإسلامي، فأعلنت تظاهرها بالإسلام فيما بدأت أياديها الآثمة بالهدم من الداخل. ولا أنسب لتحقيق خططها من استغلال عاطفة الحب الكبير، والولاء الذي لا يوصف تجاه آل بيت رسول الله –عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم- من عامة المسلمين، وهو الولاء الذي ما إن فظنت إليه تلك الحركة –حتى جعلت منه ميدانها الخصب لبذور الشقاق والفتنة من خلاله بين المسلمين، حيث بادرت إلى التحلي بلبوس آل البيت، والتقمص برداء التشيع، وعلى هذا المنوال سار عبد الله بن سبأ لتثمر حركته عن أعظم فتنة في تاريخ المسلمين، تلك هي الفتنة الكبرى التي مثلت أحد أهداف طلائع الحركة الباطنية وهو شق صفوف المسلمين.
وقال: أما الهدف الثاني فقد ظهر على لسان عبد الله بن سبأ عندما وقف ذات يوم والإمام علي رضي الله عنه يخطب على المنبر، فقال مخاطباً الإمام: "أنت أنت" فقال الإمام: ويحك من أنا؟!، فقال: "أنت الله"، فلعنه علي وهم بقتله ولكن بتدخل من أصحابه سيره إلى المدائن ونفاه هناك ثم تسير الأيام وتصادفنا طلائع باطنية أخرى على الطريق منضوية تحت راية التشيع، لا لتكثير سوادها، أو حباً في آل البيت، ولكن بهدف استثمارها والانحراف بها عن طريق الاعتدال، وثمة دواعي كثيرة تسمح بهذا الانحراف فقد سار حب آل البيت يتسع في النفوس عمقاً، ويمتد في رقعة الأرض طولاً، ولكنه الحب المجنون الذي يفضي إلى الانحراف في الغالب، فالشيعة العراقيون، الذين تكررت مواقفهم الخذلانية تجاه آل البيت يجدون في مغالاتهم نحو آل البيت تعويضاً عن تلك المواقف.
وهكذا ساعدت عوامل عدة على تدرج مراحل النظرة إلى آل البيت من بشر عاديين إلى أنبياء معصومين، ثم آلهة يمشون على الأرض.
وفي عهد جعفر الصادق رضي الله عنه ظهر أبو الخطاب الأجدع مولى بني أسد متدثراً بلبوس الأشياع المحببين للإمام جعفر الصادق، وانضم إلى حلقته، ولازمه طويلاً حتى شاع في الناس أنه حصل على ثقة الصادق، فاستغل هذا الاعتقاد السائد وخرج بين الناس يروى باسم الصادق أحاديث الشرك والضلال وينسبها إلى الإمام وهو منها بريء، فبادر الإمام جعفر بنفي كل ما نسبه إيه هذا المارق ولعنه بين الناس، غير أن أفكار أبي الخطاب انتشرت بين الناس كالنار في الهشيم ولاقت هوى لدى غلاة الشيعة، إلى أن حوصرت الفتنة في عهد الخليفة العباسي الثاني جعفر المنصور، فقتل أبو الخطاب مع سبعين من أتباعه وصلبوا وحرقوا.. لكن ذلك لم يضع نهاية للفتنة؛ فقد كان إسماعيل بن جعفر الصادق أحد الذين تلوثوا بالأفكار الخطابية وسقط في براثنها، وما إن جاء المجوسي ميمون القداح الأهوازي ليتزعم المسيرة بعد أبي الخطاب حتى أخذت الدعوة الباطنية منحنىً خطيراً حيث اعتبرت إسماعيل بن جعفر الصادق الوريث الشرعي في الإمامة بعد أبيه وإليه نسبت "الإسماعيلية" إحدى فرق الباطنية، ولقد تزعم ميمون القداح هذه الفرقة واتخذ أسلوباً جديداً في الدعوة إلى مذهبه وتمرير مخططات الزيغ والانحراف تمثل ذلك الأسلوب بالتخفي وحشد الأنصار سراً ليؤسس –بمساعدة ابنه عبد الله الذي لا يقل عنه مكراً ودهاء- للدولة الإسماعيلية القادمة.
وقد جعلوا من ولاية آل البيت سبيلاً للسيطرة والنفوذ، حيث زعم ميمون القداح أن إسماعيل بن جعفر لم يمت ولكنه استتر واختفى عن الأنظار وبقي هو نائباً عنه يدعو إلى ولاية وإمامة إسماعيل لحين عودته، ثم هلك ميمون وورثه ابنه عبد الله ومن بعد عبد الله ابنه أحمد الذي وجد أباه قد وضع أمام أسس الفكر الإسماعيلي، واللبنات الأولى لقيام الدولة القداحية، فاضطلع بدوره في نشر الدعوة الإسماعيلية وأرسل دعاته إلى الأمصار لنشرها، فظهرت أو دولة إسماعيلية في سواد الكوفة على يد مؤسسها حمدان بن الأشعث قرمط، ثم جاء بعد أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح ابنه الحسين الذي واصل نفس المشوار، واستطاع إقناع أبي القاسم الحسن بن رستم بن حوشب، وعلي بن الفضل اليماني للالتحاق بالدعوة الإسماعيلية، وإرسالهما بعد ذلك إلى اليمن لتقوم على أيديهما الدولة الإسماعيلية الأولى في جنوب الجزيرة العربية.
انقسمت الدولة الإسماعيلية منذ الوهلة الأولى إلى فصلين: دولة القرامطة في سواد الكوفة والإحساء والبحرين بعد أن أنهت ارتباطها وولاءها للدولة الفاطمية في مصر، ودولة الفاطميين في مصر يتبعهم في الولاء العقائدي والسياسي دولة الصليحيين في اليمن.
على إثر وفاة الإمام السابع للدعوة الإسماعيلية المستنصر أبو تميم معد بن الظاهر تنازع الإمامة من بعده ولداه الأكبر نزار والأصغر المستعلي، فانقسمت الدولة الإسماعيلية إلى مستعلية ونزارية.
وأيدت الدولة الصليحية في اليمن المستعلي، وبعد وفاته انتهت الخلافة إلى ابن علي المنصور الملقب "بالآمر بأحكام الله" فقتل بعد 29سنة من خلافته دون أن يترك عقباً على قول أكثر المؤرخين، بينما تقول المستعلية في اليمن إن له ولداً أسماه "الطيب" وأنه أرسل بذلك سجلاً إلى الملكة "أورى بنت أحمد الصليحي" ملكة اليمن ويقولون إن الطيب استتر، وأنهم منذ ذلك الحين يعيشون دور الستر إلى أن يظهر، وقد جعلوا له نواباً يقومون بزعامة الطائفة، ولا يشترط في هؤلاء النواب الوراثة أو الانتساب إلى آل البيت.
وقال المؤلف إن أول من تقلد هذا المنصب الداعي الذؤيب بن موسى الوادعي الهمداني في عهد أروى بنت أحمد الصليحي، وتعاقب من بعده الداعون حتى الإمام السادس والعشرين "قطب شاه"، وبعده انشطرت الإسماعيلية المستعلية إلى شطرين: مؤيدين لداهود قطب شاه فسمو بـ"الداودية" "البهرة"، وقائلين بإمامة "سليمان بن حسن" وسموا بـ"السليمانية" "المكارمة"، والمكارمة حسب المؤلف نسبة إلى المكرم زوج الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، أما البهرة فسوف يأتي الحديث عنها لاحقاً وهي محور البحث الذي تناوله المؤلف في كتابه..
 
حقيقة أطماعهم في إقامة دولة لهم في اليمن
تناولنا في الحلقة الأولى من كتاب (الشيعة الإسماعيلية.. رؤية من الداخل) لمؤلفه علوي طه الجبل مقدمة الكتاب والتي تضمنت دواعي التأليف وأقوال العلماء والمؤرخين في هذه الفرقة، وخلفية تاريخية حولها والبذور الأولى للنشأة، وانقسامها إلى داودية "بهرة" وسليمانية "مكارمة".
وهنا يقدم المؤلف فروقاً جوهرية بين الطائفيتين، الأولى ذات الزعامة الهندية فيما ترتبط بالزعامة الدينية المتواجدة حالياً في نجران، أما في اليمن فقد اشتهرت الإسماعيلية باسم المكارمة، وصار الناس لا يميزون بين البهرة الداودية، وبين السليمانية المكارمة، بل يطلقون غالباً المكارمة ويريدون البهرة، في حين يؤكد المؤلف أن اسم المكارمة لا وجود له في التاريخ الإسماعيلي، بل عرف هذا الفصيل بالسليمانية، وهم يتركزون في اليمن بشرقي حراز إلى جانب إخوانهم البهرة الداودية، وهم أقل عدداً وشوكة من الداودية، وإن كانوا لا يختلفون عنهم ثراءً وتجارةً، وقد ظهرت بين الفصيلين عداوة تنظيمية لاسيما في الآونة الأخيرة.
يطلق بعض الكتاب اسم البهرة على كل من الداودية والسليمانية، لكن المؤلف لا يقصد به هنا إلا الداودية لا غير.
لم يعرف عن المكارمة قيامهم بالطقوس الشركية علناً، كما يفعل الدُوّد؛ لأنهم يشعرون بالحرج من المجتمع الذي يسخط لتلك الشركيات، ولا يعرف سوى اسم المكارمة مع أنهم بريئون من ذلك، ولذلك فالقطيعة بين المكارمة الدُوّد شبه قائمة، واللعن بينهم متبادل، وباستثناء هذا فالطائفتين على عقيدة مشتركة وضلالة واحدة.
وفقاً لتعداد اليمن عام 1994م يقدر عدد الطائفتين في مديرية حراز (110كلم غرب صنعاء) حوالي (7500) نسمة تقريباً ما يعادل 10.5% من إجمالي عدد سكان المديرية البالغ 70.000نسمة تقريباً وتعد المديرية مركز تجمعاتهم؛ بالإضافة إلى أعداد منهم في مناطق همدان، يريم، وبعض عواصم المدن كصنعاء وعدن وتعز والحديدة، ولهم وجود كذلك في مدينتي جبلة محافظة (إب)، وزبيد محافظة (الحديدة)، وبعض المحافظات الجنوبية ويصل إجمالي الإسماعيلية في اليمن نحواً من أربعين ألف نسمة.
وللإسماعيلية في بعض المدن مساجد مستقلة سرية على شكل بيوت لا يدخلها سواهم، ولهم مراكز تعليمية مثل: مدرسة (الدعوة) في مناخة المجاورة لحراز، ومدرسة (بيت الدعوة) في الحطيب، والمدرسة (البهرية) بصنعاء.
وللبهرة الداودية وجود في غير اليمن: الهند، باكستان، الخليج العربي، مصر، العراق، وسوريا، واتجهت هذه الطائفة إلى الاشتغال في التجارة، والاستثمار الصناعي والعقاري وأعمال الصرافة.
الزعامة الحالية لطائفة البهرة الداودية
يعتبر الدكتور محمد برهان الدين – الإمام المطلق رقم 52- الزعيم الحالي لطائفة البهرة، ومقر إقامته في بومباي الهند.. وانتقلت زعامة الطائفة من اليمن إلى الهند عام 944هـ بعد ضعف الإسماعيلية في اليمن إلى عائلة أحد ملوك الهند يدعى (تارمل) وإليه تنحدر سلالة السلطان الحالي برهان الدين، وإن كان أتباعه اليوم رأوا أن من مقتضيات التضليل نسبته إلى الشجرة العلوية كما يزعم نائبه في اليمن سلمان أكبر.
ومنذ ذلك الوقت ظلت الزعامة حكراً على أبناء "تارمل" الذين ما لبثوا أن ادعوا لأنفسهم العصمة، وأبعد من ذلك حتى وصلوا إلى وثنية جدهم تارمل.
وفي الفصل الأول يشير المؤلف –صـ37- إلى أن الحركة الإسماعيلية ما زالت منذ ولادتها تطمح إلى السلطة والزعامة "واستطاعت أن تشغل مسافة قرنين من الزمن في سياق التاريخ السياسي الإسلامي على وجه التقريب. ووجدت لها إمارات في اليمن ومصر والخليج العربي، وسواد الكوفة، وغيرها..".
واستمر المؤلف في حديثه حول السعي الإسماعيلي نحو السلطة إلى أن قال في نفس الصفحة إن "دوام التفكير في هذا الشأن في رأيهم قد أسفر في العصر الحديث عن قيام أول باطنية وكانت بدايتها مجرد طموحات، ثم عمل هادئ وصبور من هنا نجد الزعامة الهندية لطائفة (البهرة) تتصرف في أشياء كثيرة كما لو كانت دولة مستقلة".
واستند الكاتب –في تصوره هذا- إلى جملة من الحقائق:
أولاً: يطلق محمد برهان الدين على نفسه اسم (السلطان) ويصر على تسمية أبنائه بـ (الشاة زادة) أي الأمراء، وبناته بـ (الشاة زادي) أي الأميرات، ويسمى مبعوثه الهندي الذي ينوب عنه في إدارة شئون أتباعه في الأقطار الأخرى بـ (الأمير) ودار إقامته بدر الإمارة. أما نظرة السلطان إلى اليمن فقد نصت رسالة الوزارة السيفية إلى أتباع الطائفة في اليمن على اعتباره (منصور اليمن).
ثانياً: يؤكد محمد برهان –عند زيارته للدول الإسلامية- على ضرورة مقابلة رئيس الدولة وكبار الحكومة، وكان الاستعمار البريطاني يستقبل والده بواحد وعشرين طلقة مدفع مثلما يُستقبل الملوك والرؤساء.
ثالثاً: أنشأ الداعي حكومة يرأسها رئيس الوزراء وتضم: وزراء المالية، والداخلية، والخارجية، والإعلام، والعلاقات العامة، وتمارس الحكومة عدة صلاحيات على أفراد الطائفة وفي المجالات التي يحددها الداعي.
رابعاً: لهم علم خاص وقوات مسلحة خاصة مدربة تدريباً عسكرياً، وقد ظهرت في الصور الفوتوغرافية: مراسيم رفع العلم الخاص بهم في بعض حصون اليمن.
خامساً: لهم دستور خاص تم إرسال نسخة منه إلى اليمن في السبعينات، وفيه تلميحات واضحة عن قيام دولتهم في اليمن.
بل يقول المؤلف صـ39 إن اليمن تعد "قبلة الأطماع الإسماعيلية منذ نشأتها الأولى ويرونها الآن مجمع شتاتهم ومحط رحالهم الأخير؛ لأنها بنظرهم الأم التي احتضنت دعوتهم عند ميلادها الأول في القرنين الثالث والرابع الهجري، ومن اليمن انطلقت إلى الهند والسند والمغرب العربي ومنه إلى مصر".
"ومن اليمن ستظهر مرة ثانية مولد الدولة الإسماعيلية الجديدة، ودليل ذلك عندهم قوله تعالى: "كما بدأنا أول خلق نعيده".
عدم اعتراف الطائفة بالنظام القائم
وتحت هذا البند تحدث المؤلف عن اعتقاد الطائفة بقرب انتهاء النظام القائم في اليمن ففي الصفحة 44 يقول المؤلف: "ولقد أشار محمد برهان الدين في مقدمة الدستور إلى قرب انتهاء ما أسماه بسلطان الباطل في اليمن، وأن مؤشرات الانفراج قد لاحت، وأن الإمام المستتر قد أوعز إلى أبيه بذلك، حيث قال: قد ادخر الله –عز وجل- للداعي الأجل سيدنا طاهر الدين –رضوان الله عليه- في جزيرة اليمن من شاناته أعظم شأن، فرأى بما أمده ولي الله –سلام الله عليه- الإمام المستتر من تأييد الإشراق اليمن بنظر اللطف والأشواق، حين علم أن الوقت لإنعاش المؤمنين قد آن أوانه، وأن الباطل سوف يزول عن قريب سلطانه فأمر منصوصه الداعي الثاني والخمسين محمد برهان الدين بالسفر إلى اليمن، فبشر أهلها بوجود منصوصه فيهم بما سيريهم من سعادات" أ.هـ.
كما أنهم –والكلام للمؤلف- لا يعترفون أيضاً بالنظام الحالي، وبدلاً من ذكر الجمهورية اليمنية يتحدثون عن شيء اسمه الجزيرة اليمنية، ويعتبر مفضل محمد برهان الدين هو ملك اليمن المنتظر في رسائلهم ولقاءاتهم الخاصة، ويسمونه (منصور اليمن) وهو لقب ابن حوشب الذي أسس الدولة الفاطمية في اليمن مع علي بن الفضل، وعند زيارته بصحبة والده إلى اليمن يرفعون علمهم الخاص في قمة حصن الحطيب. وهو علم أخضر يتم وضعه وسط التصفيق والهتاف والزغاريد.
وهناك شعار فاطمي موجود في بعض الآثار الفاطمية يصنعونه في حرف الميم من كلمة (اليمن) ويرفعونه كرمز للحاكم والسيطرة على اليمن.
التخطيط والاستيلاء على مواقع استراتيجية حصينة
تحت هذا المبحث تحدث المؤلف صـ 45 عن محاولاتهم المتكررة للسيطرة على جبال حراز الحصينة ومواقعها الاستراتيجية القريبة من ميناء الحديدة، وقال إن ذلك "يؤكد حقيقة الإعداد العسكري المعد والمبيت لدى طائفة البهرة في اليمن..".
ومن تلك الجبال جبل (شبام) الذي يصل ارتفاعه عن سطح البحر إلى 3050متراً، وجبل (مسار) المنبع الذي انطلق الملك علي بن محمد الصليحي ويصل ارتفاعه إلى نحو 2900متر، وجبل (حمضة) جبل، (سعدان)..
وتتمثل تلك السيطرة من خلال محاولاتهم بناء قباب على قبور وهمية وبناء مرافق جانبية، ومستوطنات للحراس والسدنة.
وآخر محاولة لهم كانت في شهر سبتمبر من عام 1995م عند زيارة زعيم الطائفة محمد برهان الدين، حيث حاولوا الخروج إلى غرب مدينة مناخة بكامل معدات البناء، وكانت قبيلة مسار – المعروفة بمواجهاتها التاريخية لأطماع الباطنية منذ عهد الدولة الصليحية- قد علمت بما أزمع عليه سلطان البهرة من الخروج إلى الجبل، ووضع حجر الأساس للشروع في البناء الفوري لمزار على قمة الجبل. فكان أن استنفرت عزلة مسار جميع أبنائها وخرجت في حشد كبير بنية المقاومة ومواجهة الهنود، ومن صحبهم من أبناء الطائفة الإسماعيلية من شرقي حراز، واستقرت في منطقة (عبري سهام) في منطقة متقدمة من الجبل في انتظار قدوم طائفة البهرة من أجل إقناعها بعدم جدوى المحاولة لدخول الحصن، ولم تنجح الوساطات في إقناع القبيلة بما تريده الطائفة.. ولما خابت آمال السلطان في الزيارة وبناء المشروع على قمة جبل مسار اتجهت الطائفة ليلاً إلى قمة جبل شبام –منطقة عسكرية- وهي قمة عالية لم يحدث وأن سكنت من قبل من حيث الوجود المدني، فبنوا عليها بناء مستعجلاً كأساس لقبة ثم انسحبوا فجراً، غير أن البناء لم يعش أكثر من ساعتين فقد تنبهت قبيلة هوزن وبلاد الثلث إلى هذا الغزو الليلي فأرسلت من يسوي البناء على الأرض وحراسة الموقع.
وعرض المؤلف مجموعة من الوثائق التي تتحدث عن محاولات الطائفة للسيطرة على المناطق الحصينة والمنيعة. وكانت أول وثيقة عرضها المؤلف عبارة عن رسالة إلى وزيري الدفاع والأوقاف موجهة من أعيان وأبناء حراز بتاريخ 22رمضان 1425هـ حذرت مما يقوم به الهنود من طائفة البهرة من احتلال لجبل شبام. وقالت الرسالة إنه احتلال من طراز جديد "يبنون فيه معبداً لإحياء الوثنية في القرن العشرين". وأضافت:"لقد سبق منهم الشروع في التحايل على التمركز في هذا الجبل بدعوى بناء مسجد في رأس الجبل، مع أنه هذا الجبل موقع عسكري استراتيجي هام، وهو ثالث جبل في الجزيرة العربية، وثاني جبل في اليمن من حيث الارتفاع، ولا يوجد هناك أي سكان".
وجاء في نهاية الرسالة: "وعليه فإن حراز بمشايخها وجميع أبنائها يستنكرون تمركز الهنود على جبالها بدعوى بناء القبب، وإحياء الوثنية في القرن العشرين. وتستأذن من الدولة بحماية هذا الجبل وتسليمه لأبناء المنطقة، ولن تسمح لأي هندي تحت أي مبرر أن يتمركز فوق رؤوس أبناء حراز.. ونحملكم مسئولية أي نتائج عكسية؛ لأن ضرر ذلك ينعكس على أبناء المنطقة قبل غيرها. ولا قوة إلا بالله ولكم تحياتنا".
ووقع على الرسالة 285شخصية من أبناء المنطقة، ويظهر فيها توقيع باسم رئيس فرع المؤتمر الشعبي العام (الحاكم) بالمديرية. كما أن صوراً من الرسالة وجهت إلى كل من: رئيس مجلس النواب، ووزير الإدارة المحلية، ووزير الداخلية، والنائب العام، ومحافظ محافظة صنعاء، وقائد الحرس الجمهوري، ومدير عام المديرية، وقائد منطقة حراز العسكرية.
أما الوثيقة الثانية فهي بيان تم تعميمه باسم (أعيان حراز والجيل اليقظ) ولا يختلف عن الوثيقة السابقة في التحذير من الأطماع الباطنية في منطقة حراز.. ومما جاء فيه: " إننا وبحكم معايشتنا لهذه الطائفة نمتلك من الأدلة والوثائق ما يكفي للتدليل على التنسيق المبكر مع إسرائيل منذ عقد الستينات من خلال الزيارات المتكررة للمدعو السلطان محمد برهان الدين إلى تل أبيب والارتباط بالدوائر الاستعمارية الماسونية وتكديس الأسلحة في شرقي حراز والمدن المختلفة".
ونقل البيان جزءاً من رسالة تركها نائب سابق لهم هو الشيخ غالب على محسن- الذي خرج عنهم- يقول فيها: "وستنتهي الولاية من علي كرم الله وجهه إلى محمد برهان المعبود في الهند عادة هو الإله الذي له كل شيء من صلاة وصوم وزكاة وحج وكل أركان الإسلام، ومنه إلى القيم ولده الذي سيبشر به، إنه تمام الدور من آدم –عليه السلام- وهو الموسوم بالعلي العظيم، علي القدر، سيد شباب أهل الجنة الذي سيملك الأرض، وتكون بداية منطلق دعوته وظهورها من الحطيب حراز".
وينوه المؤلف صـ 58 إلى أن جبال حراز ليس نهاية محط أنظار البهرة في اليمن، بل توجد حصون كثيرة يقصدها البهرة كمزارات منها: حصن (بني داوود) حصن (ذمرمر) و(طيبة) في همدان وعراس، ولم تكن مشاكل البهرة قد توقفت مع أهل حراز وحسب، بل نجد صراع القبب والأضرحة يمتد مع البهرة الداودية إلى قبيلة همدان في حصن. فقد بقيت معركة البناء والهدم للأضرحة مستمرة فيما بين القبيلة وأبناء الطائفة وتكرر مثل ذلك في مناطق أخرى كحوث وزبيد وعراس وغيرها.
وفي عام 1984م استطاع أبناء الطائفة الحصول على ترخيص لما أسموه بإعادة بناء قبر لهم في مسجد غيل بني حامد، وذلك من وزير الأوقاف آنذاك (علي السمّان) "ولم يكن على علم بمغزى هذا السباق المحموم وراء إنشاء القباب هنا وهناك..".
ولما علم عامل أوقاف همدان بهذا الترخيص، بادر إلى تحذير الوزير من مغبة ذلك وأطلعه على ملابسات الموضوع، وضرورة سحب الترخيص فوراً، حتى لا يكون سبباً لما لا يحمد عقباه، مما دفع بالوزير إلى أن يعقب –بتاريخ 29/2/1984م- على ترخيصه بالتوجيه إلى أبناء الطائفة بما يلي:
"الأخ الشيخ غالب والأخ/ خزيمة حياكم الله
لا داعي لعزمكم إلى غيل بني حامد وكل الإخوة الواصلين من حراز وكذا المقيمين هنا لإعادة القبر، فقد وصل إلينا عامل أوقاف همدان، وأكد لنا أن الخروج إلى همدان سيؤدي إلى فتن لا تحمد عاقبتها. فليكن إعادة ما سبق تحريره منا بالنسبة لهذا وشبام وحراز، فاعتمدوا هذا وسنعالج الموضوع بالحكمة من لدينا والمسئولية عليكم بعد هذا. والسلام عليكم".
وفي فبراير من عام 1995م، جاءت أوامر السلطان من الهند بضرورة انتزاع ترخيص للبناء في قمة جبل شبام حراز الاستراتيجي، فاستطاع نوابه بعد نضال الحصول على توصيات فردية ورسائل شخصية بالموافقة على ما أسموه: ترميم المسجد في هذه القمة، والحقيقة أنه لا صحة لوجود جامع فيه. وكل سكانه بعض أفراد من الحرس الجمهوري متمركزين فيه. فلما أرادوا الشروع في البناء منعهم مدير عام المنطقة، وعارضهم أهالي القرى المجاورة فعاد أبناء الطائفة يتذمرون في وزارة الأوقاف، وفي وزارات أخرى غير ذات صلة بالموضوع، فاضطر وزير الأوقاف إلى تشكيل لجنة للإطلاع على طبيعة المكان ورفع تقرير بإمكانية البناء من عدمه، وبعد نزول اللجنة ودراسة الموضوع خرجت بتقريرها المؤرخ بيوم الاثنين 28رمضان 1415هـ الموافق 27/2/1995م.
أفاد التقرير بأن البناء حديث ولم يسبق له بناء قبل الآن أي أنه لا يوجد مسجد أصلاً. كذلك "المنطقة خالية من السكان فلا يوجد بناء حول المكان الذي يراد بناء المسجد فيه لا قديم ولا حديث، اللهم إلا موقع عسكري يتبع الحرس الجمهوري مرتفع عن المكان المذكور يصعب على أفراده الصلاة في هذا المكان".
ويضيف التقرير أن المسجد المزمع إحداثه مساحته 18×20متراً، وبناء أساسه تم فوق قبر هدمت قمته في عهد الإمام يحيى ثم في عهد الإمام أحمد.
أيضاً –يقول التقرير- يكتسب جبل شبام حراز الشامخ أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة فهو يطل على قضاء حراز، والحيمة الخارجية، وقضاء ريمة، وآنس، ومحافظة الحديدة. ورأت اللجنة –التي رأسها الشيخ حمود علي ناصر السعيدي- أنه لا يوجد "داعي أو مصلحة لإقامة مسجد في المنطقة المذكورة، لاسيما وهي منطقة خالية من السكان تماماً، وكأن الغرض من بنائه فوق ذلك القبر ليس إلى لاتخاذه معبداً لطائفة البهرة ومزاراً يقصده أبناء هذه الطائفة من أنحاء العالم، ثم التمكن من السيطرة على تلك البقعة الاستراتيجية، كما أن القبر ليس بحاجة إلى ترميم فهو سليم ولا يحتاج شيء".
وعلى ضوء هذا التقرير وجهت وزارة الأوقاف إلى الجهات ذات العلاقة مذكرات تتضمن نتائج تقرير اللجنة ورأي الوزارة في ذلك. وكانت الرسالة موجهة إلى كل من وزير الإدارة المحلية، والنائب العام، ورئيس مجلس النواب، بتاريخ 11/10/1415هـ الموافق 12/3/1995م ورقم 415. ونصت الرسالة على أن المكان المقصود لا يوجد به مسجد قديم حتى يتم ترميمه وغاية ما في الأمر أن هناك قبراً صغيراً من المرجح أن يكون لأحد الجنود.. إذ الموقع عسكري كما تدل عليه بعض المعالم، وقد تشبثت به الطائفة المذكورة على أمل الاستيلاء على الموقع لأهميته.
وقال الوزير في رسالته "إذا كان عندهم فضل مال فهناك جهات كثيرة محتاجة لبناء مساجد مزدحمة بالسكان، والوزارة مستعدة لأن تحدد لهم المكان وتساعدهم على تسهيل مهمتهم وهي جهة اختصاص ومع أن هذه الجهة المتبنية لهذا المشروع (أجنبية).
أيضاً جاء في الرسالة: "رفعت مطالب كثيرة من المواطنين وكلها تطلب من الوزارة عدم السماح بالبناء في ذلك المكان لعدم الحاجة إليه، وأنه لا يراد به وجه الله، وإنما من أجل إحداث فتنة بين المواطنين".
وختمت الرسالة كلامها بمطالبة الجهات المعنية "بالتعاون مع مسئولي الوزارة وعدم السماح بأي تجاوز من شأنه إحداث فتنة".
وقال المؤلف: وعند زيارة زعيم الطائفة محمد برهان الدين لليمن في سبتمبر 1995م عنف نوابه في اليمن لعدم إنشاء البناء في جبل شبام وهدد بالغضب عليهم إن لم يتمكنوا من تنفيذ المشروع في مدة إقامته في اليمن، فعاود هؤلاء النواب المحاولة.. واتجهوا هذه المرة إلى وزارة الدفاع وكثفوا من إلحاحهم وضغوطهم على الوزير عبد الملك السياني غير أن الوزير الذي يعرف المنطقة جيداً رفض بشدة طلب هذه الطائفة، ووجه مذكرة إلى وزير الإدارة المحلية بوضع الاحتياجات الأمنية اللازمة لحماية الموقع من محاولة السيطرة الإسماعيلية ومما جاء في الرسالة المؤرخة بتاريخ 15/4/1416هـ الموافق 10/9/1995م التنبيه إلى أن طائفة البهرة أكثرت من الإلحاح المتكرر الذي يهدف إلى تشييد مسجد في قمة شبام حراز. ويرى الوزير –في رسالته- أن هذا "الإلحاح المتكرر ليس طابعه فعل خير" وإنما قد يكون وراءه أهداف سياسية. وقال: "والتاريخ الغابر للمنطقة (الموقع) خير شاهد على ذلك". ونبه إلى أن الموقع المختار يمثل موقعاً عسكرياً ذا أهمية استراتيجية وأمنية لحماية وتأمين الطريق الرئيسي حاضراً ومستقبلاً. وشدد الوزير على أن الوزارة لن تسمح بإقامة مسجد في هذا المكان.
وختم رسالته قائلاً: "آمل أن يكون الجانب الأمني في الموقع المذكور واضحاً لديكم؛ لأن استتباب الأمن مسئولية الجميع، وأداة تحقيقه مهمة القوات المسلحة".
وعلى إثر هذه الرسالة وجه وزير الإدارة المحلية –محمد حسن دماج- مذكرة على محافظ محافظة صنعاء بتاريخ 2/10/1995م ورقم (م.و.ر.د.م 90/95/415) تضمنت نفس ما جاء في مذكرة وزير الدفاع السابقة الذكر وهو أن البهرة يهدفون إلى تشييد مسجد على قمة جبل شبام حراز رغم عدم وجود سكان فيه "الأمر الذي يجعل الهدف غير مقصود به فعل الخير". بالإضافة إلى أن المكان له أهمية استراتيجية وأمنية لحماية منطقة.
ثم طلب الوزير –في مذكرته- من محافظ صنعاء اتخاذ الإجراءات الأمنية والإدارية اللازمة لتأمين قمة جبل شبام حراز. كون المنطقة تقع إدارياً ضمن محافظة صنعاء.
ويظهر من هذه المذكرة أنه تم توجيه صور منها إلى مكتب رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ووزير الدفاع، ووزير الداخلية، والنائب العام، ومدير عام مديرية حراز ومدير عام مديرية صعفان (المجاورة لحراز).
أنشطة وحركات مشبوهة أخرى
ومن أنشطتهم وحركاتهم المشبوهة الممهدة لإقامة دولة لهم في اليمن: زيادة حركة تجنيس البهرة الدُّوّد بالجنسية اليمنية وشراء أرض وعقارات ومحلات تجارية تحت أسماء مستعارة من بعض عملائهم في اليمن.
أيضاً التدفق المتزايد إلى اليمن دون سبب عقائدي –تشكيل المليشيات المدربة بمساعدة ضباط هنود وباكستانيين وعرب، حيث قاموا عام 1995م بتدريب الجناح العسكري لحزب (الفيض الحاتمي) البهري، وهو ما يسمى بـ (شباب أهل الجنة). كذلك الترويج لظهور الإمام المستتر من اليمن. أيضاً إنشاء تنظيمات سرية في شرقي حراز وبدء ذلك منذ عقد السبعينات من القرن الماضي.
وتوسع المؤلف في الحديث حول هذه التحركات. وأورد المؤلف صـ 79 وثيقة توضح عدم احترام الطائفة بسيادة الدولة اليمنية وقوانين البالاد. حيث أرسل أحد زعماء الطائفة في الهند – الدكتور يوسف نجم الدين – مذكرة في أبريل من عام 1977م إلى مجلس الوزراء اليمني يعلمه أنه أوصى طائفته في اليمن باحترام الحكومة اليمنية والتفاعل الإيجابي معها، ويأمل من الحكومة أن تتعامل مع طائفته بالمثل "وأن زعامة الهند سوف تتعهد الطائفة بالرعاية".
فأرسلت الحكومة اليمنية من خلال وزارة الخارجية (كان الوزير حينها عبد الله الأصنج) مذكرة إلى زعيم البهرة المذكور تعبر عن استغرابها الشديد لما جاء في برقيته، حول طائفة البهرة في اليمن. وجاء في رسالة الحكومة –المؤرخة بـ10/4/1977م: "نفيدكم أن برقيتكم إلى مجلس الوزراء قوبلت بشيء من الاستغراب، إذ إن الإخوة اليمنيين البهرة مواطنون ولا يحتاجون ولا يعتبرون جالية بحاجة لمن يقوم بإرشادهم في دينهم الحنيف، وهم يتمتعون بكل حقوقهم كاملة، وكما تعلمون فاليمن بلد إسلامي حريص على حماية الإسلام ورعاية أبنائه من المؤثرات الخارجية". ومن أنشطتهم: تهنيد أتباع الطائفة في اليمن (أي إعطائهم الجنسية الهندية)، والتنسيق مع القوى العلمانية في البلاد، وتهريب الأطفال إلى الهند، خصوصاً الأذكياء منهم والمبرزين ما بين سن 7سنوات إلى 11سنة.