إفهام العقلاء بسلامة قريش من الفناء

بواسطة | الشريف هاني بن محمد الحارثي
اطبع الموضوع
السبت 08 رجب 1428
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
بدا لي في الآونة الأخيرة من خلال اطلاعي ومتابعتي للكثير من المواقع الإلكترونية ولقائي ومقابلتي للكثير لاحظت أمراً غريباً على البعض من أمة العرب طرأ عليها في الآونة الأخيرة ولعله نتيجة تراكمات تاريخية من عصور الجهالة والتخلف الذي عاشته هذه الأمة في أزمان سابقة .ويُخشى من انتشار هذا الأمر في المجتمعات المسلمة والعربية
إنه اعتقاد بعض المثقفين او من يدعون الثقافة في بلادنا أو في البلاد العربية الأخرى بفناء قريش , تلك القبيلة العريقة صاحبة السؤدد والصدارة في التاريخ , تلك القبيلة التي ورد اسمها وتشرفت بكلام الله عنها في القرآن
ومما لاحظته انه ما إن يرد اسم قريش أو قرشي أو هاشمي إلا ويستغرب الكثير من هذا اللفظ وتجده يبادر بالسؤال التالي:
هل هي قبيلة الرسول ؟ هل هي باقية إلى الآن ؟
وحين ترد عليه بالإيجاب تجده يظهر علامات التعجب والدهشة وهو يقول : توقعت أنها اندثرت أو بادت !!
هل يُعقل هذا ؟ عندما تحدثه عن قريش كأنك تحدثه عن قوم ثمود أو عاد تلك الأقوام التي بادت , وكأنه قد تجاهل أو تناسى أو تغافل أن هذه القبيلة قد قادت الأمة الإسلامية قروناً عديدة وبقيت بعض إماراتها في بعض أقاليم الجزيرة العربية إلى فترات تاريخية قريبة ولا يفوتني مثالاً لذلك قبائل الأشراف في الحجاز التي كانت تحكم الحجاز إلى فترات قريبة .
وغالباً ما نجد هذه التساؤلات ممن لا اطلاع لهم على التاريخ والأنساب ولا يعرف تفريعات القبائل والأسر ولعلي أعود إلى عبارة بدأت بها مقالي حين قلت ( امة العرب ) وقد ذكرتها لان العرب كانوا منذ القدم يفخرون بمعرفتهم بالأنساب والأصول وأيام القبائل وتاريخها وفي كتب التاريخ شواهد على تميز هذه الأمة بالمعرفة العميقة , فالعرب أمة تهتم بالأنساب والأصول فما بالها عميت عن اعرق القبائل التاريخية شهرة ورفعة , إخواني مقالي هذا إنما هو نقاش في هذه المسألة ( فناء قريش ) هل يعقل أن تبقى قبائل العرب كلها ولا يفنى إلا قريش بل وجدت من يقول بانها انقرضت بعد نهاية الخلافة العباسية أي انه قد نفى وجودها مما يقارب ثمانمائة وخمسون عاماً .اي سخرية هذه ؟
وكأنه قد نسي أو تناسى موطنها الأصلي الذي عاشت فيه منذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا , مكة المكرمة . ففي مكة الآن يعيش الكثير من فروع قبيلة قريش المتعددة إما المعروفة باسم (القرشي ) أو بني هاشم سلالة النبي عليه الصلاة والسلام من حفيديه الحسن والحسين ممن يُسمون ( الأشراف)و (السادة ) .
ومن فروع الاشراف في الحجاز :
الأشراف العبادلة، الأشراف آل زيــد ، الأشراف آل بركات ، الأشراف ذوو حسن ، الأشراف الحرث ، الأشراف الشنابرة ، الأشراف العمور، الأشراف الغوالب، الأشراف آل جازان ، الأشراف ذوو هجار ، الأشراف ذوو جودالله ، الأشراف المناعمة ، الأشراف الهواشم الأمراء ، الأشراف آل سرور، الأشراف العيايشة، الأشراف القرون، الأشراف المحاميد، الأشراف آل نامي، الأشراف ذوي مسيب، وأشراف المدينة النبوية من أبناء الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وغيرهم كثير والحمد لله تعالى والمصادر تعج باسماء القبائل الهاشمية الحجازية صاحبة النسب الموثق وتعجبت حقاً أن أبناء جلدتنا يجهلون حالنا والمستشرقين أعرف بنا، قال المستشرق شارل(ت1281هـ) في رحلته لمكة سنة (1270هـ): "يعد الأشراف السلالة الوحيدة في العالم الإسلامي التي توارثت النُبل كابراً عن كابر؛ فهم يعودون بنسبهم إلى الحسن والحسين، ابني فاطمة، الابنة الوحيدة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وهناك على امتداد العالم الإسلامي، حتى أعماق المغرب، عدد ضخم من الأشراف، يَدَّعون النسب نفسه؛ ولكن أشراف الحجاز عموماً، ومكة على الخصوص ينظرون إلى أنفسهم، ويُنظر إليهم، على أنهم الأحفاد الحقيقيون للنبي صلى الله عليه وسلم وأن نسبهم هو الأكثر أصالة، والأكثر توثيقا. ولما لم يكن في الشرق أحوال مدنية فإن أشجار النسب تقوم مقامها، وتحفظ الأنساب بعناية كبيرة؛ لذلك يوطد الأشراف نسبهم بمستندات مؤكدة. إنهم مقسمون اليوم إلى فروع متعددة، لا يسمح دخول الغرباء فيها، وينتشرون في كثير من أنحاء الجزيرة العربية، وهم يعترفون بأنهم أقارب"[1].
ولعل قارئ المقال يجد مصادر تسعفه في اطلاعه وبحثه في كتاب ( قبائل الطائف وإشراف الحجاز ) للشريف محمد بن منصور، أو كتاب (معجم أشراف الحجاز) للشريف أحمد ضياء العنقاوي، أو (معجم قبائل المملكة) للعلامة حمد الجاسر، و (معجم قبائل الحجاز) للعلامة عاتق البلادي وغيرها كثير، والمصادر المعاصرة في هذا المجال متعددة وليست بالكثيرة ولكن لو اتجه القارئ لأي مكتبة لوجد ما يفيده ويفتح له باب البحث والتحري في هذا الأمر .
وها أنا ذا في هذا المقال ابين و أوضح للقارئ الكريم أن قبيلة قريش الأم مازالت موجودة إلى الآن في الحجاز أو المنطقة الغربية خاصة من بلادنا المملكة العربية السعودية وهناك فروع كثيرة لهذه القبيلة منهم من كانوا يسكنون الوادي الأخضر أو ما يُعرف بــ (وادي المُغمّس) وهناك من يسكنون منطقة (منى) من المشاعر المقدسة وقد ذكرهم المؤرخ المعاصر الأستاذ عاتق بن غيث البلادي في كتابه معجم قبائل الحجاز, وهذان الفرعان جُلهم يسكنون في مكة المكرمة حالياً وهناك بعض الفروع الأخرى لقريش تسكن قرب المسجد الحرام في حي اجياد ، وهناك فروع أخرى تسكن الطائف قد ذكرهم أستاذ النسابين في الحجاز الأستاذ الشريف محمد بن منصور في كتابه قبائل الطائف واشراف الحجاز .وقد تحدث عنهم العلامة حمد الجاسر في كتابه السابق الذكر بقوله :
(قُرْيْش: واحدهم قُرَشِيٌّ.
القبيلة المشهورة، لا يزال بعض فروعها باقياً على اسمه القديم، واختلطت فروع منها بمن يجاورها من القبائل القوية، كقبيلة ثَقِيْف وعُتَيْبَةَ وسُلَيْم وزَهْرَان وغيرها، فأصَبَحت معدودة منها ومن تلك القبيلة.
قُرَيْش: منازلهم حول مكة، في عرفات ومِنَى، وقرب جبل ثور.
وتنقسم إلى فرعين، هما: القُنعان والسوالمة.
وينقسم السوالمة إلى: المهادية والمُعطان، والبُصلان، والرُّقعان، والعُشَّيْق.
وينقسم القنعان إلى: الغلالية، الحَوَاذين، المواسية، الحمادين، والحَجْرة) انتهى كلامه
على ان قول العلامة الجاسر السابق فيه تفصيل فهذه القبيلة بقيت محتفظة بنسبها ولم تختلط بالقبائل المذكورة الا من قبيل المجاورة والحلف
ومن فروعهم في مكة والطائف:
بنو شيبة حجبة الكعبة المشرفة , و هم بقية بني عبد الدار
السوالمة: ويسكنون اليوم بين المغمس وعرفات.ويُقال انهم بقية بني مخزوم
البقاقير :ويسكنون اليوم المغمس شرق مكة . رواية من أبناء الشيخ/عويضة بن احمد البقاري القرشي رحمه الله تعالى
القنعان: ويسكنون بين مكة و عرفات الذين حالفوا الجحادلة من كنانة.
آل سهم : وهم بقية بني سهم
الهيافين: و هم بادية بين مكة و الطائف.
ال علي: و هم بادية بين مكة و الطائف.
الهواملة: و هم بادية بين مكة و الطائف.
ال عمرو: و منهم الشوابرة
وقد ذكر وتحدث الاستاذ الشريف محمد بن منصور عن فروع قريش في الطائف في كتابه ( قبائل الطائف وأشراف الحجاز ) بقوله :
(هذه القبيلة يعدها بعض الباحثين المعاصرين في ثقيف على أساس أن مساكنهم لثقيف واختلاطهم بهم ما هو إلا للحمة النسب والقرابة. والذي أراه أن قريشاً ليست من ثقيف في شيء سوى الاختلاط والمجاورة وأما نسباً فلا شك أنهم من قريش مكة قبيلة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.
فسكن بعض القرشيين للطائف وامتلاكهم فيه ضياعاً ومزارع قديمة ومنذ العهد الجاهلي، فقصة لجوء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة القرشيين بعد أن ردته ثقيف ذلك الرد القاسي تدل على أن لقريش مكاناً بالطائف. وتملك عمرو بن العاص – رضي الله عنه – لمزارع الوهط وسكنى أولاده بها من الأمور المشهورة في التاريخ قال ابن حزم: "وعبدالله من فضلاء الصحابة لعبدالله بالوهط ومكة عقب كثير يناهزون المائة" الخ. كما أن الهمداني ذكر أن في قبلة الطائف وادياً يقال له مشريق لبني أمية من قريش، والآن مساكن قريش جميعاً في قبلة الطائف. )
انتهى كلامه حفظه الله
وهذا التوضيح فيمن تنتهي أواخر أسمائهم بلفظ (القرشي) وهم فروع قريش غير بني هاشم , فبني هاشم ( آل البيت ) في الحجاز يعرفوا بـ (الشريف ) أو (الأشراف) وجميع فروع قريش سابقة الذكر تعيش الآن في الحجاز ، ومنهم من تنقل في أنحاء الجزيرة العربية أو خارجها منذ القدم وأصبح من سكان البلاد التي هاجروا إليها . وقد توهم البعض ممن ألف في الانساب واحدث خلطاً بين فروع قريش عامة وبني شيبة عامة وفرع بني هاشم خاصة وأطلق على هذه الفروع جميعاً لقب الأشراف، والصواب أن نعت الشريف يطلق على بني هاشم فقط كما نص على ذلك أهل العلم كالحافظ ابن حجر العسقلاني والسيوطي وغيرهم.
إخواني القراء قد مررت مروراً سريعاً على فروع قريش ولم أتوسع لأنني مسبوق في هذا الأمر فالكثير من اصحب الكتب والمصادر التي ذكرتها قد توسعوا في ذكر هذه القبيلة وإن لم يمروا على فروعها المعاصرة باستثناء القليل.
ولكني لما تنقلت خارج مكة في بعض أنحاء المملكة بعيداً عن منطقة الحجاز فوجئت بهذا الجهل في معرفة هذه القبيلة العريقة ووجودها وأماكنها واستغربت أن يكون هذا الجهل منطلقاً من إخوان لنا في المملكة العربية السعودية فما بالك بباقي البلدان العربية الأخرى التي قد لا تسمع اسم هذه القبيلة إلا في كتب التاريخ القديمة.
لذا شرعت في كتابة هذه المقالة او البحث المصغر لأبين للبعض أن عدم سماعهم أو علمهم بهذه القبيلة ووجودها لا يعني انقراضها أو فنائها بل هو تأكيد على عدم اطلاعهم أو سماعهم بأخبار قريش.
بل هي باقية بإذن الله تعالى إلى قيام الساعة بدليل حديث خروج المهدي الذي هو من نسله في اشراط الساعة في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن نبي الإسلام عليه السلام في قوله: "المهدي منا أهل البيت"[2] وفي حديث ثاني: "من ولد فاطمة"[3] وفي حديث ثالث: "يواطىء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي"[4]. والأحاديث التي تحدثت عن فنائها إنما ربطت فناء هذه القبيلة بفناء قبائل العرب تلوها مباشرة ً في آخر الزمان، ولأخي / الشريف محمد الصمداني ( المشرف على موقع آل البيت ) مقال رائع بيّن فيه تفاصيل بعض هذه الأحاديث بعنوان ( هذا نعل قرشي ) أتمنى الرجوع إليه ففيه الكفاية في هذا الأمر وزيادة في المعرفة ، وأخيراً أتمنى أني وُفقت في توضيح المقصود من هذا المقال وهو وجود قبيلتي العظيمة ( قريش وبني هاشم منها) إلى عصرنا الحاضر ، فإن أصبت في عرض الفكرة فمن الله سبحانه وتعالى وإن أخطأت فمن نفسي وأسأل الله تعالى السداد لي ولجميع المسلمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


[1] "رحلة إلى رحاب الشريف الأكبر" (ص179).
[2] "مسند أحمد" ( ) وصححه العلامة أحمد شاكر في "المسند" (2/58)، والألباني في "السلسلة الصحيحة" رقم (2371) وفي "صحيح ابن ماجه" رقم (3316) وفي "صحيح الجامع" رقم (6735).
[3] "سنن أبي داود" ( ) وصححه ابن تيمية في "منهاج السنة" (8/255).
[4] "الصحيح المسند" للوادعي رقم (890).
{moscomment}