مواقفنا من المضامين السيئة للرسوم المسيئة إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم

بواسطة | د. خالد الشايع
اطبع الموضوع
الثلاثاء 01 رمضان 1428
استاء أهل الإسلام من المحاولات المتكررة للإساءة لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من قِبَلِ عدد من الأشخاص غير المسلمين، وخاصة من المنتسبين للكتابين المقدسين التوراة والإنجيل، وسبيلهم في هذه المحاولات رسوم ساخرة أو محاضرات ومؤلفات أو غيرها، ويساعدهم في ذلك بعض وسائل الإعلام، وخاصة في أوروبا وأمريكا.
وكان من آخر هذه المحاولات ما أقدم عليه رسام سويدي من رسم صور مسيئة يحاول الرمز بها لشخص النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وحاول عرضها في أوائل أغسطس 2007م بمتحف "هيمسبوقدقارد" السويدي للفنون، وبادر المتحف بحظر نشرها لاعتبارات عديدة، إلا أنّ صحيفة (نيركس أليهندا) (Nerikes Allehanda) المحلية تجاهلت المضامين السيئة لمحاولة الرسام السويدي، فلبّت له نشر تلك الرسوم المسيئة في 18 أغسطس!.
ولا ريب أنّ هذا العمل مما يتنافى مع مبادئ وأسس الشرائع السماوية التي جاءت باحترام الأنبياء وتنزيههم عما يسيء إليهم، قال الله تعالى في القرآن العظيم: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). [سورة البقرة، الآية: 136].
كما توعّد الله جل وعلا كل من وقف موقف العداء والإساءة للرسل الكرام، فقال سبحانه: (مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ). [سورة البقرة، الآية: 98]. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تبين مكانة الأنبياء وسوء عاقبة من اعتدى عليهم أو أساء إليهم.
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – إذ قال: "وإذا استقصيت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء وقابلوهم بقبيح القول أو العمل، ولعلك لا تجد أحداً آذى نبياً من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولا بد أن يصيبه الله بقارعة".
كما أن تلك الرسوم المسيئة والأعمال الساخرة بالنبيين مما تمنع منه التشريعات الإنسانية والدساتير الدولية لما فيه من الاعتداء المعنوي على الآخرين، بل على أشرف البشر، وهم الرسل، بل على سيدهم وسيد الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، ونذكّر في هذا المقام بالقرار الذي تبنته لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (بتاريخ 3/ 3/ 1426هـ – الموافق 12/ 4/ 2005م) الداعي إلى محاربة تشويه الأديان، لا سيما الإسلام، بسبب تكرر الإساءة إلى مقدّسات المسلمين.
ومن جملة ما يدعيه أصحاب هذه الإساءات ومن ينشر إساءاتهم أنها داخلة في إطار حرية الإعلام والتعبير عن الرأي.
وهذا الادعاء غير صحيح؛ ذلك أنّ الإعلام له أخلاقيات يجب التزامها، ومن هذه الأخلاقيات عدم الإساءة غير المبررة للآخرين.
كما أن التعبير عن الرأي ليس على إطلاقه، بل انه يقف عن حدود الإخلال بحقوق الآخرين، ومن أعظم حقوق الآخرين مراعاة كرامتهم الإنسانية مهما كانت منزلتهم، فكيف إذا كانوا من أكرم الخلق وهم الرسل عليهم السلام، فكيف بمقدمهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن الواقع بين أن دعاوى حرية الإعلام والتعبير عن الرأي لدى تلك الوسائل الإعلامية ينقضها ما يشاهده العالم من ازدواجية المعايير بحسب المصالح والشخصيات.
وإنّ من العجيب أنّ الذين تتابعوا على محاولة الإساءة للمقام العالي الشريف والجناب السامي الرفيع (جناب سيدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم) هم من المنتسبين لشريعة المسيح عيسى بن مريم، عليه وعلى أمه أفضل الصلاة وأتمّ السلام، كما شاهدنا في قضايا الرسومات المسيئة: الدنمارك وصحافتها وبعض الصحف الأوروبية، ثم من رئيس الكنيسة الكاثوليكية، ثم اليوم من الرسام والصحيفة في السويد.
وهؤلاء لو كانوا صادقين في التزام شريعة المسيح وكتابه المقدس لكانوا من المتابعين والمستجيبين لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوصى المسيح، وهو ما جاء مبيناً في قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ). [سورة الصف، الآية: 6].
ومن وقف على النسخ الصحيحة من الإنجيل فسيجد البشارة من المسيح عليه السلام بأخيه محمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه، بل إن الكتب المقدسة للأنبياء وبلاغاتهم جميعاً لأممهم فيها الأمر بتصديقه واتباعه ونصره، كما اخبر الله بذلك في الكتاب المقدس المهيمن على ما سبقه من كتب وهو القرآن الكريم، وهو قوله جل وعلا: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ). [سورة آل عمران، الآية: 81].
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). [سورة الأعراف، الآية: 157].
فيجب علينا أهل الإسلام أن نقف مواقف صدق تكون حكيمة وحضارية للإسهام في التعريف برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم تعريفاً يمنع كل جاهل من الإساءة إليه أو تنقصه، وأن ندرك أن متابعتنا لرسولنا صلى الله عليه وسلم والاستمساك بسنته والعمل بها من أعظم مظاهر الإيمان به، وهو ما يغيظ الأعداء والحاسدين.
وهذه المتابعة والنصرة هي منزلة الفلاح التي قال الله عن أهلها: (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). [سورة الأعراف، الآية: 157].
والله نسأل أن يهدي كل ضال إلى سواء السبيل، وأن يجعلنا من أنصار نبيه وخدام دينه.
اللهم، وصل وسلم على عبدك ورسولك محمد ما تعاقب الليل والنهار، وصل الله عليه وسلم كلما ذكره الذاكرون الأبرار، بمنّك وكرمك.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.