إيران رجل المنطقة العجوز.. رغم القنبلة: لعبة أحمد نجاد الهادئة

بواسطة | أمير طاهر
اطبع الموضوع
الأربعاء 02 رمضان 1428

في هذا الكتاب، الصادر بالفرنسية والانجليزية، تطرح تيريس دلبش الباحثة والخبيرة الفرنسية في مجال الأسلحة النووية القضية الاكثر تعقيدا للدوافع وراء القيادة الحالية في طهران. لماذا تبنى المرشد الاعلى علي خامئني الموقف الاكثر راديكالية للرئيس احمدي نجاد؟ ولماذا يستعد احمدي نجاد للمخاطرة بفرض العقوبات او الحرب للحفاظ على الطموحات النووية للجمهورية الاسلامية في مسارها؟

في خطابه الأساسي الأول حول السياسة الخارجية حدد الرئيس الفرنسي الجديد نيكولاس ساركوزي إيران باعتبارها مركزا لما قد يصبح أكبر أزمة على المسرح الدولي.

وما لم يفعله ساركوزي هو محاولة الكشف عن السبب وراء ذلك.

فمثل الزعماء والمحللين السياسيين الآخرين اعتبر ساركوزي البرنامج النووي الإيراني سببا في هذه الأزمة.

وهذا كثير جدا كثير جدا لأنه يفترض أن إيران تمتلك ترسانة نووية بحيث تكون كافية كي تحولها إلى «خالقة مشاكل». مع ذلك، نحن نعرف أن عدد البلدان التي تمتلك السلاح النووي هو 8 وهناك أقل من عشرين بلدا قادرة على صنعها مع توفر القاعدة الصناعية والتكنولوجية لذلك متى ما شاءت. لذا فإنه يجب الكف عن القلق بسبب التصور البسيط بأن إيران على وشك أن تصبح بلدا نوويا. إنه ذلك السياق الذي يجعل تحليل ساركوزي غير كاف لأنه لم يطرح هذا السؤال: أي شكل ستتخذه إيران مع الأسلحة النووية؟

تطرح تيريس دلبش الباحثة والخبيرة في مجال الأسلحة النووية هذا السؤال في كتابها الجديد «المشاغب الكبير» والذي صدر بالانجليزية والفرنسية السنة الماضية. وفي ذلك الكتاب اختبرت دلبش الرد الدولي على خروق الدولة الإسلامية لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، التي أثارت الخلاف مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ثم الأمم المتحدة.

وجهة النظر السائدة في الغرب هي ان الرئيس احمدي نجاد هو شخص مبتدئ يعاني من حالة متقدمة من العجرفة وبالتالي يتصرف بطريقة غير منطقية.

وتظهر دلبش ان الرئيس الإيراني ابعد ما يكون عن كونه غير منطقي، فهو يلعب لعبة هادئة تهدف الى استغلال الفرص المتاحة للجمهورية الاسلامية، واستغلال الفوضى بين الدول العربية والضعف العام لبنية الدول في المنطقة.

وكتبت دبلش قائلة: «على العكس من معظم الدول التي تحاول معارضة مشاريعها، فإن ايران لديها فكرة واضحة عما تريد: ان تصبح دولة كبرى في الشرق الاوسط في القرن الواحد والعشرين. والنظام الايراني الذي يتبلور من قلب اكثر المحافظين الايرانيين تشددا يعتمد على الاضطرابات الاقليمية السائدة التي تتعدى الفروق التقليدية بين العرب والفرس او بين الشيعة والسنة. وتضيف دبليش: «ان توسيع دائرة نفوذها وقدرتها على التكرار، تركز ايران الاسلحة النووية. ولكن الوجود الايراني يمتد الى ما تحت الارض ويؤثر على كل مناطق الازمات في المنطقة من العراق ولبنان الى اسيا الوسطى والقوقاز.

وبالتالي تصور دبليش الجمهورية الاسلامية كقوة انتهازية تحاول مد سيطرتها على جيرانها الضعفاء.

غير أن ذلك ليس أكثر من تقرير جزئي عن الوضع. فقد شهد التاريخ الكثير من القوى الانتهازية التي جرى تكييفها داخل التوازنات القائمة للسلطة. والمشكلة مع الجمهورية الاسلامية هي انها لا تريد مجرد منضدة عالية. انها ترفض المنضدة العالية والعشاء الاحتفالي، فهي لا تسعى الى صفقة مع القوى الأخرى. وهدفها هو فرض ارادتها على الآخرين. وكقوة آيديولوجية لا يمكن للجمهورية الاسلامية أن تتخذ موقفا وديا من مثل هذه الاغراءات كسبيل للوصول الى الموارد والأسواق، والشروط التجارية المفضلة، والترتيبات الأمنية، بل وحتى النفوذ والهيبة. وهي تعرف انها ما لم تجعل المنطقة مثلها فانه سيتعين عليها ان تنتهي الى ان تبدو مثل المنطقة. وذلك يعني موت الآيديولوجية الخمينية.

والحقيقة انه بدون الآيديولوجية الخمينية فان ايران هي «القوة العظمى الاقليمية» الطبيعية بفضل عدد سكانها وتاريخها ومواردها الطبيعية وأسواقها وامكانياتها الثقافية. والسبب الجذري للأزمة الراهنة، كما تظهر دلبش، هو أنه في ظل زعامتها الحالية تريد ايران أن تأمر لا ان تقود.

وقد أدرك الرئيس بيل كلينتون تلك الحقيقة عندما عرض على ايران «صفقة كبرى» يمكن في ظلها للولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية، في الواقع الفعلي، أن تقسما الشرق الأوسط الى مناطق نفوذ في سياق اتفاق من طراز يالطا صغيرة. وفي اللحظة الأخيرة رفضت طهران الصفقة لأن خامنئي وقاعدة دعمه، أي الحرس الثوري، رأوا انها يمكن أن تؤدي الى فتح ايران أمام اتجاهات عالمية يمكن، بمرور الوقت، أن تدمر الخمينية كما دمرت الستالينية والماوية.

بكل الحسابات تعتبر الجمهورية الاسلامية رجل المنطقة العجوز. فكل دول الشرق الاوسط تقريبا، بما في ذلك منطقة شرق آسيا والقوقاز، تمر بعدة مراحل اندماج في النظام العالمي الذي تطغى عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها في اوروبا واليابان. كل هذه الدول حليفة للولايات المتحدة وتستضيف غالبيتها وجودا اميركيا على مختلف المستويات. حتى الانظمة المفترض انها مناوئة للولايات المتحدة، مثل نظام البعث في سورية، تستضيف سفارة اميركية بالإضافة الى مكتب للـ«اف بي آي» وبلا شك الـ«سي آي أي». كما ان هناك دولا كثيرة في المنطقة، بما في ذلك سبع دول عربية، أقامت علاقات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي تتمتع تركيا بعضوية كاملة فيه.

كل دول المنطقة، بما في ذلك تلك التي تظاهرت في السابق بأنها اشتراكية تبنت النظام الرأسمالي القائم على اساس السوق الحر.

الاستثناء الوحيد هو الجمهورية الاسلامية التي قال الرئيس احمدي نجاد انها طورت نظرة بديلة للعالم تعتزم الترويج لها.

وأخيراً، تشعر ديلبيش بتشاؤم إزاء نتيجة المواجهة الحالية بين الجمهورية الاسلامية والأمم المتحدة، والقيادة الحالية في طهران لن تتوقف إلا اذا اجبرت على التوقف. وهذا لا يعني سوى الحرب.
المصدر : الشرق الأوسط ( الاربعـاء 01 رمضـان 1428 هـ 12 سبتمبر 2007 العدد 10515 ) .