مختصر الجمع والضم في مسألة الشرف من الأم (2 )

بواسطة | الشريف محمد الصمداني
اطبع الموضوع
الخميس 15 شوال 1428



يواصل الباحث في هذا الجزء الثاني والأخير بحث مسألة الشرف من الأم ، و كان قد تقدم نشر الجزء الأول في تاريخ سابق ..
المبحث الثالث : أصل المسألة من جهة الشرع :

إذا نظرت إلى أصل الشرع وقانون الفقه في أصل هذه المسألة ، تجد أن القاعدة عند الفقهاء : " أن المولود يتبع أحد والديه في شيء دون شيء " ، ومن صور ذلك :"
1- النسب : يتبع فيه المولود أباه .
2- الدين : يتبع المولود فيه خيرهما ديناً .
3- الحرية والرق : يتبع فيه الأم .
4- السبي : يتبع فيه سابيه في الاسلام ، إذا سبي وحده . " [55] .
وتلك القاعدة محكمة لها أدلة كثيرة في الشرع ، خاصة مسألة النسب منها ، فإنه لايعرف خلاف عند الفقهاء أن الابن يتبع أباه في النسب ، إلا في مسألَتيْ المرأة الزانية والملاعنة ، فإنَّ الولد يُنسبُ إليهما ، و على هذا جادة كتب المذاهب الفقهية المشهورة .
و أصل ذلك من الكتاب و السنة و الإجماع .
أما الكتاب فمن محكمه في أصل هذه المسألة قوله تعالى :" ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله " ( الأحزاب : آية رقم5) . و قوله تعالى :" و على المولود له رزقهن" .
و أما السنة النبوية فأدلتها كثيرة في هذا الشأن . منها حديث :" ملعون من انتسب إلى غير أبيه .. " . و حديث :" ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله ، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار " رواه البخاري . و حديث :" من انتسب إلى غير أبيه و هو يعلمه فالجنة عليه حرام " رواه مسلم . و غير ذلك من محكم الحديث النبوي .
و أما الإجماع على تبعية الابن لأبيه في حمل النسب ، فقد حكاه غير واحد. منهم :
1 – ابن عبدالسلام المالكي [56] .
2 – و ابن مفلح الحنبلي [57] .
وقال خير الدين الرملي الحنفي :" قد استفاض النقل بأن النسب للآباء دون الأمهات بحيث يُعْجِز نقله الكتبة ، و إن أجهدوا أنفسهم ! " أهـ.
بل نقل الإمام العلامة ابن القيم اتفاق المسلمين على ذلك ، فقال : "… اتفق المسلمون على أن النسب للأب ، كما اتفقوا على أنه يتبع الأم في الحرية و الرق ، و هذا هو الذي تقتضيه حكمة الله شرعاً و قدراً ؛ فإن الأب هو المولود له، و الأم وعاء و إن تكون فيها ، و الله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه و شجنته، و القائم مقامه ، و وضع الأنساب بين عباده ، فيقال : فلان ابن فلان ، و لا تتم مصالحهم و تعارفهم و معاملاتهم إلا بذلك ، كما قال تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا " ، فلولا ثبوت الأنساب من قبل الآباء لما حصل التعارف ، و لفسد نظام العباد ، فإن النساء محتجبات مستورات عن العيون ، فلا يمكن في الغالب أن تعرف عين الأم ، فيشهد على نسب الولد منها ، فلو جعلت الأنساب للأمهات لضاعت و فسدت، و كان ذلك مناقضاً للحكمة و الرحمة و المصلحة ، و لهذا إنما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم . قال البخاري في صحيحه : باب يدعى الناس بآبائهم يوم القيامة ، ثم ذكر حديث :" لكل غادر لواء يوم القيامة عند إسته بقدر غدرته ، يقال : هذه غدرة فلان ابن فلان " .
فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية و الرق تبعاً للأم ، و النسب تبعاً للأب … " أهـ [58].
وقال ابن مفلح :" و تبعية النسب للأب ( ع ) ما لم ينتف منه ، كابن ملاعنة، فولدُ قرشي من غير قرشية : قرشيٌ ، لا عكسه . و تبعية حرية و رق لأم (ع) إلا من عذرللعيب أو غرور … ، و يتبع خيرهما ديناً . وقاله شيخنا." أهـ[59].
وقال ابن القيم رحمة الله عليه أيضاً :" … فإن النسب في الأصل للأب ، فإذا انقطع من جهته صار للأم ، كما أن الولآء في الأصل لمعتق الأب ، فإذا كان الأب رقيقاً ، كان لمعتق الأم . فلو أعتق الأب بعد هذا ، انجر الولآء من موالي الأم إليه ، ورجع إلى أصله ، وهو نظير ما إذا كذّب الملاعن نفسه ، واستلحق الولد ، رجع النسب والتعصيب من الأم وعصبتها إليه ، فهذا محض القياس وموجب الأحاديث والآثار ، وهو مذهب حبر الأمة وعالمها عبدالله بن مسعود ، ومذهب إمامي أهل الأرض في زمانهما ، أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وعليه يدل القران بألطف إيماء وأحسنه ، فإن الله سبحانه جعل عيسى من ذرية ابراهيم بواسطة مريم أمه، وهي من صميم ذرية ابراهيم… " أهـ [60].
ومن المسلَّم به عند الفقهاء أن النسب لا يقبل النقل ، و لهذا قالوا: " النسب لا يقبل النقل "[61]. و قال ابن بطال :" أجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب …"[62]. و قال القرطبي – عن حديث " نهى عن بيع الولاء … " : " و وجه الدلالة : أنه أمرٌ وجودي ، لا يتأتى الانفكاك عنه كالنسب ، فكما لا تنتقل الأبوة و الجدودة ، فكذلك لا ينتقل الولاء … " [63] .
وتصوير المسألة بذلك الشكل المتقدم ، و إثبات الشرف و النسب من خلالها بإطلاق ، يعارض هذه المسلمة المقررة في كلام الفقهاء .
وإذا كان الأمر كذلك عند الفقهاء ، فما هي حجة من قال باستثناء ولد الشريفة ، وهل عنده ما يقاوم تلك الأدلة المحكمة والقواعد المستقرة في الشرع أم لا؟
قبل الإجابة عن ذلك ، ينبغي التفريق بين مسألتين قد تختلط على البعض وهي: مسألة حمل عمود النسب ، ومسألة الدخول في الذرية والنسل والعقب ، فإن بينهما عموما وخصوصا وجهي ، ومن لم يفرق بينهما لايطرد له قول . ولهذا يتجاذب أصل هذه المسألة عدة أبواب وفروع فقهية ، مثل مسآئل : الوقف والوصية للأولاد ، وأولاد الأولاد : هل يدخل فيهم أولاد البنات أم لا ؟ وهي مسألة مشهورة عند الفقهاء ، وأرباب الفتوى ، لايكاد أن يخلو كتاب فقه من الاشارة إليها .
وكثير من الأدلة التي قد يسوقها بعضهم للانتصار للشرف من الأم وثبوته ، لايوجد كبير فآئدة من مناقشتها وتتبعها ، لأنها ليست من صُلَبِ الأدلة ، وهي غير صريحة في المسألة ، فهي أدلة تثبت شيئاً من الشرف و المتات ، والصلة والرحم ؛ والنسبُ شيءٌ ورآء ذلك .
وفي حقيقة الأمر ، فإنَّ الشرف المتنازع في إثباته بين الفقهاء الخائضين في المسألة لم يحرر المراد به . و لهذا قال الشيخ أبو عبدالله الشريف المالكي في هذه المسألة لما سئل عنها: " لا أعلم في المسألة نصاً للمتقدمين من أصحابنا المالكية ، و لا للمتأخرين ، إلا ما وقفت عليه للتونسيين ، القاضي أبي إسحاق ابن عبدالرفيع ، و هو يذهب إلى أن الشرف لا يثبت من جهة الأم ، و رئيس البجائيين الشيخ أبو علي ناصر الدين ، و هو يذهب إلى أن الشرف يثبت من جهة الأم .
وكلام الفريقين لم يتحقق فيه معنى الشرف المتنازع فيه نفياً و إثباتاً ، لكن المفهوم من كلام أبي إسحاق أن الشرف هو النسب ، و المفهوم من كلام الشيخ أبي علي أن الشرف هو الفضيلة على الغير ، و كأن الشيخ أبا علي راعى في ذلك الوضع اللغوي ، … " [64].
أقول : و لكن أبا علي ومن نحى منحاه يقول بإثبات النسب أيضاً !
ومن جملة أدلتهم : استدلالهم بآية الأنعام و ما فيها من ذكر أن عيسى عليه السلام من ذرية ابراهيم عليه الصلاة والسلام ، وستأتي مناقشة ابن القيم لها عند عرض كلامه في المسألة .
واستدل بعضهم بحديث :" ابن أخت القوم منهم " [65] . وهذا الحديث – كما يقول الحافظ ابن حجر – :" ليس على عمومه ، إذ لو كان على عمومه ، لجاز أن ينسب إلى خاله مثلاً ، وكان معارضاً لحديث :" من ادعى إلى غير أبيه … " المصرح بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك ، فعرف أنه خاص ، والمراد به : أنه منهم في الشفقة والبر والمعاونة ، ونحو ذلك " أهـ[66] .
ومما يبين أن هذا الحديث ليس المراد به أمر النسب : استدلال من استدل به في مسألة ذوي الأرحام هل يرثون كما يرث العصبات أم لا ؟! والذي يبين ذلك: " أنه لو صح الاستدلال بقوله :" ابن أخت القوم منهم " على إرادة الميراث لصحَّ الاستدلال به على أن العتيق يرث ممن أعتقه لورود مثله في حقه ، فدلَّ على أن المراد بقوله :" من أنفسهم " وكذا :" منهم " في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ، ونحو ذلك لا في الميراث". أهـ[67].
وتكون الحكمة – والله أعلم – في إيراد هذا الحديث :" إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلاً عن أولاد الأخوات حتى قال قائلهم :
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن بنو الرجال الأباعد
فأراد بهذا الكلام التحريض على الألفة بين الأقارب " أهـ[68] .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :" قلت : وأما القول في الموالي ، فالحكمة فيه ما تقدم ذكره من جواز نسبة العبد إلى مولاه لا بلفظ البنوة ، لما سيأتي قريباً من الوعيد الثابت لمن انتسب إلى غير أبيه ، وجواز نسبته إلى نسب مولاه بلفظ النسبة ، وفي ذلك جمع بين الأدلة ، وبالله التوفيق " أهـ[69] .



المحاجـة بين القولين عند الإمام ابن القيم


أجرى المحاجة بين القولين باختصار ابن القيم في " جلاء الأفهام " ، فقال رحمه الله تعالى: " …الذريةُ : الأولادُ وأولادهم ،وهل يدخل فيها أولاد البنات ؟ فيه قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد . إحداهما : يدخلون ، وهو مذهب الشافعي . والثانية : لايدخلون ، وهو مذهب أبي حنيفة .
واحتج من قال بدخولهم : بأن المسلمين مجمعون على دخول أولاد فاطمة رضي الله عنها في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم المطلوب لهم من الله الصلاة ؛ لأن أحداً من بناته لم يعقب غيرها ؛ فمن انتسب إليه صلى الله عليه وسلم من أولاد ابنته ، فإنما هو من جهة فاطمة رضي الله عنها خاصة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن ابن ابنته :" إن ابني هذا سيد " ، فسماه ابنه ، ولما أنزل الله سبحانه وتعالى آية المباهلة :" فمن حاجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم " الآية . دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسناً وحسيناً ، وخرج للمباهلة . قالوا : وأيضاً فقد قال تعالى في حق ابراهيم :" ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وهارون وكذلك نجزي المحسنين . وزكريا ويحيى وعيسى"، ومعلوم أن عيسى لم ينتسب إلى ابراهيم إلا من جهة أمه مريم عليها السلام.
وأما من قال بعدم دخولهم : فحجته أن ولد البنات إنما ينتسبون إلى آبائهم حقيقة . ولهذا إذا ولَّد الهذلي أو التيمي أو العدوي هاشمية لم يكن ولدها هاشمياً ، فإن الولد في النسب يتبع أباه ، وفي الحرية والرق أمه ، وفي الدين خيرهما ديناً ، ولهذا قال الشاعر :



بنونا بنـو أبناءنـا وبناتنـا بنوهن أبناء الرجال الأباعد .


ولو وصى أو وقف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد بناتها من غيرها . قالوا : وأما دخول فاطمة رضي الله عنها في ذرية النبي صلى الله عليه وسلم ، فلشرف هذا الأصل العظيم والوالد الكريم ، الذي لايدانيه أحد من العالمين ، سرى ونفذ إلى أولاد البنات لقوته وجلالته وعظم قدره ، ونحن نرى من لانسبة له إلى هذا الجناب العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسري حرمة إيلادهم وأبوتهم إلى أولاد بناتهم ، فتلحظهم العيون بلحظ أبنائهم ، ويكادون يضربون عن ذكر آبائهم صفحاً ، فما الظن بهذا الايلاد العظيم قدره ، الجليل خطره ؟!
قالوا : وأما تمسككم بدخول المسيح في ذرية ابراهيم ، فلاحجة لكم فيه . فإن المسيح لم يكن له أب ، فنسبه من جهة الأب مستحيل ، فقامت أمه مقام أبيه ، وهكذا كل من انقطع نسبه من جهة الأب ، إما لعان أو غيره ، قامت أمه في النسب مقام أبيه ، ولهذا تكون في هذا الحال عصبة في أصح الأقوال… " . انتهى كلام ابن القيم [70].
وبالجملة ، فمن التفت إلى التفريق بين مسألة حمل النسب ، ومسألة الذرية والعقب ، وبان له الفرق بينهما ، انحل عنده اشكال مسألة :" أولاد البنات " ودخولهم في الوقف والوصية وغيرها من المسآئل . وبه يظهر الراجح في مسألة " الشرف من الأم " ، والله تعالى أعلم .
وممن قال من الأئمة والفقهاء أن الرجل لايحمل نسب آل البيت الأشراف إنْ لم يكن أبوه كذلك جمعٌ من محققي المذاهب الفقهية الأربعة :
فقهاء الحنفية :
قال بهذا القول العلامة ابن عابدين الحنفي خاتمة محققي الحنفية في حاشيته ، المشتهرة باسم "حاشية ابن عابدين " [71]. وقد صرّح رحمة الله عليه في الفتاوى الحامدية بأن :" ولد الشريفة ليس بشريف " [72].
فقهاء المالكية :
في شرح الزرقاني على " خليل " :" و أما ابن الشريفة : فذهب ابن عرفة و من وافقه إلى أن له شرفاً دون من أبوه شريف ؛ و خالفه جمعٌ من محققي المشايخ التلمسانيين ، و ذهبوا إلى أنه شريف مثله " [73] . و منهم : محمد بن عرفة الدسوقي المالكي في حاشيته على " الشرح الكبير " [74].
قول الشافعية :
جعل السيوطي رحمه الله هذا القول مما جرى عليه السلف والخلف ، فقال في " الحاوي للفتاوى " :" ولهذا جرى عمل السلف والخلف على أن ابن الشريفة لايكون شريفاً " أهـ[75].
وفي " الفتاوى الحديثية " لابن حجر الهيتمي :" … ولهذا جرى الخلف كالسلف على ان ابن الشريفة من غير الشريف غير شريف ، ولو عمّت الخصوصية أن " ابن كل شريفة شريف " : تحرمُ عليه الصدقة ، وليس كذلك…" أهـ[76].
قول الحنابلة :
قياس المذهب عندهم عدم إثبات النسب الشريف من جهة الأم . و قد تقدم قول ابن حميد الحنبلي في تضعيفه للقول بهذه المسألة ، و هو أحد متأخرة الحنابلة ، و الله أعلم .
و هذا القول ، والله أعلم ، هو الراجح ، ويتأيد ذلك بعدة أمور أخرى غير ما ذكر:
منها : أن القول بأن ولد الشريفة شريف قد جرّ إلى ادعاء النسب الشريف، وتعرض فاعل ذلك لكبيرة من كبائر الاثم ، وذلك أن يدعي الرجل غير أبيه ، كما في الحديث :" ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله ، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار " رواه البخاري .
ومن قاعدة الشرع سده للذرائع ، وقد أصبح القول بهذه المسألة سبباً لادعاء النسب وحمله على غير المعروف عند النسابين ، ولهذا يجب سد هذا الباب .
وقد وصل الحال في بعض العصور إلى أن يتسنم نقابة الأشراف من لا يحمل نسبهم ، بل قد يُطرد عنها صاحب النسب الثابت ليتولى أمرها من ثبت شرفه من جهة الأم ؟! و من ذلك أيضاً تسلم الشيخ محمد بن أحمد بن محمد المعروف بـ " الدواخلي " الشافعي للنقابة بعد موت محمد بن وفا ، وكان يقال للدواخلي :" السيد " ، وذلك :" لأن أباه تزوج بفاطمة بنت السيد عبدالوهاب البرديني ، فولد له المترجم منها ، ومنها جاءه الشرف ، وهم من محلة الداخل بالغربية " أهـ [77].
ومنها : أن طرد هذا القول يشغب على أصول مستقرة ثابتة في أبواب الفقه ومسائل الشرع ، مثل مسائل الوقف ، والوصايا ، والمواريث ، وسهم ذوي القربى ، وتحريم الزكاة على الآل المحمدي ، وغير ذلك من المسائل والفروع .
ومنها : أن إطلاق لقب " الشريف " أو " السيد " أصبح في العرف مقصوراً على " ذرية الحسنيين" ، أو أحدهما دون الآخر ، أو أن المراد به " كل آل البيت " على خلاف طويل في ذلك ، لا طائل شرعي من تحقيق المراد به ، فالقول بهذه المسألة مما يزيد النزاع في ذلك المصطلح ويوسعه ، و يغير الأعراف شبه المستقرة ، و لا يخفى ما في هذا من محاذير .
كل ذلك مما يتأيد به المنع من حمل النسب الشريف عبر تلك المسألة .
وأما من قال من الأئمة و الفقهاء بأن :" الشرف يثبت لمن كانت أمه شريفة " ؛ فيقال : نعم ، يحصل الشرف لمن حصل له الايلاد من جهة الآل المحمدي لوجود الصلة والرحم بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولاريب أن في هذا شرفاً لصاحبه ، كما تقدم ذكره في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى ، لكن هذا لا يسوغ له شرعاً أن يخاطب ب:" الحسني " ، أو " الحسيني " ، أو حتى :" الشريف " .
و أنت خبير بما تقدم ، أن هناك فرقاً بين حمل عمود النسب الشريف ، ومسألة الشرف ، وأن ذلك مطرد في الشرع والقدر . فإثبات نوع من الشرف لمن حصل له ذلك الايلاد الكريم ، موجود في كلام من منع من حمل عمود النسب الشريف ، فقد صرح ابن عابدين رحمه الله تعالى وغيره بأن الشرف يحصل له ، ولكن يمنع صاحبه من حمل نسب غيره[78] . ولهذا مضت عادة بعض من يترجم لأخبار الناس وسيرهم أن يقول في ترجمة بعض من حصل له ذلك الشرف :" ابن الشريفة " [79]، ولا يقول فيه: " الشريف " ، والله تعالى أعلم .


خاتمة المختصر


ما يتعلق بآل البيت ، سوآءً في الآحكام الشرعية أو المسائل العقدية أو الحديث عن الفرق المنتسبة إليهم أو المتمسحة بعتبات أبوابهم ، أو الكلام في ما يتعلق بتواريخهم و أنسابهم … كل ذلك و غيره يحتاج إلى بحث علمي طويل بعيد عن الغرض و الهوى ، و أناس كآل محمد لا يليق بهم أن تبحث المسائل المتعلقة بهم على أي وجهٍ كان ، بل لابد من التحقيق و الجمع و استنطاق نصوص الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، و تحرير المسائل تحريراً يليق بمثل هذا البيت الشريف الذي لا يوجد على ظهر الأرض بيت يوزايه أو يقاربه في نسبه و منزلته .
و أرجو من الله تعالى أن يكون في هذا المختصر هدى لمن شاء الله رحمته من العباد ، و بلاغاً للحاضر و الباد ، و تنبيهاً لمن يشتغل بنسب آل البيت على غير وجه مرضي ، فإنَّ :" … النعام في القرى " .
إذا كان أثلُ الواد يجمع بيننا فغيرُ خفيٍ شيحُهُ من خُزَامِه


——————————

[55] إعلام الموقعين ( 2 / 65-70 ) ، و الأشباه و النظائر للسبكي ( / ) . و حاشية ابن عابدين ( 2 / 394 ) ، ( 3 / 14 ، 171 ) ، ( 4 / 446- 447 ) .
[56] منهم : ابن عبدالسلام انظر : " المعيار المعرب (12 / ) ، و ابن مفلح في " الفروع : 5 / 529 " فقد رمز للمسألة بـ ( ع ) و يعني بها أنها محل إجماع كما نصَّ على ذلك في أول كتابه . انظر : الفروع ( 1 / 64 ) .
[57] انظر : " الفروع : 5 / 529 " فقد رمز للمسألة بـ ( ع ) و يعني بها أنها محل إجماع كما نصَّ على ذلك في أول كتابه . انظر : الفروع ( 1 / 64 ) .
[58] إعلام الموقعين ( 2 / 66- 67 ) .
[59] الفروع ( 5 / 529 – 530 ) ، و انظر : نيل المآرب في شرح دليل الطالب لابن أبي تغلب ( 2 / 270) .
[60] زاد المعاد ( 5/ 400- 401 ) .
[61] تحفة المحتاج ( 5 / 401 ) . و هي قاعدة تتابع عليها الفقهاء .
[62] الفتح ( 12 / 42 )
[63] الفتح ( 12 / 45 ) .
[64] المعيار المعرب ( 12 / 211 ) .
[65] رواه البخاري ( رقم6762 ) .الفتح ( 12 / 48 ) .
[66] الفتح ( 12 / 55 ) .
[67] الفتح ( 12 / 49 ) . و انظر أيضاً : فيض القدير ( 1 /88 ) . و لهذا قال الإمام أحمد في حديث " موالي القوم من أنفسهم " :" هذا في الصدقة ، لا في النكاح " . قال ابن قدامة :" … ، و لهذا لا يساوونهم في استحقاق الخمس ، و لا في الإمامة ، و لا في الشرف " . أهـ . انظر : المغني ( 9 / 396 ) .
[68] الفتح ( 12 /49 ) .
[69] الفتح (12 / 49 ) .
[70] جلاء الأفهام لابن القيم (ص 203-205)تحقيق : محي الدين ميستو .
[71] حاشية ابن عابدين ( 3 / 14 ، 171 ) .
[72] انظر : الفتاوى الحامدية ( 1/19 ) .
[73] ( 6 / 105).
[74] حاشية الدسوقي ( 4/ 312 ) .
[75] الحاوي للفتاوى ( 2/32 ) ، وانظر : فيض القدير للمناوي ( 5/17 ) .
[76] الفتاوى الحديثية (ص121)
[77] تاريخ الجبرتي ( 3 / 589 ) .
[78] انظر : تنقيح الفتاوى الحامدية ( 1 / 19 ) . و قال في " رد المحتار " عند مسألة " عدم اعتبار التفاوت في قريش في الكفاءة " :" من هذا : أن من كانت أمها علوية مثلاً ، و أبوها عجمي ، يكون العجمي كفؤاً لها ، و إن كان لها شرف ، لأن النسب للآباء ، و لهذا جاز دفع الزكاة إليها ، فلا يعتبر التفاوت بينهما من جهة شرف الأم ، و لم أر من صرح بهذا ، و الله أعلم " . أهـ .( 2 / 319 ) .
[79] الضوء اللامع (2/202 ) .

أقرأ في الموقع :