نبي الملحمة

بواسطة |  الأستاذ عبد الصبور مرزوق
اطبع الموضوع
الأحد 04 جمادى الثانية 1429
الذين قالوا: إن محمداً رفع السيف, ونشر على حدِّه دعوته، ماذا كانوا يريدون منه أن يفعل بعد ما لقى من أذى المشركين ما يفوق احتمال البشر؛ حتى لقد كانت حمالة الحطب أم جميل بنت حرب تجمع الشوك والأقذار من كل مكان لتضعها على بابه وعلى طريقه؛ فلما نزل فيها وفي زوجها قوله -تعالى-: [وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5)] (المسد).
زادها الوعيد عنفاً؛ فأقبلت على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان جالساً بالمسجد مع أبي بكر, وبيدها حجر ضخم تريد -كما قالت- أن تدق به فم الرسول, فصرف الله بصرها عنه، وقالت لأبي بكر: والله لَوْ وَجدْتُه لضَربْتُ بهذَا الحجَرِ فَمَه, ثم أنشدت من شعرها تسب الرسول وتتحداه:
مُذَمَّماً عَصَيْنَا وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا
وَدِينَهُ قَلَيْنَا
وكان أمية بن خلف إذا رأى الرسول سبه علانية، وآذاه، وسخر منه حتى نزل فيه قوله -تعالى-: [وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ (2)] (الهمزة).
وكان النضر بن الحارث يصف رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنها أساطير الأولين, وفيه نزل قوله -سبحانه وتعالى-:[وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)] (الجاثية).
ومشى عقبة بن أبي معيط يوماً إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فتفل في وجهه بعد ما حرضه عليه أُبَيُّ بن خلف حتى قال الله فيه: [وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28)] (الفرقان).
أما الوليد بن المغيرة فقد وقف مستهيناً بالرسول يقول: أينزل على محمد وأُترك, وأنا كبير قريش وسيدها؟ ويُتْرَكُ أبو مسعود بن عمر سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين، إن هذا لغير معقول, وقد أجابه الله -تعالى- بقوله: [وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)] (الزخرف).
هكذا كانوا يعاملون الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يرعون حرمته, ولا يجاملون أهله وقرابته، ولا يترفقون به, حتى كان في مناجاته ربه يهتف بصوت يخنقه الألم.
“الَّلهم إنِّي أَشْكُو إلَيكَ ضَعْف قُوَّتي, وَقِلة حيلتي، وهواني عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحمين! أنْتَ ربُّ المُستَضعَفِين، وأَنْتَ رَبِّي فَإلى مَنْ تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمُني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أُبالي..
ولم يكن العذاب منصباً على الرسول وحده, بل لعل ما عاناه -على قسوته- كان أخف كثيراً إذا قيس بنصيب أصحابه من العذاب.
فقد لقي بلالُ بن رباح من أذى أُمَيَّةَ بن خلف ما يعرفه الصبية في معاهدهم حتى قال له أبو بكر يوماً: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حَتَّى متى؟
قال أمية: أنت الذي أفسدته فإن شئت فَأَنْقذهُ, فأنقذه الصديق وأعتقه.
ولقي عمار بن ياسر وأمه وأبوه من بني مخزوم من الأذى مالا يكاد يوصف.
ولم يكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يملك إلا أن يقول لهم حين يراهم قولته الشهيرة: “صَبْراً آلَ يَاسِر؛ فَإنَّ مَوْعِدَ كم الجَنَّة“.
فلما تمادى المشركون في طغيانهم, وأحس الرسول من نفسه العجز عن حماية أصحابه، ورَفْع الضُّرِّ عنهم آذنهم بالهجرة, وكان مهجرهم الأول خارجَ حدود الجزيرة إلى أرض الحبشة.
بل إن الرسول هو الذي اختار المكان لهم حين قال: “لَوْ خَرَجْتُم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكتً لا يظلم عندهُ أحدٌ, حتَّى يَجْعَلَ الله لكم فَرجاً مِمَّا أنتم فيه“.
فما الذي كان يريده المفترون على محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يفعل بعد ما ألح عليه العدوان هكذا, حتى كاد يأتي عليه.
إن الدنيا لَتَعرف كيف تَكتَّلَ الكفار ضده في الحصار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المشهور الذي أنزل بمحمد وصحبه وبعض قرابته من الضُّر ما آذاهم حتى أكل بعضهم يوماً من الجوع أوراق الشجر؛ ولولا رحمة الله التي عطفت عليه قلوب بعض الكرام لبلغ الكفار مرادهم، مما أكره الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الإذن لصحبه بالهجرة الكبرى إلى المدينة.
ثم أدركهم بعدها صبيحة الليلة التي جمع الكفارُ فيها من كل قبيلة فتى وقرروا أن ينُهْوا حياته بالسيف؛ حتى يضيع في القبائل دمه، وما تقوى على حربهم قريش.
فأي صبر كانوا ينتظرون من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوق هذا الصبر؟ وكيف تكون الموادعة بعد هذا سبيل التفاهم من أناس رفعوا عليه السيف, ولم يحمه منه أحد غير رعاية الله له؟!
إن صبر محمد -صلى الله عليه وسلم- على قومه حتى هذا المدى لهو آية الآيات على عظمة التسامح والمسالمة عند محمد، وإرخائه العِنان لقوم لم يكونوا يستحقون سوى الكبريت والحطب.
لقد سَالَمَ محمدٌ المشركين, وجاوز حدود الصبر, فما أجدت المسالمة, ولا أفاد الصَّبرُ, وأصبح الاستمرار عليهما مما لا يتفق ومنطقَ الحياة, ومما لا يتفق -كذلك- ومنطقَ النبي الذي جاء قوياً كفرسان العرب, عظيماً في حسبه ونسبه وفضائله, والذي جاء قبل هذا ليكون رسول حياة يخاطب أهلها بما يفهمون.
وما دامت السماء، بل ما دام التطور الزمني للمجتمعات قد جعل هذا نصيبه, فليكن هذا نصيبه..
إن لقيه الناس بالإحسان فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وإن كانت الأخرى فدين محمد فيه ترياق السموم، وقرع الحديد بالفولاذ.
وإذا كان الشر قد انتصر على الخير حيناً في نُبُوَّة مُوسى وعيسى -عليهما الصلوات السلام- فقد أُذن لمحمد في القتال حتى يَفْرِضَ الخير وجوده.
ومن عَجَبٍ أن ما اتخذه محمد -صلوات الله عليه- سلوكاً لنفسه، وطريقاً لحماية دعوته منذ القرون الطوال هو نفسه الطريق الذي آثرته البشرية دون غيره لضمان البقاء.
ولو خضع الناس، وأداروا خدودهم اليسرى لمن يصفعهم على اليمنى لما قامت على وجه الدنيا ثورة واحدة في وجه ظالم, ولعاش الطغاة أعمارهم محفوفين بالإجلال والإعظام.
ولو قال أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- مقالة أصحاب موسى: [اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] (المائدة: 24) لما قُدِّرَ للحياة أن تفيد من أسرار هذا الدين العظيم الذي لا يوجد لمشكلات عالم اليوم من حلول أفضل مما فرضها لها دين محمد -صلى الله عليه وسلم-!
هذا هو نبي الملحمة الذي قال الله فيه: [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)] (الحج).

المصدر: محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحمد تيمور باشا، ص 181-185