شجاعته – عليه الصلاة والسلام -

بواسطة | الشيخ محمد الخضر حسين
اطبع الموضوع
السبت 01 ربيع الأول 1429
إن سيرة تُبْهر العيون سناءاً، وتُطْرِق لها القلوبُ مهابةً لا يبلغ اللسان من وصفها إلا مقدارَ ما يبلغه واصف الشمس وهو لا يعرف منها سوى أنها كوكب ينسخ طلوعه سواد الليل.
وإني أخص كلمتي بخصلة خطيرة هي من أول ما يتوقف عليه النجاح في الدعوة، وهي شجاعته – عليه الصلاة والسلام – فقد كان المثل الأعلى في رباطة الجأش، واستقبال الخطوب بجبين طلق، وعزم لا يلتوي
                                                                    ولاحت نجوم للثرياكأنها *** جبين رسول الله إذ شاهد الزحفا
كان -صلى الله عليه وسلم- يتقدم في الحرب حتى يكون موقفه أقرب موقف من العدو، وإذا اتقدت جمرة الحرب واشتد لهبها آوى إليه الناس واحتموا بظله الشريف.
قال الإمام علي -رضي الله عنه-: "إنا كنا إذا حمى البأس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
وقال: "ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أقربنا إلى العدو".
ومما قرأنا في غزوة أحد أن أبا سفيان جمع جيشاً من قريش وأحلافهم، وأقبل بهم إلى حرب رسول الله في المدينة، فاستشار النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابَه: أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟
وكان رأيه أن يتركهم حتى ينفذوا إلى المدينة فيقاتلهم المسلمون في أفواه أَزِقَّتها، فبادر جماعة من أفاضل الصحابة، وطلبوا الخروج إلى العدو بإلحاح، فنهض -صلى الله عليه وسلم- ودخل بيته، ولبس لامته، وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك الذين كانوا قد ألحوا عليه في الخروج وقالوا له: إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".
هذه الكلمة لا تصدر إلا من قلب ملؤه الشجاعة، وفيها شاهد على أن اختياره للمقام بالمدينة حتى ينفذ إليهم العدو، لم يَشُبْه خاطرُ التهيب من لقائهم، وإنما هو الرأي والمكيدة في الحرب.
"ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".
هذه الكلمة لا يقولها إلا من نهض ليقضي حياته في الجهاد، ووجد بين جنبيه شجاعة يصغر أمامها كلُّ عظيم، وكذلك كان المصطفى – صلوات الله عليه – يحتقر كلَّ ما يسميه الناس خطراً، ويثبت في وجه كلِّ ما تتزلزل له أقدام الأبطال رهباً، وهل يتوارى عن الموت أو يقطب عند لقائه من يتيقن أن موته إنما هو انتقال من حياة مخلوطة بالمتاعب والمكاره إلى حياة أصفى لذة، وأهنأ راحة، وأبقى نعيماً.
بُلي المسلمون في تلك الغزوة حتى ولوا المشركين أكتافهم.
ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثبت بمكانه حتى انكفأت عليه كتائب المشركين، وهو في نفر قليل من أصحابه، فهشموا البيضة على رأسه، وجرحوا وجهه الكريم، وكسروا رَبَاعِيتَه، ولدينا مشاهد صدق على أنه كان يعظ الناس حين خفوا إلى الهزيمة وعظاً بليغاً، قال -تعالى-: [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] (آل عمران:153).
ولما تقطعت من حوله أسباب النصر الظاهرة، ولم يبق من سبب إلا سنة تأييد الله الخفية – أخذ حصيات ورمى بها في وجوه المشركين؛ فأدبروا.
ومن أقرب الشواهد على أنه يأخذ بوسائل الحذر، ويلاقي الأخطار في سكينة ورباطة جأش – أنه كان يوم هاجر، وآوى إلى غار ثور؛ احتراساً من أن يبصره عيون المشركين رأى الشيخَ الوقورَ أبا بكر الصديق وقد ساوره حزن، فَثَبَّتَ فؤاده، وقال له: [لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] (التوبة:40).
والشأن في رئيس القوم الذي يأنسُ في عدوه قوة تفوق قوته أضعافاً مضاعفة – أن يقف موقف الدفاع؛ لأن الغلبة إلى الدفاع أقرب منها إلى الهجوم، وقلما حدثته نفسه أن يهاجم قوماً هم أكثر منه عَدداً وأوفى عُدداً.
أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد بلغه أن الروم وقبائل من العرب يجمعون جموعهم؛ ليزحفوا على المدينة، فنادى بالتهيؤ لغزو الروم، وجدَّ في السير حتى انتهى إلى تبوك؛ فقذف الله في قلوب أولئك القوم رعباً؛ فأتاه رؤساؤهم، وطلبوه إلى الصلح، وأعطوه الجزية، ولما أَمِنَ مكرهم قفل إلى المدينة راجعاً.
أما إقدامه في الدعوة إلى الحق وهو ما يسمونه الشجاعة الأدبية فأوضح ما يعبر عنه أنه نشأ بين قوم غلاظ شداد، لا قانون يرهبهم، ولا محاكم تزجرهم؛ فقام يطعن في دينهم، ويذم آلهته، ويسفه أحلامهم، ويعيب كثيراً من عاداتهم، وطالما آذوه فاحتمل الأذى، وتوعدوه فما وهن لوعيدهم حتى كأن وعيدهم له حث وإغراء.
فحقيق على علماء الإسلام وزعمائه أن يقتدوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أدب الشجاعة التي هي الإقدام في حكمة، فقد جرت سنة الله على أن الحق لا يمحق الباطل ، والإصلاح لا يدرأ الفساد، إلا أن يقيض الله لهما رجالاً يؤثرون الموت في جهاد على الحياة في غير جهاد.