دولة الأشراف الهواشم الأمراء الحسنيين بالحجاز

بواسطة | عاتق بن غيث البلادي
اطبع الموضوع
الاثنين 17 ربيع الأول 1429
الأشراف الهواشم، الطبقة الثالثة من أشراف الحجاز
من سنة (456 – 597 هـ/ 1063- 1200 م)
أي نحو (142) سنة هجرية
***

يسمون الهواشم ويسمون الأمراء، أما تسميتهم بالهواشم فنسبة إلى جدهم محمد أبي هاشم مؤسس دولتهم، الآتي ذكره، أما تسميتهم بالأمراء فنسبة إلى جدهم: الحسين الأمير، قال ابن عنبة: وأما محمد الأكبر بن موسى الثاني، ويقال له: الثائر، فأعقب من صلبه خمسة رجال وهم: عبد الله الأكبر والحسين الأمير.. الخ([60])، وذريتهم اليوم منتشرون في مكة ومر الظهران، وينتسبون: الأشراف الهواشم، والأشراف الأمراء.
8- الشريف أبو هاشم محمد بن جعفر
( -586 أو 587هـ/ -1190 أو 1191م):
سبق معك في البحث السابق قصة الصليحي صاحب اليمن، واستيلاؤه على مكة والحج بالناس سنة (455هـ)، فلما قضى حجه، يقول الفاسي: وأقام إلى يوم عاشوراء -أي سنة (456هـ)- وراسله الحسنيون، وكانوا قد أبعدوا عن مكة: اخرج من بلدنا ورتّب منا من تختاره، فرتّب محمد بن أبي هاشم في الإمارة،ـ ورجع إلى اليمن. ومحمد ابن أبي هاشم صهر شكر على ابنته، وأمّره على الجماعة -أي الصليحي- وأصلح بين العشائر، واستخدم له العساكر، وأعطاه مالاً وخمسين فرساً وسلاحاً.. الخ([61]).
قلت: ويكاد يجمع المؤرخون على أن محمداً هذا هو محمد أبو هاشم بن جعفر بن محمد أبي هاشم بن عبد الله بن محمد أبي هاشم بن الحسين الأمير بن محمد الثائر بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى الجَون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب.
ودامت ولاية أبي هاشم ثلاثين سنة، أي من (456-486هـ) ([62]).
ولكن حفيد هؤلاء الهواشم الشاب: إبراهيم بن منصور، مؤلف كتاب: (الأشراف الهواشم الأمراء) ([63]) يستدرك قائلاً: وهم من بني أبي هاشم محمد الأمير بن الحسين الأمير بن محمد الثائر بن موسى الثاني -إلى آخر ما تقدم- ثم: وأول من تولى إمرة مكة منهم أبو هاشم الأصغر محمد بن عبد الله بن أبي هاشم محمد الأمير بن الحسين الأمير، بخلاف ما قرره المؤرخون من أن طبقة الهواشم عرفت من عهد أبي هاشم محمد بن جعفر([64]).
وإتمام رواية الفاسي في شفاء الغرام:… وأقام محمد ابن أبي هاشم بمكة نائباً عنه (الصليحي) فقصده الحسنيون بنو سليمان مع حمزة بن أبي وهاس، فلم يكن له به طاقة فحاربهم وخرج من مكة فتبعوه، فرجع فضرب واحداً منهم ضربة فقطع ذراعه وفرسه وجسده ووصل (السيف) إلى الأرض، فدهشوا ورجعوا عنه، وكان تحت فرس تسمى «دنانير» لا تكل ولا تمل، وليس لها في الدنيا شبيه. ومضى إلى وادي ينبع وقطعه الطريق عن مكة… إلى أن يقول: ولعل حمزة بن وهاس المذكور في هذا الخبر حفيد أبي الطيب المشار إليه.
وذكر شيخنا ابن خلدون ما يقتضي أبن ابن أبي هاشم ولي مكة في سنة (454هـ) بعد أن قاتل السليمانيين (قوم شكر) وغلبهم ونفاهم عن الحجاز، والله أعلم بذلك.
وعاد ابن أبي هاشم بعد خروجه من مكة إلى إمرتها، ودامت ولايته عليها -فيما أحسب- إلى أن مات في سنة بضع وثمانين، كما ذكر ابن الأثير وغيره، ورأيت في تأريخ ابن الأثير أن هؤلاء (التركمان) طلبوا من ابن أبي هاشم أموال الكعبة التي أخذها وأنهم نهبوا مكة.. الخ. وهو -أي أبو هاشم- أول من أعاد الخطبة العباسية بمكة، بعد قطعها من الحجاز نحو مائة سنة، ونال بسبب ذلك مالاً عظيماً من السلطان الب أرسلان السلجوقي، فإنه خطب له بمكة بعد القائم الخليفة العباسي، (خلافته: 422 – 468هـ)، وصار بعد ذلك يخطب حيناً للمقتدي بن القائم العباسي، وحيناً للمستنصر العُبَيدي صاحب مصر، ويقدم في ذلك من تكون صلته أعظم، ولعل ذلك سبب إرسال التركمان إلى، وذكر شيخنا ابن خلدون أن مدة إمرته على مكة ثلاثون سنة، وأنه ملك المدينة، انتهى عن شفاء الغرام بقليل من الاختصار.
أما النجم ابن فهد، فيقول في حوادث سنة (456هـ): فيها في المحرم بعث الأشراف الحسنيون إلى علي بن محمد الصليحي -وكانوا قد هربوا عن مكة لما دخلها الصليحي-: أن أخرج من بلادنا ورتّب منا من تختاره. فرتب أبا هاشم محمد بن جعفر ابن محمد بن عبد الله ابن أبي هاشم محمد بن الحسين (الأمير)… الخ النسب المعروف. وكان صهر شكر بن أبي الفتوح علي ابنته، وأمرَّه -أي الصليحي- على الجماعة، إلى آخر ما نقلناه سابقاً عن رحل إلى اليمن متخوفاًَ من الأشراف العلويين، لأنهم تجمعوا، فكان أن وقع الوباء في أصحابه، فمات منهم سبعمائة رجل، ولم يبق منهم إلاّ نفر يسير، فأقام بمكة -نائباً عنه- أبا هاشم ثم سار الى اليمن([65]). ثم الرواية المتقدمة، وقصة محاربة السليمانيين له، وفرسه دنانير وضربة السيف البتار، وسفره إلى ينبع… الخ.
ونراجع كتاب العز بن فهد([66]) فنجده لم يشذ عن أبيه ومن تقدمه، فينقل عن صاحب المرآة حج الصليحي سنة (455هـ)، وما فعله الصليحي وما فعله الأشراف في نهاية الحج، وتولية محمد بن جعفر الأمير.
إلا أن العز يورد: وذكر بعضهم أنه لما افتتح الخطبة العباسية قال:
الحمد لله الذي هدى بأهل بيته إلى الرأي المصيب، وعوَّض بنيه بلبسة الشباب بعد المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة، ومتابعة أهل الجماعة. وترك الأذان بحي على خير العمل([67]) وكان فعله ذلك سنة (462هـ).
ثم يقول: فلما لم يصل -في سنة (467هـ)- من جهة الخليفة العباسي ما كان يصل لأمير مكة، قطع خطبة المقتدي العباسي، وصادف مع ذلك أن المستنصر (العبيدي) أرسل إليه بهدايا وتحف ليخطب له، وقال له: إنما كانت أيمانك وعهودك للقائم وللسلطان ألب أرسلان، وقد ماتا، فخطب للمستنصر، ثم قطع خطبته في سنة (468هـ) وخطب للمقتدي: عبد الله بن محمد الذخيرة بن القائم العباسي. وصار يخطب تارة لبني العباس وتارة لبني عبيد. قال العز بن فهد: ثم هرب ابن أبي هاشم من مكة في سنة (484هـ) إلى بغداد لما استولى عليها التركمان الذين أرسلهم السلطان ملكشاه عبن ألب أرسلان السلجوقي للاستيلاء على الحجاز واليمن، إلى أن يقول: وذكر شيخنا ابن خلدون أن ابن أبي هاشم هذا جمع جموعاً من الترك، وزحف بهم إلى المدينة، وأخرج منها بني حسين([68]) وملكها، وجمع بين الحرمين، وأن ولايته كانت (33) سنة.
ثم يقول: ووقع في النسخة التي رأيتها من تأريخ شيخنا ابن خلدون -في نسب ابن أبي هاشم هذا- سقط وتخبيط في نسبه، لأنه أسقط بن جعفر وأبي هاشم محمد بن عبد الله، وصحّف الحسين والد أبي هاشم بالحسن، والصواب ما ذكرناه، أي الحسين الأمير. ابن ظهيرة قال([69]): ثم عاد محمد بن جعفر إلى مكة بعد خروجه، واستمر متولياً إلى أن مات في سنة (487هـ) وهو أول من أعاد الخطبة العباسية بعد أن قطعت نحو مائة سنة. وقد بالغ ابن الأثير في ذمه، فقال: ما له ما يمدح به. قال الفاسي: ولعل ذلك لنهبه الحاج، وقتله خلقاً كثيراً منهم في سنة ست وثمانين، وذكر ابن خلدون أن إمرته على مكة كانت ثلاثين سنة، وأنه ملك المدينة([70]).
أما العِصامي فكعادته عقد فصلاً، قائلاً: هؤلاء الهواشم من ولد أبي هاشم محمد بن الحسن بن الحسن بن محمد بن موسى (الثاني)([71])، وبقية النسب كما هو معروف، وقد قدمناه.
قلت: قول العصامي محمد بن الحسن، لعله يقصد جد جد المترجم هنا، وهو أبو هاشم محمد بن الحسين الأمير بن محمد الثائر بن موسى الثاني. وجملة (الحسن بن الحسن) فيها: الحسن الأول مقحم لا أصل له، والحسن الثاني صوابه الحسين، وهو أول من لقب بالأمير، ولذا تنتسب ذريته اليوم الأمير. وهذا النسب متفق عليه إلى علي كرم الله وجهه.
ثم يقول العصامي: ولما مات شكر ذهبت الرئاسة من بني سليمان([72]) لأن شكراً آخرهم ولم يعقب. وتقدم فيهم طراد بن أحمد، ولم يكن من بيت الإمارة، وإنما كانوا يؤملونه لإقدامه ورأيه وشجاعته، وسبقت الإشارة إليه، ولكن العصامي هنا لم يقل أن طراداً هو عبد شكر، ثم إنه ورد في غير مكان الإحالة، وعلى كل حال فإلماح الأخت هيام له ما يبرره مع غموض في قصة عبد شكر. وكان رئيس الهواشم يومئذ أبا هاشم محمد بن جعفر بن أبي هاشم محمد بن الحسن (الحسين)([73]) بن محمد… اله، وكان قد ساد في الهواشم وعظم ذكره. فاقتتلوا سنة أربع وخمسين وأربع مائة، بعد موت شكر، فهزم الهواشم بني سليمان وطردوهم عن الحجاز، فساروا إلى اليمن، وكان لهم به ملك([74]).
فاستقل بإمارة مكة الأمير أبو هاشم محمد بن جعفر بن أبي هاشم محمد بن الحسن([75]) المذكور، وخطب للمستنصر العبيدي. ثم ابتدأ الحاج العراقي سنة (456هـ) بنظر السلطان ألب أرسلان السلجوقي حين استولى ذلك فبذل المال وأخذ رهائن من العرب، وحج بالناس أبو الغنائم نور الهدى الزيني([76]) نقيب الطالبيين، ثم جاور في السنة التي بعدها واستمال الأمير أبا هاشم عن طاعة العبيديين، فخطب لبني العباس سنة ثمان وخمسين وأربع مائة (458هـ)، وانقطعت ميرة مصر عن مكة، فعذله أهله عما فعل، فرد الخطبة للعبيديين، ثم خاطبه القائم العباسي وعاتبه وبذل له الأموال فخطب له سنة (462هـ) بالموسم فقط، وكتب للمستنصر العبيدي الزيني -المتقدم- سنة (463هـ) أميراً على الركب العراقي ومعه عسكر ضخم لأمير مكة من عند ألب أرسلان، وثلاثون ألف دينار، وتوقيع بعشر آلاف دينار، واجتمعوا بالموسم، وخطب الأمير أبو هاشم للقائم العباسي، فقال: الحمد لله الذي هدانا أهل بيته إلى الرأي المصيب، وعوض بنيه لبسة الشباب بعد لبسة المشيب. وأما قلوبنا إلى الطاعة، ومتابعة الجماعة. فانحرف المستنصر ابن الظاهر بن الحاكم العبيدي (الفاطمي) صاحب مصر عن الهواشم، ومال إلى السليمانيين، وكتب إلى علي بن محمد الصليحي صاحب دعوتهم باليمن أن يعينهم (السليمانيين) على استرجاع ملكهم، وينهض معهم إلى مكة، فنهض وانتهى إلى المهجم([77])، وكان سعيد بن نجاح الأحول موتوراً من الصليحي قد جاء من الهند ودخل صنعاء فثار بها واتبع الصليحي وهو ف سبعين رجلاً والصليحي في خمسة آلاف فبيته بالمهجم وقتله.
ومعاصرنا أحمد السباعي، عقد فصلاً أيضاً، فقال:
الطبقة الثالثة من الأشراف «الهواشم»([78]).
ثم قال: ولم يطل مقام الصليحي في مكة إلى أكثر من شهر واحد لأنه ما لبث أن اختار لحكمها مؤسس الطبقة الثالثة؛ أبا هاشم محمداً بن جعفر بن محمد حفيد الحسين الأمير، وهو يجتمع مع الحسين هذا في الطبقة الأولى، كما يجتمع مع الطبقتين الأولى والثانية في جده الثامن عبد الله بن موسى الجون.
وقد زوده الصليحي بالمال والسلاح وأفرد له جيشاً يستعين به على امن البلاد. إلى أن يقول -ص (204)-: وهكذا ظل العباسيون والفاطميون يتناوبون استرضاء أبي هاشم بالهدايا والأموال عدة سنوات إلى أن كان عام (484هـ) حيث رأى العباسيون أن الفاطميين استطاعوا أن يستميلوه إليهم فقرروا أن يعاملوه بالعنف، فأرسلوا قوة من التركمان لقتال مكة فقاتلها أبو هاشم قتالاً عنيفاً، ثم يئس من النصر ففر إلى بغداد، ولعله أراد بذلك أن يسترضي العباسيين.
وعانت مكة كثيراً من الضيق والغلاء والشدة في هذا العهد، وذلك نتيجة طبيعية للنزاع الذي جرته الدعوة على منبر هذا البلد بين قوتين. وظل أبو هاشم في أخريات أيامه يدعو للعباسيين إلى أن توفي سنة (487هـ)([79]).
وبوفاة أبي هاشم انتقل الحكم إلى ابنه قاسم، كما سيتبع([80]).
وإذا كان لنا أن نرجع إلى مرجع معاصر هو (تأريخ أمراء البلد الحرام) للشيخ عبد الفتاح رواه([81]) نجده قال -يذكر الصليحي-: واستمر بمكة إلى يوم عاشوراء، وقيل إلى ربيع الأول أي سنة (456هـ) فقام عليه الأشراف الحسينيون، وقالوا: اخرج إلى بلدك، فجعل على مكة الشريف محمد بن جعفر… الخ، قلت: قوله (الحسينيون، كذا) وصوابه (الحسنيون)، لأن أشراف مكة كلهم من ذرية الحسن بن علي رضي الله عنهما، أما الحسينيون فهم أشراف المدينة. ولم يتعرض مترجموه لنواحيه الاجتماعية، مثل: الزواج والأبناء ونحو ذلك.
9- الشريف قاسم بن محمد أبي هاشم، وباقي الترجمة في ت ترجمة أبيه المتقدمة قبل هذا ( -518 أو 517 هـ/ – 1124 م أو 1123 م):
الفاسي، قال: وولي مكة بعد أبي هاشم قاسم بن محمد مدة يسيرة، ثم وليها بعده: أصبهيد (أصبهيد)([82]) بن سارتكين، لأنه في هذه السنة استولى على مكة عنوة، وهرب منها قاسم المذكور، وأقام بها أصبهيد إلى شوال سنة (487هـ). ثم أن قاسماً جمع عسكراً وكسر أصبهيد بعسفان([83])، فانهزم أصبهيد إلى الشام فدخل قاسم مكة، ودامت ولايته عليها، فيما علمت، حتى مات سنة (518هـ).
هكذا ذكر وفاته ابن الأثير وغيره، ووجدت (لا زال الكلام للفاسيُّ) بخطي فيما نقلته من تأريخ الإسلام للذهبي أنه توفي سنة (518هـ) ووجدت أيضاً ذلك فيما نقلته من تأريخ ابن خلدون في ترجمته، واستمرت إمرته ثلاثين سنة على الاضطراب. انتهى([84]).
قلت: بين وفاته ووفاة أبيه اثنتان وثلاثون سنة، كلها حكم فيها ما عدا أصبهيد، أقل من سنة.
وقال ابن فهد الأبُ: سنة سبع وثمانين وأربع مائة، فيها مات أمير مكة محمد أبو هاشم… فولي بعده قاسم ابنه، ثم استولى على مكة أصبهيد بن سرتكين عنوة، وهرب عنها صاحبها الأمير قاسم([85])، إلى آخر ما روينا عن شفاء الغرام آنفاً([86]).
ويذكر ابن فهد في حوادث سنة (515هـ): فيها ظهر بمكة إنسان علوي من فقهاء النظامية ببغداد، وأمر بالمعروف فكثر جمعه، ونازع أمير مكة قاسم، فقوي أمره، وعزم على أن يخطب لنفسه فعاد ابن أبي هاشم وظفر به، ونفاه عن الحجاز إلى البحرين.
قلت: في هذا الخبر: أن أمير مكة قاسم كان قد خرج من مكة خوفاً من هذا العلوي، وأن قاسماً عندما ظفر به نفاه إلى البحرين، ولم يقتله باعتباره إرهابياً، كما يفعل الناس اليوم!.
النظامية: مدرسة في بغداد، أسسها نظام الملك الحسن بن علي الملقب بنظام الملك قوام الدين الطوسي سنة (457هـ). خرَّجت علماء جهابذة. البحرين: كان اسماً للإقليم الممتد من قطر إلى الكويت. أما جار الله -في الجامع اللطيف- فقد جاء بنفس ما ذكره الفاسي تماماً.
وقال العز بن فهد([87]): قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى الثاني.
قلت: قوله: جعفر بن أبي هاشم بن محمد، أبو هاشم هو محمد لا ابن محمد. ثم أسقط عبد الله ومحمد أبا هاشم الجد. أما قوله: أبو هاشم بن محمد بن الحسن. الحسن صوابه الحسين الأمير، وهذا تصحف عند غير واحد.
فترجمه القاسم، هي: القاسم بن محمد أبي هاشم بن جعفر أبو الفضل بن محمد أبي هاشم بن عبد الله بن أبي هاشم محمد ابن الحسين الأمير بن محمد الثائر بن موسى([88])، وبقية العد لا خلاف فيه.
وكناه العز أبا محمد، وقال -نقلاً عن النويري في تأريخه في أخبار سنة اثنتي عشرة وخمسمائة -: أن أبا محمد قاسماً أمير مكة عمّر مراكب حربية، وشحنها بالمقاتلة، وسيرهم إلى عيذاب، فنهبوا مراكب التجار، وقتلوا جماعة منهم، فحضر من سلم من التجار إلى باب الأفضل -يعني أمير الجيوش وزير الديار المصرية- وشكوا ما أخذ منهم، فأمر بعمارة حراريق([89]) ليجهّزها له، ومنعه الناس أن يحجوا في سنة (514هـ) وقطع الميرة عن الحجاز، فغلت الأسعار. وكان الأفضل قد كتب إلى الأشراف بمكة يلومهم على فعل صاحبهم، وضمَّن كتبه التهديد والوعيد، فضاقوا بذلك ذرعاًَ ولاموا صاحبهم. فكتب الشريف قاسم يعتذر، والتزم برد المال إلى أربابه، ومن قتل من التجار رد ماله لورثته، وأعاد الأموال في سنة خمس عشر. إلى أن يقول: وفي تأريخ ابن الأثير أنه توفي في سنة (517هـ). ومن شعره في وصف حرب فخر فيه بقومه:
قوم إذا خاضوا الهجاج حسبتهم([90])
ليلاً وخلت وجوههم أقمارا
لا يبخلون برفدهم عن جارهم
عدل الزمان عليهم أو جارا
وإذا الصريخ دعاهم لملمةٍ
بذلوا النفوس وفارقوا الأعمارا
وإذا زناد الحرب أكبت نارها
قدحوا بأطراف الأسنة نارا
أما العلامة السيد أحمد بن زيني دَحْلاَن: واستمر محمد بن جعفر (أي والد قاسم) إلى أن توفي سنة (484هـ) ([91]) فولي مكة (القاسم ابن محمد بن جعفر) كذا قال الفاسي، وقال غيره: وهذا البطن يقال لهم الهواشم، ولم يزل القاسم على مكة حتى هجم (الأصهيد) كذا (أ ص هـ ي د) في أوائل السنة المذكورة، أي (487هـ) فهرب القاسم وأقام (الأصهيد) بمكة إلى شوال (487هـ) فجمع القاسم جموعاً وكبس الأصهيد سنة (488هـ) واستمر القاسم والياً على مكة إلى أن توفي في صفر (518هـ)، وقيل (517هـ).
وكان القاسم بن محمد هذا أديباً شاعر، ثم روى له:
قومي إذا خاضوا العجاج حسبتهم… الشعر المتقدم.
قلت: وقوله، وقال غيره: القاسم بن شُمَيل… الخ، تفرد الدحلان بهذا، وإذا كان له مخرج فإن شميلاً مات في حياة أبيه أبي هاشم، ونشأ القاسم في حجر جده فنسب إليه ونسي أبوه، وهذا مشاهد ولكنه شاذ.
أما صاحب السمط، فيقول: ثم ولي بعده -أي محمد بن جعفر- ابنه القاسم فكثر اضطرابه، ومهد بنو زيد أصحاب الحلة([92]) طريق الحاج العراقي فاتصل حجهم وحج سنة اثنتي عشرة وخمسمائة (نظر الخادم) ([93]) من قبل المسترشد العباسي، بركب العراق وأوصل الخلع والأموال إلى مكة، وأمن الاضطراب الذي وقع في ولايته استيلاء (اصبهبذ) كذا (أ ص ب هـ ب ذ) بن ساركتين على مكة في أواخر سنة (487هـ) فهرب القاسم، إلى آخر الرواية المتكررة عن (أصبهيد). ثم يقول: إلى أنه تفي سنة (518هـ) ([94]).
السباعي: وهو أكثر ميلاً لسرد الأحداث وشرح الأحوال الاجتماعية، قال: وبوفاته -أي محمد بن جعفر- تولى الإمارة ابنه قاسم، وظل أمر مكة في عهده عرضة للفتن التي تعرض لها أبوه قبله، من جراء احتكاك العباسيين بالفاطميين في شأن الخطبة.
وفي هذه الأثناء هجم على مكة (أصبهيد)، كذا بمثناتين تحت، وأجلى قاسماً عنها، ثم ما لبث قاسم أن أعاد الكرة على مكة وأجلى أصبهيد([95]) عنها في عام (488هـ). وظل قاسم على إمرة مكة إلى أن توفي في عام (518هـ) بعد أن حكم مكة نحواً من (35) سنة) وكان أديباَ شاعراً، وأورد له:
قومي إذا خاضوا العجاج…
الشعر المتقدم([96]).
ولم أر من مؤرخيه من ذكر بنيه غير ابنه فليتة الآتي بعد.
قلت: قوله وقول غيره أن قاسماً حكم (35) سنة لا يستقيم، فأبوه توفي سنة (486هـ) على أبعد تقدير، وهو توفي سنة (518هـ) فيكون الحساب: 518-486 = 32 سنة فقط، داخل في ذلك المدة التي حكمها التركمان بقيادة أصبهيد. والله أعلم.
10- الشريف فليتة بن قاسم:
( – 527 هـ/ -1132 م):
فَلِيتَةُ بن قاسم محمد أبي هاشم، المتقدم:
ترجم له الفاسي -في العقد: فليته -قائلاً: فُلَيتة بن قاسم بن أبي هاشم محمد بن جعفر ابن أبي هاشم محمد بن الحسن (الحسين الأمير)،إلى آخر نسب الهواشم المتقدم.
أمير مكة. هكذا سمّاه غير واحد، منهم القادسي والذهبي، وبعضهم يقول: أبو فُلَيتة، وممن قال بذلك الذهبي أيضاً، وذكر أنه خلف أباه فأحسن السياسة، وأسقط المكس عن أهل مكة. وذكر ابن الأثير أنه كان أعدل من أبيه وأحسن سيرة.
وتوفي يوم السبت الحادي والعشرين من شعبان سنة (527هـ)، وكان له أولاد منهم شكر، ومفرِّج، وموسى، وترجم كلاًّ منهم بالأمير، وما عرفت شيئاً عن حالهم سوى ذلك. أ هـ. قول الفاسي([97]).
قلت: بل كان له نحو عشرة من الولد: الثلاثة المقدم ذكرهم، وهاشم وعيسى ومالك، وكلهم حكم بعد أبيهم، وسيأتي ذكرهم، وحسين، وفيه انحصرت بطون الهواشم الموجودين اليوم في مكة وفي الدَّوْح من مر الظهران. وقال الشريف إبراهيم بن منصور الأمير: إنهم عشرة أي بإضافة ثلاثة إلى من قدمنا.
قلت: وقوله (الحُسيني) صوابه (الحَسَنِي) نسبة إلى الحسن.
ونجد ابن عنبة، وهو يترجم لفليتة، يذكر من أبنائه: يحيى وعبد الله، وهما غير من ذكرنا، فهؤلاء تسعة معدودون بأسمائهم، والله أعلم. ويتفق ابن عنبة أن وفاة فليتة كانت عام (527هـ). ابن فهد، قال -في حوادث سنتي (517 و 518هـ)-: فيها (517هـ) توفي أمير مكة أبو محمد قاسم بن أبي هاشم محمد بن جعفر.. الخ في اليوم السابع عشر من صفر، وولي بعده ابنه فليتة، فأحسن السياسة وأسقط المكوس… الخ ما تقدم، ولكنه قال: وقيل (أبو فليتة) ([98]) ولعله وهم. وكذلك قال ابن ظهيرة: فليتة، وقيل أبو فليتة. وطابق تأريخ وفاته (527هـ).
أما العز ابن فهد، فقد نقل ما قدمناه من قول الفاسي، واكتفى به([99]).
أما العصامي، فبعد ذكره وفاة أبيه، قال: ثم ولي بعده فليتة، وقيل أبو فليتة، فافتتح بالخطبة العباسية، وحسن الثناء عليه بالعدل، ووصل (نظر الخادم) أميراً إلى مكة على الحاج ومعه الأموال والخلع، ثم استمر فليتة إلى أن مات سنة (527هـ) وكانت مدته عشر سنين([100]). أما الدحلان فنعته بالأديب الشاعر، ولم يزد على من تقدم بشيء([101])، ولم يورد له شعراً.
وهكذا لم يختلف مؤرخو فليتة في شيء من أموره.
ما صحة اسم فليتة؟! كل من تقدم كتب اسمه هكذا (فليتة) رسماً غير مشكَّلاً، ما عدا العقد الثمين فقد ذكره مشكّلاً (فُلَيْتَة)، فلا أدري أهو بقلم الفاسي أو كان اجتهاداً من المحقق، وأميل إلى أنه من المحقق لأن الفاسي ذكره في شفاء الغرام (2/197) ولم يشكله. أما رسماً فقد قال بعضهم (فليتة، كسفينة) أي بالتكبير، وقال آخرون الغالب أنه بالتصغير، أما القول بأنه فليتة وقيل أبو فليتة، فظهر أنه قول الذهبي في دول الإسلام، فنقله عنه الفاسي، وتناقله مؤرخو مكة عن الفاسي، ومؤرخو مكة -بطبيعة الحال- ينقل بعضهم عن بعض.
أما المسموع من عامة الأشراف وأهل مكة، فهو بالتكبير، فإلى عهد قريب تسمى ذرية هذا الأمير (سادة فَلِيتة) ثم حذفوا كلمة بني تخففاً وكذلك أداة التعريف من السادة، فقالوا: (سادة فَلِيتة) أي السادة بنو فليتة. وكلمتا السادة والأشراف مترادفتان، الشريف سيّد، والسيّد شريف، فنجد السليمانيين -المتقدم ذكرهم- في المخلاف والقنفذة يدعون السادة، بل أن المجايشة، وهم من نسل أبي نمي الأول، يسمى أحدهم سيداً.
وسواء كان اسم هذا الشريف بالتكبير أو بالتصغير، فإنه اسم علم لا نبزاً ولقباً. والاسم لا يشين الإنسان ولا يزينه، بل الإنسان هو الذي يزين الاسم أو يشينه بأفعاله، ولعل أفعال هذا الأمير الحسان هي التي جعلته يعطي اسمه لذريته.
فإنك -مثلاً- في اليمن عندما تقول: الأهدل، أو الأكوع، أو الحبشي، تقابل هذه الأسماء بالتجلة والاحترام، رغم أنها ألقاب ربما كان من أطلقت عليهم كانوا يتبرمون بها، ولكن ذراريهم جعلت منها رموزاً لها رنين كرنين الذهب.
ولا على إخواننا الهواشم، بعد هذا المجد المؤثل، أن يتسموا بأي اسم فإنهم سيزينونه ويجعلون له من فعالهم حلية وبهاء.
11- الشريف هاشم بن فليتة ( -549 أو 551 هـ/ – 1154 أو 1156 م):
ترجمة الفاسي فقال([102]):
هاشم بن فُليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر.. الخ النسب المتقدم المعروف.
أمير مكة. أظنه ولي إمرة مكة بضعاً وعشرين سنة، لأنه ولي بعد وفاة أبيه في شعبان سنة (527هـ)، حتى مات سنة (549هـ) كما هو مقتضى كلام ابن خلكان، وقيل إنه توفي وقت العصر من يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم، سنة (551هـ) ودفن ليلة الأربعاء الثاني عشر من المحرم، وقد بقي من الليل ثلثه، وولي بعده الأمير قاسم (ابنه).
فكان بين هاشم بن فُليتة هذا وبين الأمير نظر الخادم، أمير الحج العراق فتنة، فنهب أصحاب هاشم الحجاج، وهم في المسجد الحرام يطوفون ويصلون، وذلك في سنة (539هـ) وكان في ولايته على مكة، وقعة بعُسفان ذكرها ابن البرهان (الطري)، وذكر أنها كانت يوم الأحد الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة (527هـ). قال: وانهزم عبد الله وعسكره، وما عرفت عبد الله هذا، وأتوهم أنه قريب لهاشم بن فليتة، وما عرفت سبب هذه الفتنة أيضاً.
قلت: هذه الوقعة في سنة وفاة أبيه الذي توفي كما تقدم في شعبان من هذه السنة، أي في أول سنة بل في الشهور الأولى لولاية هاشم، فيظهر أن سببها التنازع على الولاية، ولعل عبد الله هذا هو أخوه عبد الله بن فليتة المتقدم ذكره، يعضد هذا الرأي أن الطبري اكتفى باسمه لشهرته وقربه من الأمير، والله أعلم، أما ابن فهد فيورد ما تقدم ويكتفي به([103]).
ويذكر ابن ظهيرة فليتة، قائلاً: ثم ولي مكة بعده ابنه هاشم، واستمر متولياً إلى أن مات سنة (549هـ) وقيل (551هـ) ولم يختلف عليه اثنان مدة ولايته، ثم ولي بعده ابنه قاسم([104]).
قلت: قوله: لم يختلف عليه اثنان، يرده ما تقدم من وقعة بينه وبين عبد الله.
أما الدحلان فيقول -بعد ذكر وفاة فليتة-: فولي مكة ابنه هاشم، وفي سنة (539هـ) نهب هاشم بن فليتة الحج العراقي بالحرم وهم يطوفون، لفتنة وقعت بينه وبين أمير الحاج العراقي. ودامت ولاية هاشم إلى سنة (549هـ) وقيل إلى سنة (551هـ) فتوفي([105]).
أما السباعي فيقول: بوفاة فليتة اختلف أبناؤه على الحكم فنشب بينهم القتال، واستطاع أحدهم (هاشم) أن يتغلب بسيفه عليهم وأن يستأثر بالحكم. إلى: وقد دام حكمه نحو (18) سنة وتوفي في (545هـ)، ويذكر صاحب النفوذ الفاطمي في جزيرة العرب أن هاشماً دعا للعباسيين في إمارته([106]).
قلت: تفرد السباعي بالقول إنه توفي سنة (545هـ). ويذكر ابن عنبة لهاشم من الولد: قاسم، وقد ولي بعده، وسيأتي إن شاء الله.
12- الشريف القاسم بن هاشم:
( -556 هـ/ – 1160 م):
ترجم له الفاسي([107]) ترجمة مطولة، فقال: قاسم بن هاشم بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر الحسني، أمير مكة المعروف بابن أبي هاشم. ولي بعد أبيه، واختلف في تأريخ ولايته، فذكر عمارة اليمني([108]) الشاعر، في تأليف له سماه (النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية) ولايته مع شيء من خبره. قال: سنة (549هـ)، وفي هذه السنة (في الموسم) مات أمير الحرمين هاشم بن فليتة، وولي الحرمين ولده قاسم، فألزمني السفارة عنه، والرسالة إلى الدولة المصرية. إلى أن يقول: ألزمني أمير الحرمين (أي قاسم) الترسُّل عنه إلى الملك الصالح، بسبب جناية جناها خَدَمُه على حاج مصر والشام، وهو مال أُخذ منهم بمكة… الخ، وذكر عمارة في أخبار الناصر بن صالح طلائع بن زُريك، أنه قام عن الحجيج بما يستاديه منهم أمير الحرمين، وسيّر على يد الأمير شمس الخلافة، إما خمسة عشر ألف أو دونها، إلى أمير الحرمين قاسم بن هاشم، برسم إطلاق الحاج.
ثم يقول الفاسي: ووجدت بخط الفقيه جمال الدين بن برهان الطبري، أن الأمير قاسم بن هاشم ولي بعد أبيه يوم الأربعاء ثاني عشر محرم، سنة (551هـ) وما اختلف عليه اثنان، وأنه أمّن البلاد. وفي ولاية قاسم هذا، دخلت هُذيل إلى مكة ونهبوا، وذلك في سنة (553هـ) على ما وجدت بخط ابن البرهان أيضاً. ووجدت بخطه أن قاسماً قتل يوم السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة (556هـ)، ولم يذكر من قتله، ولا سبب قتله. وذكر ذلك ابن الأثير في كامله، مع شيء من خبر قاسم هذا، لأنه قال في أخبار سنة (556هـ): كان أمير مكة هذه السنة قاسم ابن فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلوي الحسني، فلما سمع بقرب الحج من المدينة، صادر المجاورين وأعيان أهل مكة وأخذ كثيراً من أموالهم، وهرب خوفاً من أمير الحاج أرغن، وكان قد حج هذه السنة زين الدين علي ابن بالتكين صاحب جيش الموصل.. إلى أن يقول: فلما وصل أمير الحاج إلى مكة، رتب مكان (قاسم) ابن فليتة عمه عيسى بن قاسم.. الخ، فبقي كذلك إلى شهر رمضان، ثم إن قاسمك بن فليتة، جمع جمعاً كثيراً من العرب، فاتبعوه، فسار بهم إليهم، فلما علم عمه فارقها، ودخلها قاسم، وأقام بها أميراً أياماً، ولم يكن له مال يوصله إلى العرب، ثم إنه قتل قائداً معه كحسن السيرة، فتغيرت نيات أصحابه، فكاتبوا عمه عيسى، فقدم عليهم، فهرب قاسم وصعد جبل أبي قبيس، فسقط عن فرسه فأخذه أصحاب عيسى فقتلوه.
فسمع عيسى، فعظم عليه قتله، وأخذه وغسّله ودُفِنَ بالمعلاة عند أبيه فليتة، واستقر الأمر لعيسى. ثم يقول الفاسيُّ: وما ذكره ابن الأثير يقتضي أن قاسم بن هاشم إنما توفي في سنة سبع وخمسين (وخمسمائة)، وهو يخالف ما سبق من أنه توفي (27/5/656هـ). والصواب في نسبته: قاسم بن هاشم بن فليتة، لا قاسم بن فليتة، كما ذكر ابن الأثير. انتهى ما أورده الفاسي بشيء من التصرف.
ويلاحظ الآتي:
1- على ما روى الفاسي، فإن قاسماً لم يدرك حج (556هـ)، إذ هرب خوفاً من الحاج، وكما نَبَّه الفاسي آنفاً فإن قاسماً مات على رواية ابن الأثير -ما يفهم من السياق- سنة (557هـ).
2- قوله: ابن فليتة، وقوله: عند أبيه فليتة، وهمٌ نبه عليه الفاسي أيضاً، آنفاً.
3- اتضح سبب قتله الذي قال في صدر الترجمة أنه لا يعرف من قتله ولا سبب قتله.
4- عيسى ليس ابن قاسم، بل ابن فليتة، وهو، أي عيسى، عم صاحب الترجمة.
5- قوله: توفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة (656هـ)، صوابه سنة (556هـ) إن لم يكن (557هـ).
6- إن مكة والمدينة يسمى جمعهما الحرمين منذ القرن السادس، بخلاف من عزا ذلك إلى العثمانيين الذين لم يملكوا الحجاز إلاّ في القرن العاشر.
7- إن من جمع بين مكة والمدينة يسمى أمير الحرمين.
أما الدحلان فيجعل عودة قاسم بن هاشم إلى مكة بعد فراره، جعلها سنة (557هـ)([109])، وبقية ما عنده، هو ما قدمنا. والقول بعودته سنة (557هـ) هو الصواب: إذ أنه فر عن الحاج سنة (556هـ)، أي آخر السنة. ويقول العصامي([110]): ثم قتل قاسم سنة (556هـ) أما السباعي فيقول:
وبوفاة قاسم (ابن فليتة) تولى الأمر بعده ابنه هاشم، وكان في مثل شكيمة أبيه وبأسه، وقد ورث عنه كره العباسيين… إلى أن يذكر سفارة عمارة اليمني، وينشد مطلع قصيدة عمارة:
ورحنَ من كعبة البطحاء والحرم
وفداً إلى كعبة المعروف والكرم
ثم يجعل هروب هاشم سنة (555هـ)، ويذكر الفتنة السابقة، وما نقله عن الفاسي وغيره.
13- الشريف عيسى بن فَلِيتَة([111])
( – 570هـ/ – 1174م):
ترجم له في العقد الثمين: عيسى، فقال: عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر المعروف بأبي هاشم. أمير مكة. ولي غمرة مكة في آخر سنة (556هـ) بعد ابن أخيه قاسم بن هاشم بن فليتة، وذلك على ما ذكر ابن الأثير إن قاسماً… (إلى آخر ما روينا في ترجمة قاسم قبله، فأغنى عغن التكرار). وقتل قاسم على ما تقدم، فيقول: واستقر الأمر لعيسى، ومن خبر عيسى. ولم يذكره ابن الأثير في تأريخه، ما وجدته بخط بعض المكيين، وهو أنه حصل بين عيسى بن فليتة وبين أخيه مالك بن فليتة، اختلاف في أمر مكة غير مرة، في هذه السنة،ـ وتخلف بمكة، وحج مالك، ووقف بعرفة، وبات الحاج بعرفة إلى الصبح، وخاف الناس، خوفاً شديداً، فلما كان يوم عاشوراء من سنة (566هـ) دخل الأمير مالك وعسكره إلى مكة، وجرى بينهم وبين عيسى وعسكره فتنة إلى وقت الزوال، ثم أُخرج الأمير مالك واصطلحوا بعد ذلك، وسافر الأمير مالك إلى الشام([112]) وجاء من الشام في آخر ذي القعدة، وأقام ببطن مَرّ أياماً، ثم جاء إلى الأبطح هو وعسكره، وملك خدام الأمير مالك وبنو داود وعسكره، وأخذوا جلبة([113]) وصلت إليها، فيها صدقة من قبل شمس الدولة، وجميع ما مع التجار الذين وصلوا في الجلبة، ونزل مالك في المربع هو والشُّرَف([114])، وحاصر مكة أياماً، ثم جاء هو والشُّرَف من المعلاة، وجاء هذيل والعسكر من جبل أبي الحارث، فخرج إليهم عسكر الأمير عيسى فقاتلوهم فقتل من عسكر الأمير مالك جماعة، ثم ارتفع إلى خيف بني شديد. أ هـ. قال الفاسي أيضاً: ووجدت بخط بعض أصحابنا، فيما نقله من مجموع للفخر بن سيف، شاعر عراقي، ما نصه: دخلت على الأمير عيسى بن فليتة الحسني، وكنت كثير الإلمام به، والدخول عليه، لكونه لا يشرب مسكراً، ولا يسمع الملاهي، وكان يجالس أهل الخير، ولم ير في سِيَر من تقدمه من الولاة مثل سيرته، وكان كريم النفي واسع الصدر كثير الحلم، فقال: أنشدني شيئاً من شعرك، فقلت: قد علمت بيتين الساعة في مدحك.
فقال: أنشدني ما قلت، فأنشدته:
أضحت مكارمُ كعبةً ولقد
تعجّب الناس من ثنتين في الحرم
فهذه تحبط الأوزار ما برحت
وهذه تشمل الأحرار بالنعَمِ
قال: فاستحسنهما غاية الاستحسان، وقال: ودخلت عليه في سنة ستين وخمسمائة، وكنت مجاوراً أيضاً، وكان نازلاً (بالمربع)([115])، فوجدت عنده أخاه مالكاً، وكان ذلك اليوم الثاني عشر من ذي القعدة من السنة المذكورة، ونحن في حديث الحاج، وتوجههم إلى مكة، فأنشدته في قصيدة أولها:
حملت من الشوق عبئاً ثقيلاً
فأورث جسمي المعنَّى نحولا
وصيرني كلفاً بالغرا
م أندب ربعاً وأبكي طلولا
نشدتكما اللَّهَ يا صاحبيّ
إن جزتما بلوى الطلح ميلا
نسائل عن حيهم بالعرا
ق هل قوضت أم تراهم حلولا
فقال لي: لا إن شاء الله قوضت وتوجهت إن شاء الله تعالى بالسلامة… الخ.
وجرى في ولاية عيسى حوادث، منها: في سنة (557هـ) بمكة فتنة بين أهلها والحجاج العراقيين، كان أن قتل من الطرفين جماعة، وأخذ من جمال الحاج نحو ألف، فرجع أمير الحاج، ولم يدخل مكة أثناء النزول من منى، وزل الزاهر يوماً واحداً، وخرج الحاج العراقي على حالة سيئة. وأصاب مكة غلاء شديد حتى أكل الناس الميتة والدم، ومنها سيل عظيم دخل من باب بني شيبة.
وكانت وفاة عيسى بن فليتة هذا، في الثاني من شعبان سنة سبعين وخمسمائة. انتهى ما أورد الفاسي باختصار في بعضه.
وكان لعيسى أولاد، منهم: مُكثَّر، وداود، وكلاهما حكم بعده، وسيأتي ذكرهما.
أما صحة نسبه فبمثل هذا رواه ابن عنبة، في عمدة الطالب.
قال ابن ظهيرة([116])، بعد أن ذكر مقتل القاسم بن هاشم المتقدم: واستقر الأمر بعده لعمه عيسى بن فليتة إلى أن مات سنة سبعين وخمسمائة. أما زيني دحلان فنقل ما تقدم عن الفاسي، وقال: واستمر أمر عيسى إلى سنة خمسمائة وخمس وستين، فنازعه أخوه مالك بن فليتة، وذكر نحو ما تقدم.
14- الشريف داود بن عيسى:
( -589هـ/ -1193 م):
ترجمه في العقد الثمن/ داود، فقال: داود ابن عيسى بن فليتة بن قاسم.. الخ، أمير مكة. ثم ما خلاصته: إنَّ داود هذا ولي مكة بعد أبيه بعهد منه، في أوائل شعبان سنة (570هـ) ([117])، فأحسن السيرة وعدل في الرعية، فلما كان ليلة منتصف رجب من سنة (571هـ) أخرجه منها أخوه مكثر، ولحق داود بوادي نخلة، ثم عاد، واصطلح مع أخيه في نصف شعبان من هذه السنة، وكان الذي أصلح بينهما، شمس الدولة أخو السلطان صلاح الدين، لما قدم من اليمن، فلما انقضى الحج من هذه السنة، سلمت مكة إلى داود هذا، بعد أن أخرج منها أخوه مكثر، لما وقع بينه وبين طاستكين([118])، وأسقط داود جميع المكوس. ورحل الحاج بعد أن أخذ على داود المواثيق ألا يغير شيئاً مما شرط عليه، وكانت مكة سلمت قبله للأمير قاسم الحسيني أمير المدينة، وأقام فيها ثلاثة أيام، فلما عجز قاسم بن مهنّا عنها سلمت إلى داود المذكور.
ولم تطل ولاية داود، لأن أخاه مكثراً استولى عليها فكان أميرها سنة (572هـ) ثم عاد داود إلى إمرة مكة، وما عرفت متى كان عوده إليها (القول للفاسي)، إلاّ أنه كان والياً بها سنة (587هـ)، وفيها عزل عنها، وأخذ ما في الكعبة من الأموال… الخ، عزله أمير الحاج العراقي وولى أخاه مكثراً، وأقام داود بنخلة، إلى أن توفي في رجب سنة (589هـ). وهو وآباؤه الخمسة أمراء مكة. انتهى قول الفاسي بشيء من التصرف.
والذين وُلّوا مكة من آبائه أربعة: أبوه عيسى، وجده فليتة، وجد عيسى قاسم، وجد فليتة محمد بن جعفر، وهو الخامس. ولداود ابن اسمه أحمد.
قلت: ونسبه المتقدم أثبته ابن عنبة في (عمدة الطالب) والشريف إبراهيم بن منصور في كتابه (الأشراف الهواشم).
ويذكر العصامي سبب عزل داود المتقدم([119])، فيقول: وسبب عزله أن أم الناصر الخليفة العباسي حجت في زمنه، ثم أنهت إلى ابنها الناصر عن داود ما اطلعت عليه فعزل.
أما ابن فهد([120])، فيجعل موت داود يوم الاثنين رابع عشر شعبان، أي من سنة (589هـ) بنخلة كما تقدم، وتابعه ابنه العز نقلاً -على تأريخ الوفاة.
15- الشريف مُـكَـثِّر بن عيسى
( – 600 هـ/ -1203 م):
هكذا ضبطه محقق العقد الثمين، بتشديد المثلثة المكسورة، والشائع عند مؤرخي مكة: (مُكثِر) وكذلك ضبطه الزركلي في الأعلام: (مُكَثِّر بن عيسى بن فليتة) الخ الترجمة. وقال الزركلي في الحاشية المطولة عن مكثر:.. ولم أجد ما يعول عليه في ضبط (مكثر) بتخفيف الثاء أو تشديدها، إلا أن الفيروز أبادي يقول في مادة كثر: وسمّوا كثيرة ومكثّراً بالتشديد، كمحدّث، ولم يذكر التخفيف، واستدركه الزبيدي في تاج العروس، فقال: وكمحسن، أي بكسر الثاء المخففة.
قال كاتبه: أظنه كذلك، ولم أر العرب سمت قبل ولا بعد هذا الرسم على أي ضبط كان، إلاّ ما لم يقع بيدي.
ترجمه في العقد الثمين، فقال: مُكَثِّر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر الحسني المكي، وبقية نسبه تقدم في ترجمه جده الأعلى محمد بن جعفر المعروف بابن أبي هاشم أمير مكة. كانت ولاية مكثر لمكة مدة سنتين، وكان يتداول إمرتها هو وأخوه داود، وقد خفي علينا مقدار مدة ولاية كل منهما، مع كثير من حالهما، وكانت إمرة مكة فيه وفي أخيه داود نحو ثلاثين سنة، وبمكثر انقضت ولاية الهواشم من مكة، ووليها بعده أبو عزيز -سيأتي- وذلك في سنة (597هـ) ([121])، على ما ذكر الميمورقي، نقلاً عن عثمان بن عبد الواحد العسقلاني المكي، أو في سنة ثمان وتسعين، كما ذكر الذهبي، أو في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، كما ذكر ابن محفوظ. أما ولاية مكثر على مكة فكانت في سنة (571هـ). ثم ذكر الفاسي ما حدث في عهد داود وقد ذكرناه، إلى أن يقول: وكان الخليفة قد أمر أمير الحاج بعزل مكثر وإقامة أخيه داود مكانه، وسبب ذلك أنه قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس، إلى… فهرب مكثر، فقصد إلى القلعة التي بناها، فحصروه بها، ففارقها، وولي أخوه داود الإمارة، إلى آخر ما تقدم في حوادث الأخوين.
ثم يقول: ومن أعجب ما جرى، أن إنساساً زرّاقاً([122]) ضرب داراً بقارورة نفط فأحرقها وكانت لأيتام، فاحترق ما فيها، ثم أخذ قارورة أخرى فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها فاحترق الزراق بها، فبقي ثلاثة أيام يتعذب ثم مات.
ويذكر ابن جبير صاحب الرحلة: أن خطيب مكة كان يدعو لمكثر بعد الخليفة الناصر العباسي وقبل صلاح الدين، وقال: إن مكثراً ممن يعمل غير صالح.
ويذكر ابن جبير أن الحجاج كان يؤخذ منهم مكس في عيذاب، وذكر فظائع يعملها عمال مكثر، إلى أن محا السلطان صلاح الدين ذلك، وعوض مكثراً عنه.
ثم يقول ابن جبير: وكان زوال هذه البدعة القبيحة على يد السلطان صلاح الدين في سنة (572هـ) ثم ذكر كتاب صلاح الدين إلى مكثر، يعظه، ثم يهدده إن لم يرتدع.
وتوفي مكثر سنة (600هـ) بعد أن استولى قتادة على مكة بواسطة ابنه (حنظلة أو عزيز) سنة (597هـ) فذهب إلى نخلة (الشامية) فبقي هناك حتى مات، وفي سنة وفاته خلاف قد يأتي. ويرجح الفاسي وفاته سنة (600هـ) إذ يقول: وذكر بعضهم أنه مات سنة (589هـ) وذكر بعضهم أنه مات سنة (590هـ)، وكلا القولين وهم، والذي مات في هذا التأريخ أخوه داود، والله أعلم. انتهى قول الفاسي، بتصرف واختصار.
ابن فهد قال([123]): فيها -سنة (571هـ)- في ليلة النصف من رجب، خرجت خوارج على داود بن عيسى بن فليتة، ففارق منزله، وسار إلى وادي نخلة([124])، وولي أخوه مكثر مكة عوضه، ولم يتغير عليه أحد، فلما كان ليلة النصف من شعبان -أي 572- قدم من اليمن شمس الدولة توران شاه، أخو صلاح الدين، فاجتمع به الأمير داود والأمير مكثر بالزاهر، وأصلح بينهما.. الخ ما تقدم في ترجمة داود، وهروب مكثر.
ويذكر ابن فهد في سنة (579هـ) إن الأمير سيف الإسلام أخا صلاح الدين حضر إلى المسجد الحرام وفتح له باب الكعبة، فدخله مع الأمير مكثر([125]). ثم انقرضت دولة الهواشم بني فليته وانتزع مكة من مكثر أبو عزيز قتادة ابن إدريس، وسبب انتزاعها ما كان عليه أمراؤها الهواشم من انهماك على اللهو، وتبسطهم في الظلم، وإعراضهم عن صونها.. الخ.
ولم تشذ بقية المراجع التي ترجمته مكثراً عما تقدم، فتركنا ما فيها لعدم كثرة التكرار.
إلاّ أن ابن ظهيرة ذكر شيئاً، إذ قال: ثم انفرد بها مكثر عشر سنين متوالية، آخرها سنة (597هـ)، أي سنة استيلاء قتادة عليها، ثم يقول: وهو -مكثر- آخر أمراء مكة المعروفين بالهواشم([126]).
قال كاتبه: والمتفق عليه أن سنة (597هـ) هي نهاية دولة الهواشم، وبداية دولة بني قتادة، وإن وفاة مكثر هي سنة (600هـ)، والخلاف فيها غير معتبر. فإذا عرفت أن دولة الهواشم بدأت بأبي هاشم محمد بن جعفر سنة (456هـ)، وانقرضت على يد مكثر بن عيسى سنة (597هـ) عرفت أن مدتها هي (141) سنة قد تزيد شهوراً. والله أعلم.