لماذا أخرج ” نصر الله “رفاتنا؟!

بواسطة | أمير سعيد
اطبع الموضوع
الأربعاء 21 رجب 1429
من حق "حزب الله" أن يحتفل بالإفراج عن أسراه، ويقيم الأعراس من الحدود إلى بيروت، ومن حق زعيمه حسن نصر الله أن يجلس إلى أركان حزبه ليبشرهم بأنه أنجز لهم وعده بالإفراج عن أربعة كانت "إسرائيل" تحتجزهم، لكن من حقنا أيضاً أن نسأل لماذا أخرج الحزب رفات الشهداء والفدائيين من فلسطين الحبيبة إلى خارج حدودها وتصوير ذلك على أنه نوع من الإنجاز يهديه إلى الأمة الإسلامية أو إلى "العرب" مثلما قال في خطابه؟
ومن واجبنا أن نسأل علماء الإسلام عن هذه الصفقة التي جرى بموجبها تسليم رفات "شهداء" من الأرض التي بارك الله سبحانه حولها ليحاكي بذلك المستفيدون من الصفقة فعل "الإسرائيليين" بجثث أسراهم، ثم تقديم ذلك على أنه فتح مبين ووعد الصدق الذي كنا نوعده..
وهل من الجائز نقل الرفات ـ إن كانت دفنت حيث دفنت ـ إلا لمصلحة شرعية معتبرة أم أن المتاجرة بالشعارات تجيز انتهاك حرمة الموت؟ ونسأل القوميين والوطنيين عن "شرف" الشهداء وسموه، أيكون حين يوارى الفدائي الثرى على الأرض التي ناضل فيها أم يعبث برفاته بعد عشرات السنين ليدفن على مبعدة من ثغور الكرامة؟
من اللافت أن حادثة كهذه لم يعرفها تاريخ الفتوحات الإسلامية عبر العصور، حيث يتحول رفات الشهداء لورقة يجري تداولها ويستميت لأجلها القادة ليستردوها من بين أيدي أعدائهم بعد أعوام من استشهاد أفراد جيشهم، بل التاريخ دائماً يجعل مقابر هؤلاء دليلاً على اتساع رقعة فتوحاتهم، ولكم يلمح الفخار من بين سطور المؤرخين الأوائل وهم يسجلون وجود قبر الصحابي أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه على تخوم القسطنطينية (قديماً) للدلالة على انسياب الصحابة في البلدان فاتحين؛ فلِمَ اعترى المتأخرون خجل من رفات ضمتها أرض فلسطين لا "أرض إسرائيل"، دعاهم، فانبروا يجمعون الرفات وينبشون الماضي، ويحفرون القبور من جديد؟!
إن كان لدى "الإسرائيليين" ولع بجمع الرفات والجثث فهل للمسلمين هذا الولع وهذا المنهج؟! وإن كان لديهم ـ جدلاً ـ فهل هذا هو الوقت المناسب لادعاء البطولة في وقت يقبع فيه أكثر من عشرة آلاف فلسطيني في سجون "إسرائيل"، وأضعافهم في سجون العراق على أيدي الاحتلال؟ وهل لأجل هذا قامت حرب يوليو 2006؟!
لقد فعلوا حسناً حين قالوا إنهم قد أنجزوا وعدهم "الصادق"؛ فلقد أفضت عملية غير مكتملة لأسر جنديين "إسرائيليين" على قيد الحياة إلى اندلاع حرب يوليو قبل عامين والتي أسفرت عن مقتل المئات من اللبنانيين وتمركز قوات اليونيفيل في الجنوب، إلى تحرير أربعة أسرى ينتمون إلى الحزب الذي فجر العملية، بالإضافة إلى عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار الذي يتوقع له أن يمنحه "حزب الله" تأييده للحصول على أحد المقاعد المخصصة للدروز وفق التركيبية النيابية في لبنان.. كي ما يتبين الهدف المعلن من عملية "الوعد الصادق" وفعاليتها، وجدواها وأهدافها المعلنة وغير المعلنة، ولقد كان جيداً أن يطرح الحزب رؤيته "النضالية" وفكره الاستراتيجي من خلال عملية كهذه، لندرك حجم ما تحتاجه أمتنا من رفات مستردة تبني بها مستقبلها الواعد..
ندرك بالتأكيد أن احتفالية تأبين الشهداء من الناقورة حتى بيروت، والأبواق التي أرجعت الصدى إلى كل مكان عربي في إعلامنا "المقاوم" كانت لكسب مواقف البسطاء أكثر منها تحقيق استراتيجية مقاومة عربية لا تعرف الطائفية ولا الحزبية، إذ لم يحصد المهللون إلا على مقابر جديدة؛ فيما الكرات تتزاحم في سلة الحزب الذي بدا صاحب الصفقة الناجحة حيث الصفقات الأخرى مرجآت، ومسترد الأسرى ولو كانوا حكراً على طائفته ومن والاها، ومعيد رفات الفدائيين ولو كانوا في أرض المحشر ساكنين. (أليس عجيباً أن يتحدث أحد الزعماء الفلسطينيين أن الرفات الفلسطينية ستدفن "مؤقتاً" في لبنان ثم تعود فيما بعد إلى فلسطين.. ألم تكن بالأصل في فلسطين؟!).
ندرك أيضاً أن رفات الجنديين "الإسرائيليين" لم تكن تلح على أولمرت للإفراج عنهما، فيما شاليط لم يزل على قيد الحياة دون أن تكترث به حكومته أو تخف لـ"تحريره"؛ ليمنح "السيد" فرصة الاحتفال جيداً بذكرى الحرب وهو رافع الرأس بين اللبنانيين، ولم تكن أيضاً تلح عليه لينسف فوراً ما تردد عن هجوم محتمل لـ"إسرائيل" على إيران، وينزع عنه أسباب التصديق، وندرك أيضاً أن الجميع كان يعلم أن الجنديين "الإسرائيليين" قد قتلا لدى أسرهما قبل عامين، والذي كان يهدف بالأساس إلى الإفراج عن القنطار، ومع ذلك فإن سقف طموح الآسرين لم ينخفض إلى غير التحرير بعدما علم "الإسرائيليون" أنهما قد قتلا؛ فإذا الحياة والموت عند أولمرت سيان، فأنجز لـ"السيد" وعده!!
في خلفية الصفقة تبدو أمور يصعب تفسيرها في ضوء الحديث عن "صفقة مشرفة" أو "إعلان هزيمة آخر لأولمرت" أو "تركيع إسرائيل" كما يتحدث الإعلام الحزبي وأنصاره الإعلاميون في العالم العربي، إذ من الممكن تصور أن الحزب قد أنجز شيئاً بالفعل، لكنه شيء لذاته هو، وقد لا يكون غائباً عن حزمة أهدافه تلك الصورة السلبية التي انطبعت عند كثير من العرب ـ حتى أولئك الذين تعاطفوا معه إبان الحرب ـ جراء توجيهه سلاحه إلى قلب بيروت في شهر مايو الماضي، أو تجيير المقاومة الفلسطينية وتأريخها باتجاهه أو تسديد ضربات لخصومه في الداخل.. إلى ما سوى ذلك، وإلا فأي مبرر أخلاقي للعبث بالرفات العربية، أو أي منطق سياسي ودافع استراتيجي أو تكتيكي لاعتبار هذه الصفقة قد عادت علينا كعرب أو كمسلمين ـ بخلاف الحزب نفسه ـ بفائدة أو كانت حتى باكورة تحرك نضالي لتحرير الأسرى أو الأرض أو لتحريك القضية.. ربما ذلك غائب علينا، لذا فبودنا أن نقرأ تحليلاً منصفاً لأحد الخبراء والمحللين الذين لا يتعاطون المال النظيف..