أثر السياسة على علم النسب

بواسطة | الشريف محمد الصمداني
اطبع الموضوع
الثلاثاء 25 ربيع الثاني 1432

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، و العاقبة للمتقين ، و صلى الله و سلم على الهادي الأمين محمد و آله الطيبين ، أما بعد :

   تطمح السياسة دوماً لفرض نوع حكم مستديم و مستقر ، يعلي من شأن الحاكم و امتداده الطبيعي ، و يرسخ قبوله تاريخياً للأجيال القادمة ، و اجتماعياً للأجيال الحاضرة ، و نفسياً على مستوى الأفراد و الأشخاص ، فيتم له بسط السلطان و نشر السلطة و مد النفوذ .

   إنَّ النسب من أهم محددات التأطير السياسي لمطالب محددة ، و تبلوره في نشأته و نواته الأولى ، و بهذا الاعتبار ذهب بعض المفكرين إلى أن ( القبيلة في نفسها تعتبر تمثيل سياسي لمجموعة تحالفات و مباديء و قيم و أهداف تطمح لتنفيذها و تحافظ عليها ) . ( انظر : العقل السياسي العربي للجابري ) . و نسب القبيلة كلما شرف أو قوي و كان أكثر تأثيراً وقبولاً ، كلما كان محل نظر السياسي !

   و من أهم ما تتعامل معه السياسة في إدارة المجتمع أو السيطرة عليه هو الدخول من بوابة : ( النسب ) و العلوم المتصلة به كالتاريخ و الاجتماع و غيرهما ! و من ذلك : إنشاء المؤسسات و الجمعيات و الدور التي تخطط و تدير و تنفذ ، و تستكتب و تنشر  أبحاثها ضمن خطة استراتيجية شاملة !  

   و ليس غريباً أن العرب كانت تقول : ليس ينبغي لقرشي أن يستزيد  من العلوم إلا من علم الأخبار و أيام العرب ..ذلك لأنهم يرشحونه للملك والخلافة التي هي معترك السياسة !

  عندما كان العراق عصياً على معاوية رضي الله عنه : قبل نسب زياد و استلحقه ، فانتقل من ( زياد بن أبيه ) إلى ( زياد بن أبي سفيان ) !

  و لما سقطت خلافة بني أمية ، و توطد حكم بني العباس ، أعلن هارون الرشيد طرد آل زياد من نسب قريش و أخرجهم من ديوان قريش و دواوين العطاء ، و سجل ذلك المؤرخون في كتبهم كابن جرير الطبري و غيره .

  و كثيراً ما احتاج الخوارج و الثوار على نظام سياسي ما أن يعتمدوا على النسب لأجل أن يدعموا فكرة وجودهم و بقاءهم .  و من أشهر أولئك : الدعي العلوي قائد ثورة الزنج ، الذي خرج على العباسيين ، فقد طال تنقله في أعمدة النسب و تجول حتى أن أمره راج على بعض النسابين فقبلوه ، كابن كتيلة .

  و قد لاحظ العبيديون أبناء ميمون القداح أن النسب يضفي قبولاً كبيراً على دولتهم و سلطانهم ، و يميز بينهم و بين أعدائهم ، فأشهروا النسبة إلى الحسين رضي الله عنه ، ليقطفوا ثمرة سياسية محضة . و راج أمرهم على أكابر النسابين كالنسابة العمري ( كما في  مقدمة كتاب المجدي ) ، و ابن الأثير المؤرخ في ( الكامل ) و آخرين  .

  و لهذا ، اضطرت سياسة الخلافة العباسية للتدخل ، فكتبت محضرين في إبطال نسبة بني عبيد ، و أخذت تواقيع العلماء و النسابين بذلك ..

  و ظل الأمر يحكى ، و كأن خلافاً حصل ، ولعمر الله إنه لخلاف ، ولكنه قبل أن يكون نسبياً كان سياسياً شرعياً بالدرجة الأولى !

   لو لم يتول العبيديون خلافة أو سلطاناً لما سمع احد من الناس بأنهم حسينيون !

  و لما سقطت الخلافة العباسية لم يكن هيناً أن تقبل دعوى من شاء للنسب العباسي ، لذا أقام المماليك في مصر الشهود و الأعيان  بحضور العلماء و الأمراء ليتم تنصيب خليفة عباسي جديد محكوم بصحة نسبه !

   عندما صعدت قوة بني عثمان الأتراك ، و توطدت قوتها ، نشأ من يقول من علمائها أن أصل بني عثمان الأتراك هو : عثمان بن عفان رضي الله عنه !  و هو قول باطل ، و لكنها السياسة تعمل عملها و تستنفذ غرضها و حاجتها !

   و لما واجه الصوفية ، و بعض علماء العثمانيين في الحرمين الشريفين و غيرهما أن هناك سلالات تنتسب بسلال و أعمدة محددة في النسب ، تم الزج بمسألة فقهية للبحث فيها ، و هي مسألة ( الشرف من الأم ) لتكون محلاً لتوسيع دائرة الشرف وعدم حصرها في نطاق سلالي ضيق ! و بذلك يمكن تحصيل عدد من الامتيازات الاجتماعية و السياسية لعدد كثير من الناس ! فأصبحت بعض الأسر التركمانية الأصل في الشام وغيرها تحمل في بعض وثائقها ( الحسني ) أو ( الحسيني ) ، ..!  و لا كلام أنها أعجمية الأصل !

و  لما سقطت الخلافة العثمانية ، بحث الباحثون : هل يصح إطلاق لقب ( خليفة ) على العثمانيين ؟!

  و قد اشتد ولع بعض الحكام في الدول العربية بعد سقوط الخلافة العثمانية ، فراموا نيل النسب القرشي أو الهاشمي ، فدخلوا في محاولات جادة لإثبات ذلك الأمر .  في 6 مايو 1952 نشرت الصحف في مصر : بيان السيد محمد الببلاوى نقيب الأشراف آنذاك ينص فيه : أن نسب الملك فاروق يرجع إلى بيت النبوة من ناحية جده لأمه محمد شريف باشا ، .. ( مسألة الشرف من الأم ) مرة أخرى !

   ثم بعد انقلاب الضباط الأحرار ( جمال عبدالناصر ورفاقه ) : أصبح ذلك الإعلان للببلاوي أحد مواد الهجوم الرئيسية على الملك فاروق و على الببلاوي في الصحافة المصرية ؟!

      في كل الحالات كانت السياسة هي التي تبصم بصمتها في تلك الأنساب ! ( انظر كتاب :  فاروق الأول الملك الذى غدر به الجميع ، تأليف : عادل ثابت
ترجمة : محمد مصطفى غنيم
الناشر : دار أخبار اليوم ، الطبعة الثالثة، 1989، صــ: 55 ) .

  و عندما طغت لغة المال على السياسيين في مصر ، طغى حب المال على بعض النسابين هناك ، و وزعت شهادات الأنساب مقابل  دراهم معدودة !   

و لهذا على النسابة أن يحذر من أن يدخل في لعبة السياسة  القذرة من حيث لا يشعر !  

    و من دهاء السياسة أنها استطاعت أن تقدم كتاباً بعنوان ( السلالة الهاشمية في لبنان ) لطوني مفرج ( كاتب نصراني مشبوه ) ، واحتفى به السياسيون من السنة و الشيعة و النصارى في قنواتهم الفضائية و صحافتهم ، ..رأى بعض الساسة أن النسب يمكن ان يحل أكبر معضلة سياسية تهدد وجود لبنان ، فجعل طوني مفرج الشيء الوحيد الذي يجمع بين اللبنانيين هو النسب الهاشمي ..سنة وشيعة و نصارى و دروز ..كلهم هاشميون !!!   

  و انطلى ذلك الأمر على كثير من المثقفين و العوام !

  و من دهاء الساسة أنهم يوهمون بأصول نسبية معينة عندما يكونون في مرحلة بناء و تأسيس ، و ذلك لجمع الأنصار و حشد الجموع ، فإذا حصل الاستقرار لجأوا إلى أصل ثانٍ ، ثم قد يميلون لقول ثالث في المسألة ، ولكنهم يخفونه إلى حين الحاجة إلى نشره …

   و من التدخل السياسي في أمر الأنساب : توجيه البحث العلمي و الاستفادة منه عبر الافراج عن بعض الوثائق التاريخية و جعلها في سياق و إطار معين ، و تشجيع بعض الباحثين ليتبناها بقناعة تامة دون أن يوجه توجيهاً مباشراً لذلك ، فيصبح ذلك الباحث مدافعاً شرساً عن قضية نسبية تشغل بال السياسي ويريد القضاء عليها .

  و انظر مثلاً للجهد و المال و الوقت الذي بذل على كتاب ككتاب ( إمتاع السامر ) تعلم أن ذلك الجهد و المال لا يوازي قدر الكتاب العلمي ، و توجد من الكتب التاريخية ما هو اولى منه بالعناية والتحقيق  ، و لكن وجود حساسية لدى بعض الدوائر الخاصة تجعل الكتاب محل اهتمام الباحثين و مدار الأحاديث في المجالس العلمية بين منتقد و متهم و مفند ..و أصبح  الكتاب كبش النسابين والمؤرخين يتبارون في تقديم ملاحظاتهم و نقدهم  قرباناً منهم لنيل الرضا عند تلك الدوائر !

   و قد لاحظت على بعض الباحثين عدم تحريرهم لمنهج علمي مطرد و مؤصل و متكامل في البحث و التحرير بل يوجد تناقض و تدافع و تنقل و تجول في عدد من الأقوال و الردود التي تفقد صاحبها الثبات و الرسوخ !

  و بعض هؤلاء يحمل نية سليمة ، و يتحلى بجلد و عزيمة لا تتوقف ، و نفس لا تكل و لا تمل ، و لكنه يعمل لحساب غيره كما يقول العامة !

   أمثال هؤلاء منية أي سياسي ، لأنه يستطيع أن يستغل أمثال هؤلاء ليزج بهم في معركة خاصة به دون أن يكلفه ذلك أي ثمن ، فيدارون من وراء الكواليس دون أن تظهر أي بصمة لعمل سياسي ، .. ! و كل ذلك بحجة البحث العلمي الموضوعي !! 

    يقوم بعض النسابين – الآن – في العراق وبلاد الشام بدور خطير في تحقيق رغبات بعض السياسيين العراقيين و الايرانيين ، فيمتد تأثيرهم إلى أسر مستقرة النسب في دول مجاورة  ليصادقوا لهم على أوراق و شجرات نسبية مقابل منافع متبادلة ، و ما قصة انتساب قبيلة النمر المكشوفة للنسب الشريف بخفية عن الأنظار !

  و لا يمكن القول أنها بعيدة عن أي تأثير سياسي ، بل هذا يفتح الباب للنظر في بعض الأسر التي تدعي الآن السيادة في تلك المناطق ، فربما كانت لآثار سياسية غابرة لم يتهيء لها من يكشف زيف دعواها !

   و قد لاحظت أن بعض الأسر السنية العريقة في المنطقة الشرقية تدعي الآن النسب الشريف من جهة كيان سياسي شيعي قديم ، هو كيان المشعشعيين الفلاحيين ، الذي زال و انتهى من الخارطة اليوم ، إلا أنه حاضر في الوجدان الاجتماعي و السياسي الشيعي المعاصر ، و هو الأمر الذي يفتح باباً خلفياً للتشيع ، و بهذا تحصل تهيئة اجتماعية في اوساط سنية تقبل بصيغة سياسية شيعية في المستقبل و لكن بطريقة ناعمة  !     

   و قد اتصل بي بعض الصالحين الأخيار يقول : إن رجلاً من العراق يتصل بنا و يقول إنه الشريف النقيب فلان العراقي ، و إنه يملك أدلة على كون أسرتنا من العباسيين ، و أنكم دخلتم في تحالف قديم مع قبيلة كبيرة في نجد ، و أن لديه الأدلة الدالة على ذلك ،، ..و لما ذكر اسم ذلك الرجل لي كان اسماً معروفاً بولاءه و تبشيره السياسي بالتشيع في المنطقة !!  

  و إن من أخطر المسالك ما تقوم  به بعض الدوائر البحثية المقربة من الساسة – هداهم الله – من تشجيع إثارة الخلاف في أصول الأنساب الكبيرة المستقرة ، لئلا تقوم لأحد قائمة ، و لتضرب أي تجمعات عشائرية أو قبلية كبيرة ، و ليظهر الخلاف في انساب الجميع !!  

  و للأسف فإن هذه الدوائر التاريخية والبحثية تجد بغيتها  في بعض أبناء تلك القبائل ، إذ يلمسون منهم حماساً و تهوراً ، و إقداماً و حباً للظهور ، فيوجهونهم و يشجعونهم و يمدونهم عبر دور علمية ، و مؤسسات بحثية ، و مكتبات خاصة بهذا الشأن !

 و من طرقهم : البحث كثيراً في أصول قديمة و أجداد بعيدين لقبائل عربية أصيلة كريمة بوثائق جديدة نوعاً ما ، و إعادة قراءة نسبها ، والتصنيف في ذلك  و مواجهة الجمهور بتلك النتائج ، مع أن تلك الوثائق يمكن نقاشها بمنهج علمي متوازن دون أن تضرب المسلمات أو تهز الأمور الراسخة ، و لكن هؤلاء يستعجلون في القراءة والرد و النقاش ثم النشر ! 

و من أبرز الأمثلة على ذلك : البحث في أصل نسب قبيلة عتيبة العريقة و إحداث أقوال جديدة في ذلك !  

 و من ذلك : نشر الكتب عديمة الجدوى – و قد تكون أجنبية أو مقدمة لجهات استخباراتية – إذا احتوت على معلومات تنقص من أقدار قبائل و أنساب محددة أو تحدث تشويشاً و بلبلة للأفكار و تغييراً للرأي العام  ! و الأدهى في الاستدلال بها لنقض أصول القبائل أو التشكيك فيها !

  و لاشك أن خلف تلك الموجة الضاربة على الأنساب الثابتة الراسخة المستقرة رغبة دوائر منتفعة من توجهات سياسية بإضعاف خصم بدأ يتشكل في صورة ذات مستقلة في اجتماع أو ائتلاف أو إحياء تحالف قديم !

   و لهذا يجب على طالب علم النسب والباحث فيه أن يحذر أشد الحذر من أن يكون جزءاً من مؤامرة على نسبه هو قبل غيره بأن يشارك في الطعن في قبيلته و أصوله المستقرة دون ان ينتبه ، فيكون مشاركاً في مؤامرة مكتملة العناصر و المعطيات دون أن يعرف من هو السياسي الذي يقف خلفها ..

    إن لذة البحث و طرب التحرير ، و حب حل عويص المشاكل النسبية لا يجوز أن تصرفنا عن الغاية و الثمرة من كل بحث نبحثه ، كما هو معلوم من أصول طلب العلم ..

   و يجب أن نرد أي وثيقة أو شجرة فيها معارضة للأصول و المستفيض إلى قواعد فن النسب لا إلى اجتهادات خاصة ، و تعالم مثير ، و نزوات عابرة تذهب بالحقيقة أدراج الرياح !

   اللذة البحثية العابرة ، نزوة لا تقوى على دك الأصول المستقرة ، ولا تقوى وثيقة على إبطال شجرة تشهد بها القلوب و العقول و تستفيض استفاضة الليل والنهار !

  و قد جلست مرة مع سياسي كبير ، و دار الحديث حول قيمة بعض المصادر والمراجع النسبية والتاريخية ، و أن حركة البحث والنشر أحياناً تكون متوافقة مع ظروف سياسية ، فقال : لا تنس قاعدة أن التاريخ ( و منه : النسب ) يكتبه المنتصرون و الحكام !  

  و لا زال هذا الموضوع فيه المزيد للمستزيد ، وتركت الكثير من الشواهد و القصص التي لا تخفى ، لكني اكتفي بهذا القدر من الترابط و التلاحم بين : السياسة و النسب ، و لاشك أن هناك جوانب إيجابية للتلاحم بينهما ، و لكنني أظهرت شواهد قد تكون غائبة عن نظر النسابين و بعض المثقفين ، و أسأل الله العلي العظيم أن ينفع و يهدي به من شاء من عباده !

1 تعليق

  1. الشريف محمد بن حسين الحارثي says:

    أصبت ياشريف محمد : بحث قيم , وستبقى السياسة ذات تأثير كبير في الأنساب إيجابيا كان أم سلبيا على مدى التاريخ , وقراؤك ومحبوك يحتاجون إلى المزيد من الأمثلة والشواهد. فسلمت يمينك ودمت بخير.

اضف مشاركتك هنا: