آل البيت : و أي نهجيك تنهجُ

بواسطة | إبراهيم الجعلوني
اطبع الموضوع
الاثنين 28 ذو القعدة 1432

لا يملك المرء – في حال كونه مؤمناً بالله ورسوله – الا ان يتخذ الموقف الاخلاقي الذي اتخذه ابن الرومي من آل البيت, ايام قلب لهم بنو العباس ظهر المجن, وامعنوا فيهم قتلاً وتشريداً, تماماً – وان اختلفت الطرائق – على نحو ما كان من بني امية, مما يملؤ كتب تاريخنا بوقائع النكران والعقوق, ويقفنا على انموذجات معجبة من ذلك..
يقول ابن الرومي في رثاء أبي الحسين يحيى بن عمر بن حسين بن زيد بن علي, من قصيدته التي مطلعها:
أمامك فانظر أي نهجيك تنهج
طريقان شتى: مستقيم وأعوج
يقول مخاطباً أهيل زمانه:
الا أيهذا الناس طال ضريركم
أكلّ أوان للنبي محمد
بآل رسول الله فاخشوا او ارتجوا
قتيل زكي بالدماء مضرّج
كما يقول لهم ايضاً:
الا أيها المستبشرون بيومه
اكلكم أمسى اطمأن مهاده
أظلت عليكم غمة لا تفرّج
بأن رسول الله في القبر مزعج
ثم يقول, في اشارة – لا تخفى على اللبيب – الى أن معاداة آل بيت رسول الله هي معاداة للاسلام نفسه:
واني على الاسلام منكم لخائف
بوائق شتى بابها الان مرتج
ومن يقرأ هذه القصيدة العظيمة, ويلتفت الى حدة النقد الضمني فيها لبني العباس, ثم يستذكر كون ابن الرومي مولى لعبد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور العباسي, وانه رجل لا عصبية له تحميه, يدرك مبلغ شجاعته الادبية وصدق عاطفته الدينية اللتين حملتاه على الجهر بهذا الشعر الغاضب الذي يكاد يكون دعوة للثورة بالسلطة التي غالت يحيى بن عمر, أو يدرك – في تعبير اكثر دقة – ان ابن الرومي إنما كان يحفر قبره بيديه او يسعى الى حتفه بقدميه، ولعل ذلك وراء ايراد ابي الفرج الاصفهاني للقصيدة في كتابه «مقاتل الطالبيين» الذي نذره لشهداء آل البيت وقتلاهم من مطلع الاسلام الى ايامه.
لقد كان اعلام آل البيت حُراسا للقيمة، امناء على المُثُل العليا، حراصا على تمثل مروءات العروبة والاسلام فيما يأتون ويدعون من شؤون.
كانوا منارات تتبين في اضوائها الكاشفة قامات الرجال، وشكلوا بسُمُوقِهم تحديا لاخلاقهم وتمحيصا لمبادئهم. وكان اكثر الناس في غير هذه السبيل.. كانوا اقرب الى «اسفل سافلين» من تكوينهم منهم الى «احسن تقويم» منه.. وعَسُرَ عليهم نشدان المثل الاعلى، فاجتالتهم المطامع والمطامح والاهواء عن سمته.. وبقى آل البيت هنالك في المرتقى الصعب، وكان ما كان من عقوق ونكران يندى لهما وجه الزمان، وكان ما كان من تباعُد مفجع بين نهج ونهج، بين عُلوٍّ وتَسَفّل، بين تزكيه وتدسيه «قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها» وبقي سؤال ابن الرومي قائماً، صارخاً في البرية:
أمامَك فانظرْ أي نهجيك تنهَجُ
طريقان شتىّ: مستقيمٌ وأعوجُ

المصدر : صحيفة الرأي الالكترونية

اضف مشاركتك هنا: