الأدارسة في صقلية – 1

بواسطة |  حسين مؤنس
اطبع الموضوع
الأربعاء 05 ذو القعدة 1425

مازالت الدولة الإدريسية تنتظر من يكتب تاريخها ويحد دورها في بناء المغرب العربي ، ولا زال أصحاب كتب التاريخ الإسلامي العام ينظمونها في سلك الدويلات التي تقاسمت نواحي المغرب الاسلامي ابتداءً من منتصف القرن الهجري الثاني جاعلين إياها صنواً لدولة بني الأغلب أو دولة بني رستم التاهرتيين أو حتى دولة بني مدرار أصحاب سجلماسة ، ويفوتهم في أثناء هذا العرض السريع المتواضع أن يتبينوا مكانها كحجر الزاوية في بناء إسلام المغرب الأقصى وغربي المغرب الأوسط والقضاء على نزعات الخارجية التي اجتاحت هذه النواحي من أواخر القرن الهجري الأولي ، وما بذله أمراؤها من جهد في إرساء أسس الاسلام الصحيح ، وتثبت دعائم العروبة ولغتها وثقافتها في بلد أصبح بفضل الأدارسة الدرع الواقي للجناح الغربي من مملكة الاسلام .
و الحقيقة أن كتابة هذا التاريخ والقيام بحقه عسيرة كل العسر ، فإن المعلومات عن دولة الأدارسة قليلة لا تزيد على صفحات عند أبي عبيد البكري وابن الأثير وابن خلدون وابن عذارى وصاحب روض القرطاس والغويري وابن الأبار وابن حماده ، وهذا النزر اليسير من المعلومات بعد ذلك متناقض متعارض سطحي يصعب معه الوصول إلى الحقائق والأصول التي يطلبها من يقوم على كتابة التاريخ بحقه ولا يكتفي بظواهر الأحداث وبسائط الوقائع .
و قد ألم ا.ف. جوتييه بتاريخ الأدارسة في كتابه المعروف عن القرون الغامضة من تاريخ المغرب ، وربط قيام دولتهم بما كان لبلدة وليلى Volubilis من دور كبير في تاريخ المغرب الأقصى على أيام الرومان ، وشطح بالموضوع على طريقته في تصور التاريخ ، وزاد الأمر بذلك تعقيداً ، وعلى هذه الشطحات بنى جورج مارسيه ما قاله عن الأدارسة في كتابه عن المغرب خلال العصور الوسطى ، وطوع المادة اليسيرة التي جمعها لتلك النظرية الضالة التي مازال الفرنسيون متشبثين بها من أيام هنري فورنل ، وهي نظرية زورها أصحابها لتأييد ما كانت فرنسا ترمي إليه من فصل المغرب عن الكيان العربي ، وقد كذب الله ظنونهم وله الحمد كل الحمد .
نظرة عامة في تاريخ الأدارسة :
و قد تبينت جانباً من هذه الصعوبة عندما مست الحاجة إلى تقويم شجرة النسب الإدريسي لتحقيق بعض الأخبار التي أوردها أبو عبد الله بن الأبار في كتابه المبدع (( الحلة السيراء )) . وقد اعتمدت أول الأمر على (( جمهرة )) ابن حزم ، وعندما شرعت في تحقيق ما جاء فيها ومقارنته بما ذكره أبو عبيد البكري وابن عذارى وابن الأثير وابن خلدون والنويري من أحداث التاريخ الإدريسي تبينت أن صاحب (( الجمهرة )) قد وقع في أخطاء كثيرة وخلط في أنساب الأدارسة ، ثم راجعت ذلك كله على ما في روض القرطاس ، واستطعت أن أقوم معظم فروع الشجرة وأربطها إلى الجذع الإدريسي على نحو معقول . وقد أخرت الرجوع إلى روض القرطاس لأن صاحبه من أقل المؤرخين تدقيقاً وضبطاً ، وقد عانيت من أخطائه الشيء الكثير .
و تتجلى صعوبة ضبط هذا النسب عندما نصل إلى الجيل السادس وما بعده من أجيال الأدارسة ، فإن الأمر هنا يختلط إختلاطاً شديداً لكثرة الفروع وتشابه الأسماء ، فإن الأدارسة كان لهم ولع بأسماء معينة نجدها في كل فرع تقريباً مثل القاسم ويحيى وعلي ومحمد وأحمد وكنون وأدريس والحسين ، ويزيد الأمر تعقيداً أن الرجل منهم قد يسمى ابنين من أبنائه باسم يحيى ، و اثنين باسم القاسم ، و اثنين باسم علي ، و هكذا ، والمؤرخون يميزون بعضهم عن بعض بقولهم : القاسم الأكبر ، و القاسم الأصغر ، أو : يحيى الأكبر ، و يحيى الأصغر ، و هكذا ، و واضح أن ازدواج الأسماء هذا راجع إلى تعدد الزوجات ، فكل منهن تريد أن يكون من أبنائها قاسم ويحيى وعلي وما إلى هذه من الأسماء المحببة إلى البيت الإدريسي .
أضف إلى ذلك تقرق فروع هذا البيت في نواحي المغرب الأقصى ابتداء من جيله الثالث ، فقد ولى محمد بن إدريس بن إدريس إخوته الكبار داود ويحيى وعيسى وعمر وحمزة والقاسم وعلياً على نواحي مملكته ، فأصبح كل منهم وكأنه صاحب الناحية التي ولى عليها ، وأقام فيها وصاهر أهلها ، ونشأ أبناؤهم واتصلت أنسابهم واشجة في أنساب أهل القبائل ، ويبدو ذلك بصورة واضحة في أبناء علي وعمر والقاسم ، وقد بلغ هذا الإمتزاج مع القبائل مبلغ الاندماج الكامل واتخاذ الأنساب المحلية ، فظهرت في أسماء فرع القاسم أسماء كنون وأبي العيس ، وفي فرع على أسماء ونعال وفك الله وتعود الخير ، وحمل بعض سلائلهم نسبات محلية مثل أحمد الكرتي من أبناء القاسم بن إدريس بن إدريس ويحيى الجوطي وهو من أحفاد علي حيدرة بن محمد بن إدريس ابن إدريس بيوت الأشراف العلميين والمشيشيين والوزانيين ، ومثل ذلك كثير .
ثم إن تاريخ الأدارسة لم يسر في خط متصل ، ولم يتركز في عاصمة واحدة ، وهو في تقطعه أشبه بسراج في مهب الريح ، إذا هدأت سكنت شعلته واستقامت وارتفعت ، وإذا هبت عبثت بها فمالت في كل ناحية ، وربما خبت حتى تكاد تخفى ، ثم تعود إلى الاستقامة والارتفاع من جديد ، والحق أن دولة الأدارسة لم تكن في مهب ريح فحسب ، بل كانت في ملتقى عواصف وأنواء ، فتعرضت في حياة محمد بن إدريس لعواصف الحرب بين الإخوة ، وتعرضت في حياة يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس لمأساة كادت تطيح بها ، وانتقل الملك من فرع محمد بن إدريس إلى فرع عمر أخيه ، ثم إلى فرع أخيهما القاسم عقب ثورة عبد الرزاق الفهري ، ثم عاد إلى فروع عمر بعد مقتل يحيى العدام سنة 292/905 وانتقال الملك إلى يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس ، وهنا تصل الدولة إلى ذروتها .
و قد شاءت المقادير أن يتوافق هذا الأوج مع ظهور الخطر الذي كسر عمود هذه الدولة وشتت أمرها ، وهو خطر العبيديين ، فقد كان هؤلاء منذ استقام لهم الأمر في القيروان يحسون بقلق أكمزهم وضعف قواهم في هذه الناحية التي قام لهم الملك فيها قياماً هو اشبه بالمصادفة السيئة لهم ولأهل المغرب والأندلس جميعاُ ، فطفقوا يبحثون عن مستقر آخر لسلطانهم ، ومضت جيوشهم تضرب شرقاً وغرباً ، وبعثوا قوادهم يجوسون خلال نواحي المغرب ، واستشعر بنو أمية الأندلسيون خطرهم ، فتجردوا لدرئه ، وكان ميدان الصراع بين الدولتين ذلك الجزء الشمالي من المغرب القصى الذي أقام فيه بنو إدريس ملكهم ، ولم يكن الدارسة على قوة تمكنهم من الثبات في ذلك الصراع ، ولم يلبث أمرهم في فاس أ أنتهى على يد مصالة بن حبوس وموسى بن أبي العافية فيما بين سنتي 309 (921-922) و 332 (944) ، وقد كانت دولة الأدارسة في فاس قد صحت صحوة قصيرة بعد ذلك على يد الحسن الحجام بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس ، ولكنها كانت إيماضة عابرة دامت نحو السنتين ، ثم تلاشت سنة 313 (925) على يد موسى بن أبي العافية .
وقد تجرد ابن أبي العافية هذا للقضاء على بقاياهم في نواحي المغرب ، فأجلاهم عن النواحي التي كانت بعض فروعهم قد تأصلت فيها مثل شالة وأصيلا ، وتجمع الباقون منهم في قلعة حجر النسر ، وهي قلعة ابتناها محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس سنة 317(929) على أصح الأقوال . و في هذا الحصن وما حوله أقام بنو إدريس من فرع محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم في ضمول تاركين بقية المغرب الأقصى لآل أب يالعافية ، فلما تلاشت دولة هؤلاء سنة 360 (971) تنفس بنو إدريس الصعداء وخرجوا من معقلهم وعاد لهم سلطان على كثير من نواحي المغرب الأقصى ، وقد تولى كبر ذلك القاسم كنون بن محمد باني قلعة الحجر ، وبه بدأ ما يعرف بالدور الثاني من تاريخ الأدارسة ، وهو في حقيقة الأمر الدور الرابع أو الخامس ، فما أكثر ما مر به تاريخ هذه الدولة من ادوار ، وعلى أي حال فقد كان دوراً باهتاً مضطرباً كان الأدارسة فيه تارة في طاعة بني أمية القرطبيين وتارة ضحية لأتباع العبيديين ، وفي بعض الأحيان نجد أمراء الأدارسة بين رجال الناصر الأموي يعيشون في قرطبة ويخرجون للجهاد مع جيش الخليفة الأموي ، وفي أحيان أخرى نجدهم محاربين لهم ، وفي أيام الحكم المستنصر الأموي استولى قائده غالب المعروف بفارس الأندلس على حجر النسر ، واستسلم له الحسن بن كنون بن محمد بن ابراهيم بن محمد بن القاسم بن ادريس سنة 363 (973-974) وانتقل إلى قرطبة هو وآله حيث عاشوا في كنف المستنصر ، وتجرد غالب لاستنزال من بقي منهم من معاقله وإجلائهم إلى قرطبة .
و حياة الحسن بن كنون هذا مأساة طويلة هي أشبه بالقصص ، فقد وقعت النفرة بينه وبين الحكم المستنصر ، فأخرجه هذا الأخير مع أهله إلى المشرق ، فمضى إلى مصر ، ولقى الخليفة الفاطمي العزيز نزار بن المعز بعد سنة 365 (976) ، وكان الأمل يراود حسناً في محاولة السلطان في المغرب الأقصى مرة أخرى ، وصادفت هذه الرغبة اتجاه العزيز إلى مناوأة بني أمية الأندلسيين ، فأعانه على ما طلب ، وخرج إلى المغرب الأقصى حيث زوده بلكين بن زيري بقوة يسيرة استطاع أن يقيم لنفسه بها أمراً ، ولكن المنصور بن أبي عامر وصي الدولة الأموية إذ ذاك لم يزل يحتال عليه حتى استقدمه على أمان ، ثم غدر به وقتله وهو في الطريق إلى قرطبة في جمادى الأولى سنة 375 (اكتوبر سنة 985) .
و كانت هذه هي نهاية الملك في الفروع الرئيسية من آل إدريس ، وقد ظهر لهم ملك بعد ذلك في فروع بعيد يعرف بالحمودي نسبة إلى حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس ، وقد ظهر أمر هذا الفرع في جنوب الأندلس وسبتة وطنجة عقب انتثار عقد الخلافة الأموية ، فلم يتردد من طلب الأمر من أولئك الحموديين في اتخاذ لقب الخلافة ، وكانت لهم في اضطرابات الفتنة الكبرى في الأندلس وقائع ومجالات انتهت كما يقول ابن حزم في رجب سنة 448 (نوفمبر 1056) وبقي من بقي منهم (( شريداً طريداً في غمار العامة(1) )) .
_______________________
1 الجمهرة ص51، وقد أخطأ ابن حزم في تحديد ذلك التاريخ .