كافور و نساء الأشراف

بواسطة | محمد الصمداني
اطبع الموضوع
الخميس 15 صفر 1426
كثيراً ما تنسى فضائل الناس و منازلهم و يلصق بهم أقبح الصفات و أرذل الدنايا ، و من أهم أسباب ذلك عدم مطاوعتهم لأبناء الزمان ولصوص المطامع و المنازل .. و لعل كافور من أوفر الناس حظاً في ذلك ، فهو الرجل الذي لا يعرف عنه كثيرٌ من الناس إلا أنه ذلك العبد الذي صرخ في وجهه المتنبي بأبياته الشهيرة التي منها :
لا تشتري العبد إلا و العصا معه ….
و نسي الناس قول المتنبي فيه :
قـواصد كـافور توارك غيره و من قصد البحر استقل السواقيا
فـجاءت بنا إنسان عين زمانه وخلَّتْ بياضاً خلفها ومآقــيا
قال الذهبي رحمه الله :" هجاه لآمةً وكفراً لنعمته .. " [1].
و يجهل كثير من الناس أن كافور ملك مصر و أميرها ، و أنه كان يدعى له على منابر الشام و مصر والحرمين والثغور ، و فوق هذا و ذاك هو أحد أمراء دول أهل السنة في ذلك الزمان ..
قال فيه الذهبي :" كان مهيباً ، سائساً ، حليماً ، جواداً ، وقوراً ، لا يشبه عقله عقول الخدام .. " .
و كانت له فواضل على الفضلاء ، فكان :" كل ليلة عيد يرسل وقر بغل دراهم في صررٍ مكتوب على كل صرة اسم من جعلت له ، من بين عالم و زاهد ، و فقير و محتاج .. " [2].
و لقد كان لذلك العبد الأمير مواقف عظيمة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل إليها بعض من يدعي التشيع والحب لآل البيت في ذلك الوقت .. كبيت الحمدانيين بالشام أو العبيديين الزنادقة بالمغرب …
و ليس هذا بغريب ، فإن خدام و عبيد أهل السنة على حافر أسيادهم و أرباب نعمتهم ، من الملوك و الأمراء الكرام ، و ما كافور إلا صنيعة من صنائع الأخشيد .. و إذا كان هذا حال العبيد فكيف بحال الأسياد و أرباب النعمة ..
كانت بين كافور و رجال العلوية علاقة حسنة بمصر ، حتى كان له " جامان و رغيف من الحلوى " [3]على الشريف أبو محمد عبدالله ابن طباطبا الحسني ، و كان الشريف يأمر صبية حسنية ببيته تقوم بعمل ذلك لكافور خاصة من دون الناس !
و مما يحكى عن كافور الأخشيدي صاحب مصر أنه وقفت له امرأة في طريقه وصاحت به : ارحمني يرحمك الله ، فدفعها أحد رجاله دفعاً عنيفاً ، فسقطت ، فاغتاظ كافور وأمر بقطع يده ، فقامت تشفع له ، فتعجب من مكرمتها ، وقال : اسألوها عن أصلها ، فما تكون إلا من بيت عظيم ! فسُئلت ؟! فإذا بها علوية ، فعظم الأمر على كافور وقال قد أغْفَلنا الشيطان عن نساء الأشراف ، وأحسن إليها وتفقد سائر نساء الأشراف وأدرّ عليهم الإحسان والجاريات([4])
و يحكى أن كافور الأخشيدي كان يوماً في موكب ، فسقط منه سوطه ، فناوله إياه أحدُ الشرفاء ، فقبل يده شكراً وقال له (( نعيتَ إليَّ والله نفسي ، فما بعد أن ناولني ولدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سوطي غايةٌ يُتَشَرَّفُ لها )) ، فمات عن قريب ([5]) .
كم يملأ كثيرٌ من الناس العالم بحبهم و تفانيهم و إخلاصهم لآل البيت ..و إذا فتشت أحوالهم ورأيت أعمالهم وجدتهم قطاع طريق يقتاتون بهذا الاسم الجليل العظيم ، ينصبون الفخاخ تلو الفخاخ ليتعيشوا منها عيشاً رغداً .. و الله حسيبهم !
و لو كان كلامهم يصدر من صدق إيمان و صحة إسلام لكان في أعمالهم شواهد صدق تدل على ما يدعون ، ولكن الناقصَ ناقص .. ها هنَّ أولاء نسوة و ضعفاء آل البيت لا يجدن من يكسو عريهن و لا يداوي مرضاهن و لا يطعم جائعهن و لا يعلم جاهلهن …
يا ليت أولئك يصلون إلى طرف من حال العبد كافور !



[1] سير النبلاء ( 16 / 191 ) .
[2] شذرات الذهب ( 4 / 296 ) .
[3] البداية والنهاية لابن كثير ( 11/250 ) .
[4] المغرب لابن سعيد ص 48 .
[5]نفس المصدر ص 47 .