التعصب لأهل لبيت

بواسطة |  د. عبدالكريم بكار
اطبع الموضوع
الاثنين 25 صفر 1426
من الطبيعي أن يحب المرء كل من يدلي بسبب إلى من يحب ، لا سيما إذا كان في النصوص الشرعية ما يشير إلى ذلك ، أو يحث عليه ‘ فإذا عضد ذلك وجود صفات ملموسة من صفات الكمال فإن الأمر يزداد توكيداً ، وهذا ما توفر لكثير من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن النصوص قول الله تعالى :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)1
وقوله سبحانه :
(قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) وهناك أحاديث عديدة .
وأهل الحق يحبون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحبون أصحابه وأولياءه ومن سار على سنته ، لكن ذلك كله في إطار عام من الجمع بين النصوص، وإقامة موازين الإسلام العامة ، كقوله سبحانه :
(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) 3.
وقوله :
(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)4.
وقوله صلى الله عليه وسلم : (يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً 5.
وقد أبطل الله تعالى علائق النسب عندما تعارضت مع الإيمان والاتباع حين قال سبحانه :
(تبت يدا أبي لهب وتب . ما أغنى عنه ماله وما كسب)
لكن حدث هناك خلل عند طوائف وأفراد من أهل السنة و غيرهم ، وقد أوصلهم ذلك الخلل إلى نوع من الغلو في حب قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبلغ بهم ذلك الغلو أنهم أحبوهم وقدسوهم أكثر من حبهم لرسول الله الذي أحبوهم من أجله ، وهذا من العجائب حقاً !! وتجاوز ذلك اعتقاد العصمة فيهم من بعض الطوائف ، بل نزول الوحي على بعضهم ، بل اعتقاد الألوهية !!
ومن صور التعصب الممقوتة المبالغات العجيبة التي نسبها بعض الأشياع والمتحزبين إلى بعض أهل البيت ، كالذي ادعى من أن الله تعالى رد الشمس لعلي مرتين بعدما غربت !! ويأتون للدلالة على ذلك بحكايات تفتقر إلى الأسانيد الصحيحة . ومثل هذا الحدث الضخم لا يقبل ولو رواه ثقة عن ثقة ! لأن مثل هذا مما ينبغي أن يرويه – لو حدث – الألوف عن الألوف6 . وما أطيب العرس لولا النفقة !! .
ومما دفع عليه التعصب المذموم : ما ادعوه أن علياً – رضوان الله عليه – كان يصلي في ليله ونهاره ألف ركعة 7 . وهذا الخبر صنو الخبر الأول في الغرابة والبعد عن الحقيقة ، وإذا كان الخبر الأول يقضي برد الشمس لعلي مرتين فإن هذا الخبر يفيد أن نهار علي وليله غير نهار الناس وليله ، إذ لو فرض أن كل ركعة تستغرق دقيقتبن لكان يوم علي ثلاثاً وثلاثين ساعة !! ولوجب أن يكون الرجل ممن لا يزور ولا يزار ، ولا يأكل ، ولا يشرب ، ولا ينام ، ولا يسعى على عياله !! وإذا تجاوزنا كل هذا فهل اشتغال الإمام بإصلاح شؤون الرعية ، وإقامة العدل ، والذب عن البيضة أفضل ، أم الاستغراق في الصلاة ؟! لكن إذا لم تستح فقل ما شئت ! .
ومنها ادعاء بعضهم أن كلام علي فوق كلام المخلوقين ، ودون كلام الخالق8 . وفي هذا إزراء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم ، واستخفاف بأبسط أنواع الاستقراء التي يؤمن بها بنو البشر !! .
والعجيب أن العلامة صالحاً المقبلي اليمنى لم ينج من شيء من المبالغة في حق آل البيت حين قال فيهم : (إنهم مظنة الخير ومئنته ، وسر النبوة سارٍ فيهم لائح في أعمالهم ومكارم أخلاقهم ، بل على صورهم الحسية ، يرى غالب الناس الرجلين بديهة ، أو يظن أن أحدهما من أهل البيت النبوي ، ولقد كنا في اليمن ما يكاد يتخلف هذا علينا لصحة أنسابهم)9 !! .
وتجاوز هذا الأمر كل ما ذكرناه إلى إثبات العصمة لكثير من أهل البيت بحجة أن ذلك كان من لطف الله بالخلق حتى لا تنطفئ فيهم شعلة الهداية !! . وفي هذا طامة كبرى حيث يصبح الدين كله إلى يوم القيامة في يد أشخاص يزيدون فيه وينقصون منه على أهوائهم ، وحينئذ فقل على الثوابت السلام !! . إن أهل الحق يثبتون العصمة لمجموع الأمة ، فهي لا تجتمع على ضلالة ، لأن فيها طائفة ظاهرة على الحق أبداً . أما الأفراد فلا عصمة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
ومن أنواع التعصب لأهل البيت : ادعاء بعضهم : أن الله أسقط المؤاخذة عن أهل البيت، وسامحهم في جميع ما يأتون ، وقد قال ابن عربي : إن ما يصيبنا من ظلم ظالمهم فكما يصيبنا من القدر المطلق ، ولا نذكرهم في قلوبنا وألسنتنا إلا بخير والقبيح لا يقبح منهم ، لأنهم مطهرون . وهذا الكلام لا يحتاج إلى تعليق ! .
وفي تاريخنا مآس ، ومصائب سود نتجت عن الغلو في حب آل البيت والمفاضلة بين أهل البيت وغيرهم ، وقد قتل اثنان من الأعلام هما : ابن هذيل ، وابن البردون على يد أبي عبد الله الشيعي ، لأنهما لم يقولا بتفضيل (علي) على الشيخين أبي بكر وعمر11 . فهل هذا مما يرضي أبا الحسن ؟ معاذ الله !! .
وقد جر بعض أنواع التعصب لأهل البيت البلاء عليهم في بعض الأحيان ، من بعض من يدعون حبهم ، وتعظيمهم ، كما حدث في القرن الثاني عشر الهجري حيث حرم الزيدية في بلاد اليمن حق زواج الفاطميات على من ليس بفاطمي ، وعدوا حق المطالبة بالكفاءة فيهن لله وحده ، فليس لأحد أن يسقطه ! وكانت عاقبة ذلك أن كثيرات منهن صرن عوانس ، والمفاسد التي تترتب على العنوسة كثيرة . ومع أن النساء أكثر من الرجال ، فإنَّ كثيراً من الفاطميين يتزوجون من غير الفاطميات ، ويدعون الفاطميات قواعد في البيوت12 !
و هذا هو الحب الذي يقتل حقاً ! .
وقد كثر المدعون للنسب الشريف ، وشكلت لذلك النقابات والهيئات ، واقتات على موائد أهل البيت أفراد وطوائف ودول ، وصيروهم مظلة ترتكب تحتها المحادة لله ورسوله ، كما فعل العبيديون في مصر حين تسمو بـ (الفاطميين) ، وفعلوا كل قبيح من ادعاء الألوهية ، إلى ارتكاب الكبائر وسفك الدماء13 . وما زال المسلسل متتابعاً ، ولا حول ولا قوة إلى بالله .


1 سورة الأحزاب . وقد رجح القرطبي وابن كثير والشوكاني أن المراد ببيته هنا أزواجه وفاطمة وعلي والحسن والحسين . انظر فتح القدير : 4/280 .
2 سورة الشورى : الآية 23 . ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد أن تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها . وهذا هو الثابت عن ابن عباس ، ورجحه الشوكاني . انظر السابق : 4/537 .
3 سورة الحجرات : الآية 13 .
4 سورة النجم .
5 صحيح البخاري : 6/203 .
6 انظر المنتقى من منهاج الاعتدال : ص 526 .
7 السابق : ص 491 .
8 المنتقى في منهاج الاعتدال ص 508 .
9 العلم الشامخ : ص 267 .
10 العلم الشامخ : ص 266 .
11 سير أعلام النبلاء : 14/215 .
12 العلم الشامخ : ص 282 وما بعدها .
13 البداية و النهاية : 12 / 10-12 .
{moscomment}